أرشيف - غير مصنف

خليج فارس .. لاعجب.. بقلم : محمدعبدالرحمن

لأنّ خياراتكم محدودة : ما رأيكم ياعـرب لو تقبلون (بالحُـمّى) الإيرانية بدلاً من (الموت) الأمريكي ـ الإسرائيلي ؟! .
هذا سؤال شماتة ، نعم ، ويأتي من (فراغ) ، أي نعم ، لكنه (الفراغ) الذي لم يمـلأه العـرب في عراق ٍتـتنازعه الآن واشنطن وطهران وربما تنتهيان غداً إلى تقاسمه في إطار من التفاهمات الإستراتيجية على كامل مستقبل كامل الشرق الأوسط !..، لكنّ الحكايــة لا تبدأ من هنا : تبدأ الحكاية من اليوم التالي لـ (سقوط) بغداد ـ عاصمة الخلافة الإسلامية ـ عندما استفاق النظام العربي الرسمي على ما مَنـّى به النفس الأمارة بالسّوء من إزاحة الحُـكم البعثي ليجد نفسه بلا أي دور في قادم الأحداث ، مكتفياً بما حققـتـه عقلية الـثـــأر الحمقاء مما تراه انتصاراًعلى (فرعونية) صدام حسين القومية وما هو في الواقع بانتصار وإنما هاوية انتحار !.
 تبرع النظام العربي لأن يكون جسر العبور الأمريكي الى العراق ، وعندما وصل المارينز الى قلب بغداد (9 نيسان2003) وصلت المهمة العربية الرسمية الى مشارف نهايتها ، ولما ألقى بوش بُعَيد ذلك بجنوده خطاب النصر المزعوم من فوق إحدى السفن الحربية لم يأت على ذكر الحلفاء الـعــرب بما يستحقونه من (نبـل) المهمة ولم يحسب حساب أيّ منهم ولو بوسـام من الدرجة العشــرين ، لا بــل أنـه بشـّــــر آنذاك (بالديمقراطية) الزاحفـة من بغـداد (المحَـرّرَة) إلى ســـــائر ديكتاتوريات الشرق الأوسط (الكبير)، فكانت بحق ركلة أمريكية مُعتبرة على رأس عربيّ مستغرق في ما يشبه النشـوة الغرائزية المحضة !.
هكذا جثـم الأسـد الأمريكي على ما رآه حصته من ذبيحة العـراق ، تاركا الحســرة لعرب الأطلال والفتات لهـِراش الكلاب والثعالب والذئاب والضبـاع كلّ حسب قوته وقناعته … إلا ّ الطاووس الفارسي!. هنا ، وعندما يقال أنّ إيران تنظر الى العراق بإعتباره الحديقة الملحقة بقصرها الإمبراطوري فهذا من ســــرديات وتأويلات التاريخ ، وعندما يقال أنّ لإيران كامل الحقّ في الـتــزاحم مع (الشيطان الأكبر) على ملء فراغ ٍعربي في العراق فهذا من تداعيات الواقــع ، أما عندما يقال أنّ لإيران حــق بوزن مثقـال ذرّة في العراق فهذا ما لا يقبله لا التاريخ ولا الواقع ، ولكنْ : مَنْ ذا الذي يقرأ التاريخ أو الواقع بغيرعيون المصالح ؟!. فإيران (الثورة الإسلامية والمرجعية المذهبية) هي قبل ذلك (القومية الفارسية ) مبنى ومعنى وعلى أســـاس ٍمن هذه التراتبية تحدد مصالحها وتقيم علاقاتها وتنطلق في سياساتها ، وهي على هذا المنوال لم تشـــذ عن القاعدة البراغماتية في طريقـة تصدّيها للحالة العراقية قـدرتعلـق الأمر بمصالحها وأولوياتهـا وحساباتها الإستراتيجية ، أي أنها عندما تداعت إلى مزاحمة أمريكا في العراق إنما فعلت ذلك بوازع قومي فارسي أولاً ديني ـ مذهبي ثانياً وهذا أمـرٌ جـدّ طبيعيّ .
وبينما كانت إيران تقوم بتدعيم مدّها الجارف في العراق كان النظام العربي الرسمي ينحسـرعنه بنفس الوتيرة وربما أسـرع لا لأنّ العقـل العربي أراد ذلك وإنما لأنّ تصــدّي النظام العربي للأحداث والتطورات ظلّ مرهونا كلياً بالنتائج الآنية لتدافع العاملين الأمريكي والإيراني على العراق : ففي العامل الأمريكي ، رأى الإحتلال أنـّه بتطييف إسلامية وأعـراق العراق يسـتطيع طمس عروبته وتمزيق هويتـه الوطنيـة فاستخدام ثروات أشــلاءه بما يـساعده على تأميـن أهدافه الإستراتيجية وفق نظرية (الفوضى الخلاقة) في سائر أرجاء المنطقـة (بما فيها إيران) . وفي العامل الإيراني ، رأت طهــران أنها بتطييف إسلامية العراق تستطيع بتغليب إرادة (مذهبية غالبة عددياً فيه) أن تنفذ إليه بما يؤمّن لها مصالحها القومية ـ الدينية ـ المذهبية في العراق والمنطقة على حساب الأهداف الأمريكية . هكذا التقت بعض مصالح الخصمين الأمريكي والإيراني على حساب العراق !.
