إنهم يرقصون ليلة رأس السنة

قراءة: محمد محمد السنباطي
عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب (إنهم يرقصون ليلة رأس السنة) لمؤلفه الدكتور: غالي شكري، وهو مجموع مقالات كان قد نشرها في الصحف ابتداء من 1973 حيث أقام في لبنان زهاء ثلاثة أعوام قبل أن يحط عصا الترحال في باريس حيث عمل- كما يذكر في المقدمة- إبان ثماني سنوات في “المطبخ الصحفي” لمجلة”البلاغ” و”الدستور” الأسبوعيتين. وسأحاول أن أعرض شيئا من روائع ما احتواه هذا الكتاب، وما أكثرها من روائع. في مقال بعنوان (أن تكون أنت أو لا تكون) يحدثنا عن كوكب تم اكتشافه حديثا، يلعبون هناك الشطرنج، لكن “للقطع حق الاعتراض وحق الموافقة، إنها تتدخل في صنع مصيرها بمقدار ذكائها الخاص، قد تضطر للانصياع، ولكنها أحيانا ترفض! وخطورة اللعبة أنها تحد من ذكاء اللاعبين بأقدار القطع . إذا طلب أحدهم من الفيل أن ينتقل على الرقعة البيضاء يمينا، فإنه يفاجأ بالفيل يتخذ طريقه يسارا” . إذن القطع الشطرنجية على هذا الكوكب تتمرد مما حدا بأحد اللاعبين أن يلقيها عن الخشبة . وهكذا انقسمت الدمى . بعضها يريد أن يلغي عقله ويصبح منقادا، والبعض الآخر يعترض بشدة، بينما المدينة- في ذلك الكوكب المجهول(…) كانت تفكر في إلغاء اللعبة!”
 
وفي مقال(وأصبح المستحيل ممكنا) نختار: “أما الحُكم من مسافة تبلغ آلاف السنين، فهو بالضبط كالحكم على المكان من مسافة تبلغ آلاف الأميال: حكم بعيد عن الواقع، الخيال عموده الفقري” . أي أنك إن أصدرت حكما على عصر من العصور بأنه رديء أو منحط أو بهيج فإنك تحكم من خلال إشارات باهتة وصلت إليك عبر الزمن الممتد الذي يسلب كل لامع بريقه وتوهجه .
 
وفي مقال(الخلاص بالحب) نقرأ:”كل قصة حب حقيقية هي “نقطة” جديدة تحرزها الحياة ضد الموت” . ومن (مثلث حب متساوي الأضلاع) نختار”الإنسان عندما يحب، فهو لا يحب “شيئا ما” إنه يحب “الكل” وهذا هو الفارق الخطير بين الحب وأية عواطف أخرى كالانفعال الجنسي أو الانبهار العقلي أو الخلقي” . وفي(مضى دون أن يقول وداعا) نقرأ:”أروع ما في ميخائيل رومان هو مخزونه من الشعلة المضيئة الملتهبة داخله، وكذلك “حياته” التي ظلت بمنأى عن المساومات والتنازلات والتراجعات” . وفي(الوعي المذبوح) نقرأ:” وأخيرا يسهل على السلطة ،أي سلطة، أن تغتال الثقافة أو أن تحتويها.. مادامت الغالبية العظمى من المثقفين قد اختارت أن تعيش كنباتات الظل في بيوت من زجاج، بدلا من أن تعيش كأحراج الغابات وأشواك الصحراء جذورها في أعماق الأرض وأعناقها تحترق عين الشمس، والهواء الطليق يحميها من الوحوش الغادرة!”
 
أما في (مشكلة يوسف إدريس) فللكاتب رأي في أديبنا اكبير نورده دون تعليق:”ويوسف إدريس فنان عظيم، ولكنه ليس “سياسيا” على الإطلاق . ومشكلة يوسف إدريس أنه- ذلك العبقري- لا يدرك هذه الحقيقة البسيطة . وفي (الماء يجري تحت العشب) يورد رأيا حازما ورائعا لعميد الأدب العربي:”وقد كان طه حسين يردد دائما أنه في الوقت الذي نتصور أن الماضي كان عصرا ذهبيا، يجب أن نكف عن القيادة ونترك الدفة لغيرنا.. لأننا حينذاك نفقد البوصلة الهادية إلى المستقبل” . وفي(الشاعر يموت واقفا) نقرأ عن بابلو نيرودا الذي ناضل من أجل الحرية، وماذا حدث له . “ماذا صنعوا؟ أرسلوا إليه، هو العجوز المريض، عصابة من ثلة الإرهاب راحت تضربه حتى نزف.. ضربوه حتى مات! ثم امتدت أظافرهم تنهش مكتبه وفراش نومه بحثا عما كتبه، وأشعلوا النيران في كل الأوراق ثم أطلت عليهم من الجدران ألوف الوحوش الصغيرة استفزت شجاعتهم، أطلت عليهم (…)أغلفة الكتب ساخرة من السياط، فأشعلوا الثقاب وأحرقوها!”.
 
وفي(لمن تدق الأجراس في الليل الطويل الدامي) نختار ونقرأ:” المطلوب هو انتشال روح الأمة من الوهدة التي تردت فيها، وإنقاذ ضمير الوطن من الهوة الفاغرة فاها..بعملية فدائية كالمعجزة وقبل فوات الأوان- يجب خطف المثقفين العرب من مقاهيهم ومنافيهم وصمتهم، ووضعهم أمام مرآة أنفسهم، ليكتشفوا حقيقتهم، وليستمعوا بآذانهم إلى الأجراس التي تناديهم في الليل الطويل الدامي..وليستفيقوا إلى”دورهم” التاريخي على مسرح حياتنا ، لم ينته بعد..ولا ينتهي أبدا”
 
أما في (كيف ومتى) فنقرأ رد سارتر على الروائيين والشعراء الأفارقة الذين جاءوه مستطلعين رأيه في انتاجهم الأدبي”قال لهم: عودوا إلى بلادكم ومزقوا أوراقكم واشتغلوا بمحو أمية مواطنيكم!”.”وفي إدانته لصمت فلوبير أثناء انفجار وانكسار كومونة باريس يقول سارتر إن المثقف مسئول حتى عن الجرائم التي لم يسمع بها” . ويناقش دكتور غالي شكري هاتين الفكرتين وينتهي إلى:” وسيقولون لسارتر إن جملته ناقصة، لأن المثقف مسئول عن الجرائم الخفية والظاهرة، ولكن جريمة الجرائم
هي اغتصاب المثقفين وتغييبهم، كذلك فللمثقف دور في حياة أمته، ولكن جريمة الجرائم هي إخفاء هذا الدور تحت طبقات كثيفة من الماكياج المبتذل .”
 
 **
 
مازلنا نقرأ (إنهم يرقصون ليلة رأس السنة) للدكتور غالي شكري . في(حبيبتي) يقول عن تلك الحبيبة:”كان حبي لها ولا يزال في الدم والأعصاب وفي أرهف نخاعات العظم وتلافيف الدماغ . أحببتها قبل أن أتزوج، وكنت أمينا فأخبرت عروسي قبل الزفاف بكل شيء، وأضفت أنني لن أستغني عن حبيبتي” وفي نهاية المقال الشائق يخبرنا:”نسيت أن أقول لك اسم حبيبتي: الصحافة!”
 
ومن (حوار يجمع العرب ولا يتواضع أمام الغرب) نختار:”ومن هنا كان اختيار الإسلام محورا فكريا لأهم المناقشات الدائرة الآن بين المثقفين الفرنسيين والمثقفين العرب، لأنه أولا، هو الحضارة التي تجمع العرب ولا تفرق بينهم، فكم كان هينا أن تكون الحضارة المصرية القديمة أو الحضارة الفينيقية هي محور الحوار . وكم كان يسيرا أن تكون الديمقراطية الليبرالية أو الاشتراكية هي محور الحوار . ولكن هذه كلها- رغم أهميتها- لا تجمع العرب . أن اختيار الإسلام محورا رئيسيا للحوار الفرنسي العربي الواسع ،هذه الأيام، يبرز هذه الدلالة الهامة، وهي أن أي نقاش حضاري مثمر بين الغرب والعرب لا بد وأن ينطلق مما يجمعهم في إطار واحد . أما الدلالة الأخرى، فهي أن اختيار الإسلام يعني ضمنا أزهى عصور الحضارة العربية” .
 
