اليمن : ذكاء اليسار وعقلانيته

0

ما يحدث كان ذكيا ، ومهندسه فاق الجميع رغم رحيله مغدورا ، في اليمن كان اليسار هو المحرك للقوى الاجتماعية ، فحين بادر لاخترق اليمين حقق نتائج ما كان لها أن تكون بهذا الزخم لولا انه كان واعيا تماما أهمية المبادرة للدخول مع اليمين في لقاء وتكتل واحد، لم يكن أمام هذا اليسار الذكي، والمدرك والمتحرك إلا الدخول إلى قلب الجمود بغية تحريكه كاتجاه من اتجاهات الواقع الموضوعي التي لايمكن تجاهلها، فلدى هذا اليسار منهج ديالكتيكي مفاده بأنه كي يمكننا إدراك تطور شيء يجب أن ندرسه من الداخل، لأن تطور الأشياء والظواهر ينتج عن حركة داخلية وضرورية ، فالسبب الأساسي لتطور وتحول شيء يكمن في التناقض القائم في داخله فهناك تناقض يكمن في كل شيء، وهذا يفسر حركته وتطوره.

لهذا كان الرابح من اختراق اليمين هو اليسار الذي بادر فعليا منذ تأسيس اللقاء المشترك للعمل معه، ليرقب بذلك التحولات والتطورات فيه ، ليجد أيضا أن ثمة تناقض ينطوي عليه هذا اليمين، يمين معتدل وآخر متطرف يسودهما صراع صامت، ينتج عنه تطور إيجابي يصب في مجرى عمله.
إضافة إلى أنه تمكن بذلك من اختراق منظومة التفكير لهذا اليمين، وعرف كيف تعمل أدواته بغية تفكيكها وكبح نزعتها المتطرفة، ودفعها باتجاه يصب في مجرى التحولات التاريخية الهامة.
وعندما يستنفد هذا اليسار الذكي اليمين من داخله، ينفك عن الجامد فيه ويدفع المعتدل المتطور في أفكاره، وسلوكه، ويعيد صياغته بما يخدم أهدافه الثورية الواعية قدما نحو تحقيق مقاصده الثورية التغييرية.
استطاع اليسار أيضا بفصل ذاته عن الحراك بطريقة كما لو أنها حدثت دون إرادته ، ليقوم بتوصيفها ومساندتها كقضية وطنية لم تساهم في تحريكها قوى ما، بل أوجدتها أسباب موضوعية، وبالتالي فوت على اليمين فرصة الالتحام بها، وتأطير ذاته بها بداية، كي لا يستوعبها، وتدريجيا استطاع ان يؤكد أن القضية حاملها الطبيعي هو اليسار، ليظل اليمين مراقبا فقط فيما اليسار كان يتغلغل فيها ليؤكد وطنيتها وضرورة الاعتراف بها.
فاليسار من الذكاء بحيث أنه استطاع التأكيد على وحدويته ووجوده كفاعل ورقم صعب في الحياة السياسية اليمنية لا يمكن تجاوزه بسهولة، او تخطيه بعفوية، وجعل القضية الجنوبية رغم ما شابها من وجود يسار تبشيري متطرف وتجزيئي هي الدينامو والمحرك للتغيير، وبوابة للإصلاح السياسي الشامل في البلاد ككل.
وفوت على السلطة إمكانية اختراقه لحرف مساره من أجل إخماده، وشرعنة قمعها له، وعزل اليمين من محاولة احتوائه ، بل أبقاه مشلولا تماما عن أن يقدم نحو ذلك، وهو ما كنت أطلقت عليه ذات مقال بسياسة راقب وانتظر..!!
مارس اليساري الثوري كل ذلك وهو في إطار المشترك، والى جانب اليمين، في الوقت الذي يعمل معه بديالكتيكية خلاقة، وهو يعيد صياغته بالطريقة التي تمكنه من إحداث تحولات وتغييرات على مستوى الوعي والفكر والممارسة والواقع المعاش، وبشكل يحقق مقاصده التحديثية، وفق منهج ديالكتيكي يتعامل مع كل محمولات الواقع الراهن وقوه الاجتماعية المتحركة.
وبالتالي فإنه في الوقت الذي يطور اليسار المفاهيم والأفكار والوعي ، يؤمن أن ذلك التطور نتيجة تفضي إلى إفقاد اليمين فاعلية أدواته التي يعمل من خلالها ، فالنضوج العقلي والإدراك يجعل الفرد والمجتمع قادرين على التمييز الواعي، وعدم قدرة الأدودات التقليدية في تحقيق عملية التقدم وضررها البالغ على الوعي والفرد والمجتمع والتطور ككل.

*صحفي يمني

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.