أرشيف - غير مصنف

أي حكومة فلسطينية نريد؟

أي حكومة فلسطينية نريد؟

بقلم : زياد ابوشاويش

أول الغيث قطرة. وهكذا كان لقاء فتح وحماس وبدء المصالحة الفلسطينية، ثم انهمر المطر غزيراً بحوار القاهرة وتشكيل لجانه الستة واتضاح إمكانية تحويل نصر غزة إلى واقع سياسي فلسطيني جديد يفرض أجندته ولا تفرض عليه أجندات العدو أو حلفائه الأمريكيين والذين نعلم يقيناً أنهم كانوا أصحاب اليد الطولى في منع الحوار والتقاء الاشقاء على البرنامج الوطني، كما كانوا أصحاب الكلمة الأخيرة في كل الحصار المفروض على شعبنا منذ نجحت حماس في انتخابات عام 2006 التشريعية وشكلت حكومتها الأولى.

إن مسألة تشكيل حكومة وفاق وطني أو وحدة وطنية على أساس البرنامج المشترك للفصائل تكتسب أهمية خاصة في كل عملية الحوار والمصالحة الجارية لأنه يتوقف على بيانها السياسي وبرنامجها استمرار التواصل مع الدول المانحة التي تشترط لاستمرار دعمها المالي اعتراف هذه الحكومة بالاتفاقات السابقة بين السلطة ومنظمة التحرير من جهة وبين اسرائيل من الجهة الأخرى، وبصورة أوضح تشترط اعتراف حماس بالعدو الصهيوني وكيانه لقبول مشاركة حماس في الحكومة والعملية السلمية المفترضة.

لعل الواقع الذي يعيشه أهلنا في الضفة الغربية تحديداً يشي بحقيقة هذا السلام الذي يتمسك به هؤلاء ومعهم السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس، هذا السلام الذي لم تقدم اسرائيل من أجله أقل التنازلات، بل على العكس عملت ولا تزال كل ما من شأنه تدمير العملية السلمية باجراءاتها الفاضحة لتهويد القدس وتوسيع الاستيطان في الضفة والقضاء على كل إمكانية لنجاح خطة الرباعية وحل الدولتين الذي يتغنى به الجميع وفي مقدمتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ولأن الثورة الفلسطينية والمقاومة على امتداد ما يزيد عن أربعين عاماً تواصل عملها في ظل ضغوط هائلة ومؤامرات متنوعة ولم تخضع لمنطق العدو وحلفائه الأمريكيين فيما يخص الاعتراف ووقف ما يسموه العنف فإن صمود غزة وفشل الحرب التدميرية عليها أدعى لرفض منطق إملاء الشروط الذي تنتهجه الادارة الامريكية والاوروبيون من أجل وقف المقاومة والاعتراف بالعدو. وفي المقابل فإن حكومة فلسطينية تعلن برنامجاً للمقاومة ووقف العملية السلمية أو المفاوضات ستعني عودة الحصار السياسي والمالي وتكتل الجميع ضدها، حتى من الدول الصديقة كروسيا والصين. إذن ما هو الحل ونحن نعرف أن حماس ومعها كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها لا زالت تتمسك ببرنامج المقاومة ولا تعترف باسرائيل وهي لن تفعل ذلك نتيجة حوار القاهرة، ولا نتيجة أي ضغوط يمكن أن تمارس عليها؟

الحل يكمن في وثيقة التفاهم التي جرى الاتفاق عليها في حوار القاهرة عام 2005 وكذلك في صيغة اتفاق مكة على الصعيد السياسي، وهي الصيغة التي لا تلزم أي فصيل بالاعتراف أو وقف المقاومة عبر وثيقة مكتوبة وفي ذات الوقت تمنح القيادة الفلسطينية المرونة والتفويض اللازم لادارة العملية السياسية مع العالم بضوابط مرجعيتها في المحصلة النهائية المجلس التشريعي والوطني ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة تفعيلها وانضمام حماس والجهاد لها.

هذه ليست المرة الأولى التي نكون فيها أمام خيارات صعبة ومعقدة ولن تكون الأخيرة فلماذا التجاذبات التي نسمعها بين الفينة والأخرى في تصريحات هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك حول نتائج الحوار الوطني ومواصفات الحكومة القادمة سلفاً؟ إن الحديث الذي سمعناه على لسان السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية حول مواصفات الحكومة اللاحقة ومن ثم رد السيد خالد مشعل حول ذات المعنى وباتجاه معاكس ليس له ما يبرره ، ولسنا ملزمين بتقديم شهادات حسن سلوك مقدماً لأي جهة مهما كانت. وحتى من الزاوية التكتيكية تقتضي المصلحة الفلسطينية إضفاء الكثير من الغموض على طبيعة تشكيل هذه الحكومة مع وضوح شديد في اتفاق الفصائل برنامجياً على استمرار المقاومة بكافة أشكالها ما بقي الاحتلال فوق أرضنا.

إن رفع الفيتو الأمريكي عن الحوار الفلسطيني كان نتيجة صمودنا العسكري والسياسي فلماذا نضيعه الآن بمناكفات لا جدوى منها؟ ولماذا نقدم للعدو ما فشل في تحقيقه بالقوة العسكرية؟

الواقعية الثورية تقتضي فهم خارطة الصراع وتوازناتها من
أجل تعديل وتغيير هذا الواقع بما يخدم برنامجنا ولذلك نطالب بحكومة تجمع بشكل مرن ومبدأي في ذات الوقت كل خيوط اللعبة الجارية دون تفريط أو تشنج وقد يكون مفيداً استشارة دول معينة في هذا الامر وتحديداً سورية ومصر والسعودية فنحن بحاجة ماسة لدعم هذه الدول الثلاثة لانجاح أي اتفاق داخلي نصل إليه.

هناك عناوين أخرى للحوار شُكلت لها لجان خاصة وهي عناوين أهم بالمعنى الاستراتيجي من عنوان الحكومة الوفاقية، ولذلك يجب أن لا ننشد لموضوع تشكيل هذه الحكومة على حساب العناوين الأخرى لأن موضوع التعاطي مع الشعب الفلسطيني له مستويات عدة منها التعاطي الرسمي عبر الحكومة، لكنه ليس الوحيد، كما أن عناوين من نوع منظمة التحرير والمصالحة الداخلية ووقف الاعتقال والبرنامج السياسي ليست منوطة بهذه الحكومة بل بمؤسسات أخرى أكثر أهمية وتمثيل للشعب الفلسطيني كاللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعد ترميمها ومشاركة الجميع فيها والمجلس الوطني وما يمكن أن تشكله قيادة مشتركة للمواجهة في حال فشلت جهود التهدئة إلى آخر المستويات التي تديم صلة الشعب الفلسطيني بالعالم الخارجي ومحيطه العربي. لكل ما تقدم ربما يكون مفيداً امتناع المتحاورين الفلسطينيين في هذه المرحلة الانتقالية وحتى انجاز الاتفاقات الداخلية وانتهاء عمل اللجان المنبثقة عن الحوار عن طرح أي تصورات علنية قد تضر بكل عملية الحوار وتعقد موضوع تشكيل الحكومة ذي الحساسية الخاصة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى