غضب سوري مبرر
غضب سوري مبرر
بقلم : زياد ابوشاويش
حين احتدم النقاش في العام الماضي حول اعتزام محكمة الجنايات الدولية إصدار مذكرة دولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير على خلفية الزعم بارتكابه جرائم ضد الإنسانية وتهم أخرى كان لسورية موقفاً متميزاً عبر عنه السيد الرئيس بشار الأسد بالوقوف بشكل واضح بجانب السودان ومساندته في وجه التدخل الفظ في شؤونه الداخلية، وبكلام لا لبس فيه برفض هذه المذكرة من حيث المبدأ، ولم يكتفي سيادته بذلك بل تحدث باسم الدول العربة كلها باعتباره رئيس القمة قاطعاً الطريق على أي تردد فيما يخص الموقف العربي الجماعي تجاه دولة شقيقة ورئيسها. وفي حينه نجحت مساعي الجميع وفي مقدمتهم سورية العربية في تأجيل صدور المذكرة غير القانونية والتي تساهم بقصد في توتير وتسميم أجواء المنطقة والتخريب على اتفاقات السلام الموقعة بين الحكومة السودانية والمتمردين في دارفور، كما تستهدف كما هو واضح التخريب على كل العملية السلمية الجارية في السودان.
إن البيان الصادر عن الخارجية السورية وكذلك البيان الصادر عن القيادة القطرية لحزب البعث العربي في سورية،والبيان الصادر عن اتحاد الكتاب السوريين، كلها تعبر عن حجم من الغضب غير مسبوق في ردود الفعل السورية تجاه العدوان على دولة شقيقة من خلال استخدام المنظمات الدولية لأغراض تفتيت وحدة الوطن العربي وبلدانه الكبيرة لمصلحة العدو الإسرائيلي. لقد عبر بيان الحزب عن شديد أسفه لصدور مذكرة وصفها البيان بأنها تمثل اعتداءً على الأمن القومي العربي وهي سابقة خطيرة كما وصفها البيان وتدخل سافر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، كما أن مذكرة اعتقال الرئيس البشير تنتهك القانون الدولي حول حصانة الدول والرؤساء أثناء فترة رئاستهم. وقد طالب بيان الخارجية السوري مجلس الأمن بتولي مسؤولياته بالخصوص ورفض المذكرة وتوقيفها كما طالب بمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول عبر وسائل مراوغة كمذكرة التوقيف بحق الرئيس البشير.
إن المعايير المزدوجة والاستخفاف بكرامة الشعب العربي بهذه الطريقة تستوجب ما صدر عن القيادة السورية والحكومة من بيانات غاضبة ولأن هكذا خطوات من جانب بعض الهيئات الدولية المدعومة من الغرب عموماً ومن أمريكا وبريطانيا وفرنسا خصوصاً تمثل سابقة خطيرة يتم البناء عليه لاحقاً لخلق مشاكل وإرباكات لبعض الدول العربية والتدخل في شؤونها الداخلية والعبث بأمنها، ومن هنا جاء الموقف السوري ليس لحماية أمن السودان فقط بل ولحماية الأمن القومي العربي الذي تعبث به مثل هذه المذكرات وغيرها من أساليب بدأنا نلاحظ استخدامها بطريقة مفضوحة في هذه المرحلة من تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
إسرائيل انتهكت وتنتهك كل القيم الإنسانية والقانون الدولي وترتكب جرائم بشعة في فلسطين وغيرها وتخرق بشكل متعمد حقوق الإنسان وينطبق على قادتها وصف مجرمي الحرب وتجب ملاحقتهم قضائياً ومع ذلك لا نجد شيئاً من هذا، كما لم نسمع عن أي قرار من منظمة دولية باستدعاء أحداً منهم للتحقيق معه رغم توفر أدلة دامغة على جرائمهم ويراها العالم كل يوم.
إذن هو استسهال تقديم النموذج بنا نحن العرب بسبب من ضعفنا وتفرق شملنا حتى اللحظة، وهذا يؤكد على الطريق التي اختطها القطر العربي السوري في اتجاه إعادة التضامن العربي ووحدة الصف وهي التي شكلت مركز اهتمام كل القيادة السورية في الأيام الماضية على خلفية فهم عميق للظروف التي تمر بها المنطقة وهي ظروف خطيرة، أتت المذكرة لتكشف جانباً من خطورتها. إن الغضب السوري له ما يبرره حول هذه المذكرة فقد تراكمت سلوكيات وتصريحات من بعض من كانوا وراء صدورها وكذلك موقفهم المدان وغير الأخلاقي تجاه العدوان الهمجي على غزة لتصب جميعها في رؤية سورية الصائبة تجاه الظلم الذي يلحق بنا كأمة جراء معايير مزدوجة في التعامل حان الوقت من أجل تغييرها ممن يدعون الحرص على العدالة والسلام وحقوق الإنسان.
“أكلت يوم أكل الثور الأبيض” هي مقولة ومثل عربي ينطبق بصدق على حالنا في مواجهة القرار المذكور ولا مندوحة من أن نتحد كلنا في مواجهته سواء كان للرئيس البشير يد في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت بدارفور أو لم يكن له يد في ذلك، فالقضية ليست في هذا الشأن، وإنما في التدخل الفظ في الشأن السوداني بما يعقد الوضع هناك وليس العكس كما حاول بعض المشبوهين إيحاءه للناس لتبرير موقفهم الذليل تجاه إملاءات الغرب المتوحش.
الغضب السوري يعبر عن مشاعر وموقف كل الأمة العربية، فلماذا لا يتحول لموقف جماعي رافض للمذكرة؟ ولماذا لا يتم ترسيمه بقرار عربي جماعي في قمة الدوحة القادمة؟