 أما النظام العربي فقد ظل حبيس ردات الفعل المتخبطة على النتائج الآنية المنظـورة للاحتكاك التنافسـي بين هذين العاملين في العـراق وعلى العـراق ، وهذا ما يفســر جانبـاً من الموقف العربي الإلتباسـي من مفهومي (المقاومة والإرهاب) والمقروء بإجتزاء على أنـه يتقصـد بدءً التخندق مع ســـنـّة العراق في مواجهة شــيعته (لا الأمريكان) بوازع مذهبي عن ســابق إصرار، في حين أنـه يأتي غالبـاً كمحصلة سلبية لتماهٍ عربيّ إرتدادي أو نكوصي يتوافق مع الإصطفافات العراقية الطائفية المستعرة بفعل التدافع الأمريكي ـ الإيراني على ما هو أبعـد من تطييف العراق ما دامت حزمة الأهداف المتداخلة والمتضاربة تتعــدى في مراميها البعيدة مرحلة التقســـيم الطائفي للعراق ( بالمرور ) من خلال بواباتــــه ( الفدرالية( الى ما يهدد الأمن القومي العربي من مشاريع ستراتيجية داهمة : مشــروع الشـرق الأوســـط الكبير (أو الجديد) بالنسبة لأمريكا ، ومشـــروع إمبراطورية ولاية الفقـيه الكبــرى بالنسبة لإيران. لكنّ مشروع الشرق الأوسط (الكبير ثم الجديد فالمستجد ) لم تأت رياحه كما اشــ
تهت ســـفينة الربّان بوش ، فــلا الأنواء العراقيـة كانت مواتية ولا الأجــواء المخيمة على أفق الصراع العربي ـ الإســرائيلي وأمتداداته بدت ملائمة ، ففي العـراق عكسَ الفشل الأمريكي نفسه في تداعيات المشـهد اليومي من الفوضى العراقية المتفاقمة والخسائر الأمريكية المتراكمـة فراحت الآمال تتقلص وتتآكل حتى أوصل اليأس المتنامي جهـابـذة الإدارة الأمريكية إلى حـدود العـودة المتكـررة للمربّـع الأول في مداومةٍ مريعـةٍ لمتواليـةٍ استعراضيـةٍ من الخطط الأمنية القاصرة عـن مجرد إثبات الصلاحيات الولائية والتقنية للقوة الأمنيـة العراقية الناشئة في البيئة الطائفية الإستقطابية التي ابتدعها أفذاذ القرار الأمريكي لترتد وبالا على خططهم الإستراتيجية وجنودهم في الميدان، وكل هذا ما كان ليكون لولا أصابع إيران الموجودة في كل مكان وزمان!.
 أما على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، فأنّ أبطال (فنتازيا السلام ( إنتهوا إلى تكرار التعريّ المُمل على مسرح بلا متفرجين ولا حتى ناقدين من فرط رداءة العرض والتفاصيل سيما وأنّ مصباح (الديمقراطية) الذي ســـبق وجاء (بعفريت حماس) كان قد قلبَ السّــحر على السـاحر وكشـــف عن قباحة المتبقي مـن عــورتي التنظير الســتربتيزي الأمريكي لـديمقراطيـة (الخيـار والفـَقــّوس الإنتقـائي) والتنظيـــر الســتربتيزي العــربي لســلام الإستســلام الإسـتلقائي ، ثـمّ لتعجـز قـوة البطش الإسـرائيليـة الغاشمة إلا عن تأكيد ما هو ثابت من إســتحالة انتصار الفـولاذ الصهيوني على الـدم الفلسـطيني ومن فشــله في حماية عمـق الإحتـلال مـن مطاولات الـذراع الفلسطينية وكـذا من ضربات الـذراع المقـاومة الأخرى في الشـمال كما تابعنا وشــاهدنا وصفقنا قبـل صيفيـن لنصـر لبناني مقـاوم كـان العـرب مـا أحوجهـم ( لروحه ، روحه فحسـب) مع علمهـم بما يمكن أن يقـدم عليها المهــزوزون في تـل أبيب وواشــنطن من ردود أفعـال قـد يوحيهـا لهـم شيطانهم المثخن بجــراح الإحباط . في أثناء كل ماتقدم ، كانت الأصابع الفارسية الماهرة موزعة بين الإشتغال على سجّادة العمر المبسوطة من كابـُل حتـى المحيط الأطلسي وبين الإنهماك في صياغـة تعـويـذة الـدّهـر الـذرّيــة ، ولكي لا يبقى وقت للفـراغ كان الحـرس الثـوري الإيـراني يقوم بمناوراته واســتعراضاته اليوميـة المثيـرة على وقـــع الخطابات التوعّدية النارية لأحمدي نجاد ،… وبينما كان النظام العربي يجادل نفسه حول رؤية (هلال المدّ الشيعي) من