بشرى البشير.. بقلم د. منصف المرزوقي

قلّ من لم يسمع بالإيطالي مكيافال وكتابه الشهير الأمير الذي يفسر فيه الفيلسوف لكل من يريد الاستيلاء على الحكم والبقاء فيه كيف يجب أن يكتسب مكر الثعلب وخبثه وقسوة الأسد وبطشه وكيف يجب عليه التخلص من كل ما له علاقة بالضمير والشفقة والإنسانية وعموما بما يسمى الأخلاق ، فهذه الأخيرة ليست إلا احتجاج الضعيف ونفاقه.
لكن قلّ من سمع بالهندي شانياكا – ويعرف أيضا تحت اسم كوتيلا- أو بالصيني سن-تزو وهو الآخر من مخترعي المكيافيلية ألفي سنة قبل ولادة مكيافال، مما يعني أن أفكار ” الواقعية السياسية” كما يفهمها كل الطغاة على مرّ العصور – أي التصرف في الرعايا تصرف الراعي في قطيعه- هي أقدم مما نتصوّر .
السؤال هل يمكن للقرن الحالي أن يولّد خدما فكريين للطغاة كهؤلاء يشرعون لتنكيلهم بالناس وخروجهم عن الأعراف والقوانين التي يفترض أنهم حماتها وممثليها.
ثمة شكّ كبير في حدوث شيء كهذا ، لا لأن طبائع البشر والسلطان على وجه الخصوص تغيرت، وإنما لأن الوضع الاجتماعي والعالمي انقلب رأسا على عقب .
من يريد أن ينصح السلطان اليوم عليه أن يبصّره طويلا بنهاية حقبة طويلة من التاريخ تمثلت في كون اعتلاء سدة السلطة يعني التحرّر من القوانين والأخلاق وأنه طالما قبض السلطان بيد من حديد على أعناق الخصوم والحلفاء فلا خوف من أي محاسبة.
 عليه خاصة تذكيره بأنه مسؤول كشخص ولو كان رئيس دولة أمام
– وسائل الإعلام التي لم يعد يجدي معها مكر أو خديعة وهي التي تعيش وتكتسب قوتها بفضح مكر وخديعة السلطان.
– المعارضات السياسية التي لا تؤدي محاولة اجتثاثها إلا لتجددها واكتساب مزيد من القوة وكأنها نباتات مضرة لا ينفع في استئصالها مكر أو عنف ، لسبب بسيط أنها نبض جزء من المجتمع ومن الأحسن التفاعل الذكي معه بدل الإنكار المتعجرف أو التزييف الغبيّ .
– المحكمة الجنائية الدولية التي يعتبر التعذيب ركنا من أركان الجرائم ضد الإنسانية الداخل في صلاحياتها وتستطيع أن تأمر بإلقاء القبض عليه وحمله إلى مدينة لاهاي والأصفاد في يديه وفي حالة عدم تمكنها من ذلك مؤقتا لغياب الآليات في.المرحلة الحالية فإنها تستطيع بمجرّد إصدار القرار تسميم عيشه وبثّ البلبلة في صفوف أنصاره وتحريض البعض منهم على قطف الثمرة الطازجة.
يا لها من نهاية لمن أراد أن يتحرّر من كل القيود فلم يعد يتحرك من قفصه الذهبي.
العدالة الإلهية في حالة بقاء شيء من الإيمان نتيجة الاعتداء على الكائن الذي كرمه الله
وجعله خليفته في الأرض.
لست متأكدا أن مثل هؤلاء الحكماء سيسمع لهم صوت لا لشيء إلا للتركيبة الذهنية والنفسية التي تجعل من إنسان عادي وأحيانا أقلّ من عادي ، دكتاتورا يذهب للفراش قرير العين وأقبية وزارة الداخلية تعجّ بصراخ الإنسان ، بل ويتحذلق لتبرير التصرف في حياة ملايين الناس هو الذي لاحق له في التصرف في حياة واحدة ، بالإدعاء أنه يجوز التضحية بالثلثين الفاسدين للحفاظ على الثلث الصالح وهو وزمرته أفسد خلق الله.
المهمّ أنه لا أحد فكّر في كتابة ” المأمور” لينصح المحكومين بأجدى الطرق لمواجه مرضى نفسيين وعقليين وحتى مجرمي حق عام تسللوا لأعلى مراكز السلطة ويؤمنون بما علمهم إياهم مكيافال .
لو كنت من الراغبين في تدبيج مثل هذا الدليل لركّزت على جملة من التقنيات منها عدم تصديق البيان الأول و” سبق الخير ” وإنما الحذر المطلق والتظاهر باكرا قبل أن يستتب الوضع ، وممارسة الضغط المتواصل للحصول على كل الحقوق دون التفريط في ذرة منها، والإكثار من الجمعيات المدنية وتعلّم قواعد العصيان المدني حتى لا يكون الحكم إلا للمؤسسات والقيم والقوانين الشرعية ، لا للأشخاص والجماعات والمصالح والأهواء…
أخيرا ولا آخرا سأنصح بتوثيق كل حالة تعذيب ، كل موت مشبوه، كل اختفاء ، ثم حمل هذه القضايا للمحكمة الجنائية الدولية للمطالبة بمحاكمة رأس النظام وكبار مساعديه ، انطلاقا من قاعدة مطلقة أننا أمام أناس بلا أخلاق لا يستحون وإنما يخافون.
خوفهم اليوم ، بعد صدور مذكرة اعتقال البشير سيرتفع ولا بدّ من تعهده بكل الوسائل لعلهم يفهمون – أو البعض منهم على الأقل- أن كرة الخوف أصبحت وستبقى لزمن طويل في ملعبهم، وإذا أرادوا العيش ا بلا خوف فلا حلّ غير أن يطلقوا بلاهة الحكم به في عالم كعالم اليوم. 
 
Exit mobile version