تبعات أزمة المال في أمريكا.. من مدير لبوَّاب

قبل تسعة أشهر كان مارك كوبر مديرا للأمن بإحدى الشركات الكبرى في الولايات المتحدة بمرتب 70 ألف دولار سنويا، تحت يده ميزانية بمبلغ 1.2 مليون دولار.. الآن كوبر سعيد جدا؛ لأنه استطاع أن يجد وظيفة بواب ينظف السلالم والمفروشات والمراحيض مقابل 12 دولارا في الساعة.
مصدر سعادة كوبر -الذي فقد وظيفته في عاصفة الأزمة المالية الخانقة ببلاده والعالم- هو أنه لم يبقَ طويلا في طوابير العاطلين الذين فقدوا وظائفهم، واستطاع أن يجد وظيفة “تسد الرمق” في شركة أحد أصدقائه كبواب، وبرغم صعوبة النقلة الكبيرة بين الوظيفتين فإنه يقول: “عليك أن تحارب اليأس والتثبيط والإحباط في كل يوم”، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
 
ويعمل كوبر خمسة أيام في الأسبوع من الساعة التاسعة صباحا حتى الساعة السادسة مساء، وهو يُعد واحدًا ممن انزلقوا بقوة وفجأة إلى أسفل السلم الوظيفي والمالي بسبب حالة الركود، ولم يتبين بعد عدد من اضطروا للاشتغال في مثل هذه المهن التي انخرط فيها كوبر، والحصول على مقابل ضعيف، ولكن المعروف أنه حتى هذه الوظائف لم يعد متاحا منها الكثير.
 
 
ويبذل الكثيرون من أرباب المهن الرفيعة مثل المهندسين والمديرين قصارى جهدهم للاعتماد لأطول فترة ممكنة على إعانة البطالة والمدخرات التي لديهم، في الوقت الذي يواصلون فيه بكل أمل البحث عن العمل في مجالاتهم الأصلية.
 
يقول كوبر: “كنت أنهار في بعض الأحيان، أنهار من التفكير”، أما زوجته فتقول إنها سعيدة بالوظيفة الحالية، مع إقرارها بأنها كانت تشعر بالخجل منها في بادئ الأمر: “ولكن الآن لا يوجد خجل، أنا فخورة بأن زوجي يمكنه الذهاب إلى أبعد الحدود ويعمل أي شيء من أجل الحفاظ على عائلته، حتى لو كان ذلك يعني كنس الأرضيات وتنظيف المراحيض”.
 
“إيمي أرلت” (53 عاما) وافقت على العمل كمندوبة لخدمة العملاء بعد أن تبوأت على مدى 20 عاما مناصب تنفيذية رفيعة، ولكنها تؤكد صعوبة الأمر على نفسها، ومع ذلك تعود لتستسلم لواقعها وتقول: “عليك أن تكيف نفسك”.
 
إعانات البطالة نفدت من جيوب بعض الأشخاص، وهناك من هم غير مؤهلين للحصول عليها، ويقول آخرون إنه كان مستحيلا بالنسبة لهم العيش على إعانات البطالة وحدها، وتقول فئة رابعة إن كبرياءهم هو ما دفعهم للبحث عن وظيفة.. أي وظيفة.
 
وعندما قدمت أرلت طلب عمل، أرسلت سيرتها الذاتية بعد تنقيحها، حذفت منها عملها على مدى 20 عاما في شركات إعلامية ترقت خلالها في المناصب حتى فاق راتبها الـ165 ألف دولار في العام، أما الآن فهي تعمل في مجال إدخال البيانات.
 
وعلى الرغم من أنها انفصلت عن بعض أصدقائها حيث لم تعد في نفس مستواهم الاجتماعي، تقول أرلت: إنني سعيدة “لأنني لم أعد أجلس في المنزل أفكر في تعليقاتهم السخيفة على حالي”.
 
وبالنسبة لـ”أرلت” فإن ما وقع لها من انحدار وظيفي ومالي: “كان الشيء الأصعب في حياتي، كان أصعب من طلاقي من زوجي، كان أشد من يوم وفاة أمي”.
 
وكان هناك نحو 1.7 مليون شخص يعملون لدوام جزئي في يناير؛ لأنه لم يتسنَ لهم العثور على أماكن يعملون لديها لدوام كامل، وتمثل هذه زيادة قدرها40% مقارنة بشهر ديسمبر 2007 الذي شهد بداية الركود، وذلك طبقا لإحصاءات “مكتب إحصاءات العمال” الأمريكي.
 
ويتفق الخبراء على أنه في الوقت الذي يستمر فيه التباطؤ الاقتصادي وفي الوقت الذي تنفد فيه إعانات البطالة لدى بعض المواطنين، سوف يظهر الكثيرون من أمثال كوبر وأرلت.
 
رؤساء البنوك
 
وفي بريطانيا وجه آخر للأزمة المالية التي تجوب أنحاء الأرض؛ حيث يطالب رئيس الوزراء جوردن براون رؤساء البنوك بالتخلي عن مخصصاتهم، لا سيما مبالغ التقاعد الضخمة، كمساعدة للنظام المصرفي المنهار؛ محملا بعض رؤساء البنوك جانبا من مسئولية هذا الانهيار بسبب حصولهم “على أكثر مما يستحقون”.

 

وفي خطاب أمام حزب العمال الحاكم في منتدى السياسة الوطنية انعقد السبت بجنوب غربي إنجلترا، قال براون: “بعض الممارسات التي اكتشفت حتى الآن في مصارفنا ليست فقط غير مقبولة، وإنما لا يمكننا تبريرها.. علينا إعادة ترتيب البيت المصرفي”.
 
ورأى أن “العديد من المديرين التنفيذيين الذين أوصلوا البنوك إلى هذه الورطة، تركوا الآن وظائفهم، منهم أربعة من كبار المسئولين التنفيذيين وسبعة من المديرين غير التنفيذيين في البنك الملكي الأسكتلندي وHBOS ، ومجلس إدارة HBOS لا وجود له”.
 
واستدرك قائلا: “نكتشف الآن الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد مدفوعات المعاشات التقاعدية لهؤلاء الذين حصلوا على أكثر من اللازم”.
 
وتأتي تصريحات براون في أعقاب أنباء عن رفض الرئيس السابق للبنك الملكي الأسكتلندي RBS، فريد جودوين، الدعوات التي وجهت له للتخلي عن نحو 933 ألف دولار مخصصاته من راتب التقاعد السنوي.
 
والأسبوع الماضي، أعلن بنك RBS خسائر ضخمة لعام 2008، بلغت 24.1 مليار جنيه إسترليني (34.7 مليار دولار)، وهي أسوأ نتائج مالية في تاريخ البنوك البريطانية.
 
وفي يناير الماضي أعلنت الحكومة البريطانية خطة لحماية الأصول البنكية وهي محاولة لمساعدة المصارف البريطانية، التي ظهرت كأكبر ضحية للأزمة المالية العالمية.
Exit mobile version