تركض المغنية في حقل من القمح. يختلط لون بشرتها مع لون السنابل المحيطة بها. يحرص المخرج على ان تقترب الكاميرا لتبرز ثوباً ريفياً ضاق عمداً على تضاريس تتباهى وتتنافس على الشاشة الفضية. هو مشهد لطالما تكرر في عدد من الأغاني المصورة، إذ شكلت صورة الفتاة الريفية عنصراً جذّاباً للمشاهد، ربما تخطت بشعبيتها أحياناً صورة المرأة العصرية في الأغاني. نجحت الفكرة أحياناً ، لكن تكرارها جعلها مستهلكة برغم التعديلات الطفيفة التي يحرص المخرجون على إدخالها خشية من تهمة سرقة الأفكار.. التي يسهل إثباتها غالباً .
بعد أن أطلت المغنية كارول سماحة بحلة الماضي، في أغنية «غالي عليّ» مع المخرجة كارولين لبكي، وهي تقطف العنب في الحقل مع حبيبها، ثم تنتقل لتعصره مع الصبايا على نغمات موسيقى راقصة، وقع المشاهد على جماليات كثيرة دعمها الكادر الذي اختارته لبكي. بعدها بمدة، ارتدت المغنية باسكال مشعلاني، أيضاً، في أغنية «أنا لما شوفك» للمخرج باسم مغنية، زياً يوحي بقالب زمني ومكاني شبيه. هذه المرة كانت مشعلاني، الخائفة من اعتقال حبيبيها، تتمايل على نغمات موسيقية حزينة، لكن ذلك لم يمنع المشاهد من الوصول بسهولة إلى تقاطع بين الكليبين، ومن يأت لاحقاً فهو الخاسر طبعاً.
هاجس عدم النسخ هو «الخرق» الذي أحدثه المخرج جو بو عيد في الأغنية المصورة «رجعتلا» للمغني جو أشقر. إذ استهلك مجدداً صورة الفتاة الريفية، بعد أن أجرى عليها بعض التعديلات. وقد يكون الفارق الذي حققه الكليب هذا دوناً عن سواه الجرأة في الإيحاء الجنسي، ولا سيّما عندما صور مشهد استحمام العروس في الهواء الطلق في مشهد أخذ من الخلف فالتقط مفاتن الصبية ـ البطلة، تاركاً لخيال المشاهد التجول بحرية في فضاء الجماليات النسائية.
الأكيد ان هذا الكليب، استطاع ان يحدث صدمة في مكان آخر أيضاً. إذ تساوت فيه جرأة عرض جسد المرأة مع جرأة عرض جسد الرجل. فصُوِّبت الكاميرا تجاه أشقر الذي اختار المخرج ان يجعله العريس الذي يستحم في مغطس ماء وضع في الهواء الطلق أيضاً. اختيرت لقطات قُصد بها، ربما، أن تكون ظريفة وعفوية، كما حين يرشق المغني إحدى الحاضرات، المتحمسات للعرس بحسب القصة، بالمياه مستخدماً ساقيه، لكن المشهد لم يوح بالعفوية بقدر ما بدا حريصاً على الإيغال في إعمال الخيال، والتأكيد على فكرة واحدة: عري الجسد.
في السياق نفسه، تقع العين على مشهد آخر، لا يقل إثارة عن المشاهد السابقة. الحبيبان (المطرب والموديل)، يتدحرجان داخل بساط الحب الأحمر، يطل من أحد طرفيه رأسا العاشقان، وتطل الأقدام من الطرف الآخر. فكرة تلاصق الجسدين بقيت حاضرة والبساط يتدحرج وتتحرر من قبضته الثياب. ويكمل المشهد بحس الإثارة نفسها، في خاتمة تترك «العروسين» وحدهما في خلوة يوحي السياق بأحداثها.
عود على بدء
عندما أطلت الفنانة نانسي عجرم في كليب «آه ونص» مع المخرجة نادين لبكي، وهي ترتدي «الجلابية» المصرية، وتغسل الثياب فوق السطوح، حقق الكليب رواجاً منقطع النظير. يومها حاكى المشهد الخيال الذكوري الذي لطالما شُده الى المرأة هذه، التي لطالما قدمتها الأفلام على انها الزوجة التي تحرص على تلبية رغبات «سي السيد».
بعد سنوات، تكرار نموذج الفتاة المصرية التي ترتدي «الجلابية» وتعيش في الأحياء الشعبية، مع المغنية «قمر» والمخرج فادي حداد. لكن النقل كان باهتاً وخالياً من التجــديد، خصوصاً ان المخرج ارتأى انــه علــى «قمر» ان تقطّع «الملوخــية» وهي تجلس بالطريقة نفســها، كاشفة (أكثر) عن ساقيها، مستعطفة عيـني الحبيب للنظر!
إذاً، التقليد هو الذي يطغى في مشاهد ألفتها العين. فهل إعادة استخدام المَشاهد، بنوعية أقل جودة عن النسخة الأصلية، هو انعكاس لجفاف الإبداع الإخراجي وحسب؟ أم أن كثرة المعتدين على الفن من المغنين والمغنيات أدت إلى استهلاك ما سبق ونجح من الوصفات في محاولة يائسة للوصول إلى فتات النجومية؟ تبقى صورة المرأة هي «الضحية» الأبــرز وهي صاحبة السطوة الأقوى في الوقــت نفـسه، ويبقى التعويل على جيل جديد من المبدعين للخروج بها إلى فضاءات أكثر إبداعاً وتجديداً.
(السفير)