رسول الرحمة في يوم مولده العظيم
بقلم : زياد ابوشاويش
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء. فمنذ بدأ محمد بن عبد الله التبشير برسالته دخل الكون حقبة جديدة من الحضارة والتطور لا زالت آثارها تقدم للإنسانية جمعاء أسمى المعاني وأعظم القيم التي لا يعمر هذا العالم بدونها. كان صلوات الله عليه رجلاً يحب الحياة ويقدسها، ويكره الموت ويبعده عن الناس قدر المستطاع. كان يملك روحاً تنشر الطمأنينة في كل من حولها، روحاً تحمل أكرم السجايا وأعظمها تسامحاً ورقةً وحنو على الناس الضعفاء، والبحث الشغوف عن الحق والعمل بالعقل وإعطائه كل الوقت والجهد للتطور والتعلم، يحض على الصبر وكظم الغيظ والتصالح مع النفس ومع الآخرين. كان قدوة الرجال في زمن الرجال، وكان الثوري في زمن الانقلاب نحو مجتمع التجارة والحضارة من مجتمع البداوة والرعي وبالاقناع، بل وبالصمود في وجه الطغاة في ذلك الزمان. حاجج القوم بلغتهم وبما يستطيعون فهمه واستيعابه، لم يكن متعالياً ولا فظاً بل رقيقاً ليناً يعرف كيف يكسب القلوب كما العقول.
القائد العربي والانساني العظيم نبي هذه الأمة وزعيمها يستحق في يوم مولده ليس احتفاءً أو احتفالاً، بل البحث العميق عن كل خطواته الواثقة والموزونة والواعية نحو مجد هذه الأمة ونشر معتقداتها الخيرة والبناءة، البحث العميق كيف استطاع رجل يعيش في مجتمع البداوة والتخلف ووأد الأنثى أن يبني حضارة عريقة وإنسانية وأن يقيم دولة عظمى مزدهرة وتقود الدنيا بالعلم والاقناع .
كان رجلاً يعرف قيمة المرأة وقدم لها عصارة فكره وقلبه وحين سؤل عن خيار المفاضلة بين الأب والأم قال بكل وضوح وثقة في عدالة موقفه : أمك ثم أمك ثم أمك .. ثم أباك. ونحن نعرف أنه لم يعش طويلاً في كنف والدته كما أنه لم ير والده الكريم عبد الله بن عبد المطلب.
لم يكن المصطفى رضوان الله عليه منصفاً مع المرأة الأم فقط بل مع كل النساء، أخوات كن أم زوجات أو بنات وكان يقول : النساء شقائق الرجال، ولازلنا نتلقى عبر آثاره وأحاديثه الشريفة دروس وتوجيهات حول احترام المرأة ومساواتها بالرجل، وكل تمييز أجازه الرسول الكريم بين الرجل والمرأة لم يكن ينطلق من الجنس بل من الوضع والوظيفة الاجتماعية في مجتمع تحكمه مفاهيم خاطئة حول دور المرأة، وفي مستوى متدني من التطور الاقتصادي كان فيه الرجل يملك وسائل الانتاج بشكل حصري، ويعتمد على نظام عبودية صارم، جاء نبي الرحمة ليقلبه رأساً على عقب، وليضع أسس إلغائه بطريقة سلسة ومضطردة. كان الرسول محرراً ليس للأرقاء والعبيد فقط بل محرراً لأرواح الناس وعقولها من جهالات الماضي والمعتقدات البالية كما العادات المرضية، وفي هذا المجال لا يوجد رجل في التاريخ استطاع أن يفعل أو يقدم ما قدمه محمد بن عبد الله لتغيير مجتمعه وبناء دولة تقوم على أسس العدل والحق الأمر الذي شكل المقدمة الضرورية لنهضة شاملة جعلت المنطقة العربية قبلة العالم في العلم والبناء وفي السياسة أيضاً حين وضع نظاماً يمكن وصفه بالديمقراطي للحكم يقوم على الشورى واختيار الأفضل تاركاً الطريق مفتوحة أمام تطوير بهذا الاتجاه يجعل هذه الشورى عامة ولكل الناس عبر صناديق الاقتراع نتيجة تطور العلوم والقدرة على إشراك كل البالغين الراشدين في اختيار الحكام وليس كما يدعي بعض غلاة المتطرفين من وجود تناقض بين نظام الشورى الاسلامي وبين الديمقراطية العصرية وصناديق الاقتراع. ليس لنا ونحن نحتفل بيوم المولد النبوي الشريف القدرة على تعداد إنجازات الرسول العظيم ولا سيرته العطرة وأحاديثه الشريفة، كما لا يمكننا وصف قدر المحبة والاقتداء التي تركها بعد رحيله، وكيف أن ذكر اسمه يثير في نفوس المسلمين وربما غيرهم الحب والرأفة والشعور بالرضى، وكم كان لهديه والسير على نهجه من بركات على المحتاجين والضعفاء تماماً مثلما الاستعانة باسمه الجميل لاسترحام رب العباد وخالق الكون للصفح والغفران، فعليه الصلاة والسلام كلما أشرقت الشمس، وكلما غرد طائر فوق شجرة أو صرخ طفل لحظة مولده أو هطل المطر على الأرض، وكلما تفتحت زهرة جميلة نزين بها هذا اليوم الأغر.
الرسول الكريم بتعاليمه السمحة نهى عن العنف والقتل في غير اضطرار، وله في هذا عشرات الأحاديث كما في القرآن الكريم الذي نزل عليه موحياً من الله عز وجل، ونحن معنيون وواجبنا أن نقدم للعالم هذا الوجه الطيب لتعاليم محمد وجوهرها السلام والعفو عند المقدرة ودرء المفاسد.
وإذا كان الفاطميون هم أول من أحيا ذكرى مولد المصطفى بشكل رسمي ومعمم في قاهرة المعز وفي كل أرجاء مصر فإن الفرح والاستبشار الذي ولدته احتفالات المولد على مدار التاريخ جعلت منه يوماً مباركاً ويستحق الاهتمام في كل الدنيا، وكما نلاحظ فإن عيدنا كمسلمين وبهجته المحببة لنا تشبه إلى حد كبير عيد نبي التسامح سيدنا المسيح عليه السلام بعيد ميلاده المجيد.
في هذه المناسبة العطرة نوجه التحية لكل الأمة العربية والاسلامية وللعالم أجمع ورسالتنا إليهم السلام والعدالة والمحبة والتسامح كما علمنا إياها نبينا الكريم وقدوتنا التي مازالت ترسخ فينا مفهوم الدين المعاملة وتعلمنا مكارم الأخلاق. الصلاة والسلام على روحه الطاهرة في يوم مولده الكريم.
Zead51@hotmail.com