عـدمـه كان الإيرانيون يسـتثمرون المجاز المفتوح في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرها بعربيةٍ أكثر فصاحة مــن فصاحة أكبر أقحاح الضاد ، حتى إذا ما راح حزب الله ينتزع النصر من عيون إسرائيل وراحت الأخيرة تفرّغ شحنات خيبتها في الحلقة الأضعف (الطرف الفلسطيني) بدى الخطاب الإيراني وكأنه أكثر عروبة من الخطاب القومي العربي عندما راح الأول يترجــم ذاته على هيئة دعـم عملي سـخيّ لقوى الممانعـة العربية بينما لم يخـرج الثاني من قيـده البياني بعد أن حولت فلسفة الإنكفاء القــُطـري الفكرة َالقومية العربيـة إلى قصيدة رثاء وجدانيـة ، أمـّا العـرب الرسـميون فقد راحـوا ينقسـمون على جـواب الســؤال التراجيكوميـدي التالي : أيهما أخطرعلينا من الأخرى ، إيران أم إسرائيل ؟!. العرب الذين قالوا بأنّ إيران أخطرعلينا من إسرائيل ولـذا يجب تحييد الثانية ( ثمّ تجنيدها !) في مواجهـة الأولى أضاعـوا السـبيل وأضحوا بلا أي بديل بعد ما شـيعـوّا جثمان (السلام ) إلى مثواه الأخير فى مقبرة أوهام أنابوليس !.
 والعرب الذين ساووا بين الخطرين الإيراني والإسرائيلي لم يقـدّموا من البـراهين إلا بّما يصبّ في تبييض صفحة إيران بعيون قــراءٍ عـربٍ ملهـوفيـن على بارقة أمل وسط الظلام العميـم ، فكيف عندما تبادر إيران المســلمة ، إيـران المتصدّية لمشـاريع (الشـيطان الأكبر) ، إيران التحـدي النـووي والصــواريخ العابرة للقـارات الى احتضان المعــزولة عربياً رسمياً من جُــزر المقاومــات والممانعات الوطنية المناهضة للمشاريع الإسرائيلية ـ الأمريكية التصفوية؟!. أما العرب الذين (همسوا ) بأن إسرائيل الصهيونية أخطرعلينا من إيران المسلمة فقد جازفوا بأنفسـهم لأنهم بالأســاس ممنوعـون من الكـلام ، ليكتفي تاليـاً (الجميع العربي الرسمي) بالتفرج على جولات السباق (الصهيوأمريكي ) ـ الإيراني في مضمار الشرق الأوسط بانتظار التتويج !. حتى الآن ، لا تزال إيران تراكم النقاط تلو النقاط عن جدارة واستحقاق ، بل إنها تحصد بمنجل الجود العربي الحاتمي ما يزرعه الآخرون في بيادر الشــرق الأوسط ،فالثكنة التي يخليها الأمريكان في العراق تحت ضغط المقاومة أو ظروف الأجواء والترتيبات والصفقات الأمنية والسياسية تملأها إيران أو ربيباتها من أحزاب المرجعية القــُميّــة (لا فرق) ، والنصر الذي يقدمه المقاومون في لبنان هـدية (إيحائية) للعرب يســتنكف عنـه هـؤلاء بل يســتنكرونه لتنـفرد بـه وتستثمره إيـران ، وصرخات حماس ليل نهار (أنـا عـربية) يتــردد صداها في عواصم القرار العربي : حماس فارســية !!!، ومنبر الشــّحن العروبي لمحـو إســرائيل مـن الخارطـة تســتأثر بـه إيران ورحـم الله أيام زمان ، فصواريخ القاهر والظافر الناصرية والحجـارة والحســين والعباس الصدّامية تحولت الى شــهاب واحد واثنين وخ
يبـر ثلاثة وأربعة وزلزال خمسة وسـتة الخامنئية ! . ولم يتبق أمام إيران لكي تفوز بعرش القومية العربية سـوى أن ترفع شــعارات ( الأمــة العربية الواحدة…( إنمّـا بالخط الفارسي!. بالخط الفارسـي أهون من الخط العبـري ( أم ماذا ؟!) . إلا إذا تمّـت صفقــة العمـر ما بين الخطاطـَين المحترفــَيـن الفارســي والعبـري على الجـِلـد العـربي بديـبــاجــة تقـول باللغــة البراغماتية ، بعد مراجعة الماضي ومعاينة الحاضر وتأسيسـاً للمسـتقبل المشــترك هذا ما اتفـقت عليه طهــران وتل أبيب : (مــا مـن وجـــودٍ لعــــداواتٍ دائمــةٍ ولكنْ مصالح دائمة ، وعليه رسمنا للشرق الأوسط بما هو آت : …………………………..) . أليس كذلك ياعرباً دوّخــوا الليالي وحطمــّـوا صخرة المحال؟!
 

زر الذهاب إلى الأعلى