وفي مقال( البعض…لا يريد أن يكون وحيدا)نقرأ:”مع فصل111صحفيا وكاتبا مصريا علم 1973، بدأت أول هجرة جماعية للمثقفين المصريين في تاريخنا الحديث” . “المنفى الثقافي هو مجرد “فرع” متميز عن “الأصل” الذي هو الوطن” . “المنفى الثقافي هو “حالة طارئة” والعودة إلى الوطن هي الحالة الدائمة” . “المنفى الثقافي ليس حزبا سياسيا معارضا من الخارج” . تلك وغيرها كانت مجموعة من الخطوط أثارتها في ذهن الكاتب “تلك الظاهرة الفريدة في تاريخ مصر الحديث، إن لم تكن في تاريخنا كله”.
 
وفي(مؤسسة الحرية الدولية) نقرأ فنتذكر خالد محمد خالد “فهو الرجل الذي وقف وحيدا أمام الرئيس عبد الناصر في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية، ليقول “لا” سواء عن صواب أو عن خطأ . وفي(أزمة الأزمات يا وطن) نقرأ: “فالثقافة ليست مرآة مصقولة للواقع ولا هي عدسة فوتوغرافية، بل هي خلق للواقع الجديد من أحشاء الواقع القريب وأنقاضه، خلقه واكتشافه” .
 
وفي(كنا نبيع الحرية ) نقرأ:”فكم من مثقف مصري، مثلا، كان في السجن عشية ثورة يوليو “تموز1952″بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، فإذا به يستمر في السجن..بعد أن قلب نظام الحكم فعلا . وكم من مثقف مصري، مثلا، ينتمي إلى اليمين وآخر ينتمي إلى اليسار، قد تجاورا داخل المعتقل عقدا كاملا ونصف من الزمان، أي عمرا كاملا… بل كان أحدهما يلقى حتفه في فرن التعذيب، والآخر يلقاه بكل التكريم بين فكي المقصلة . وكم من مثقف مصري، مثلا كذلك، ينتمي أحدهما إلى اليسار والآخر إلى الإخوان المسلمين، وقد التقيا في مطار القاهرة صالة المغادرين، وفي مطارات العالم صالة القادمين.. ثم في مقاهي الغربة وشوارع الهجرة الجماعية الدائمة . “
 
لماذا حدث كل هذا؟ يفسر الكاتب الكبير ذلك: “لأننا شنقنا الحرية . لم تعد لنا وظيفة سوى السير في جنازتها.. ونكتفي حين تلحق بنا إحدى الكوارث أن نتطهر قائلين: لعنة الله على المثقفين . ونتناسى أننا حين قتلناهم، ولازلنا، كنا نبيع الأرض والإنسان، بأبخس الأثمانن لأننا كنا نبيع الحرية”
 
وفي المقال التالي مباشرة يتابع ويقول إنه لا يقيم للمثقفين العرب “تمثالا من ذهب” لكنه لا يحب لغيره أن يقيم لهم تمثالا من طين . لماذا؟
 
لأن “في ثقافتنا العربية المعاصرة مئات من دوستويفسكي ومايكوفسكي وجوركي، مئات المعذبين حتى الجنون، والفقراء حتى الموت، والمقهورين حتى الضياع .
 
 ومازلنا في استعراضنا لهذا الكتاب القيم . وفي ) : أخي جاوز الظالمون المدى )   يبغتنا بسؤال استنكاري: ” كيف يمكن للذي كتب عن عبد الناصر والناصرية حتى وفاة قائدها ، أن يصبح هو نفسه الذي يكتب عن الثورة المضادة وقائدها- قلائد الذهب؟ ” . الحديث عن الدكتور لويس عوض . “وكيف يمكن لمن لحن وغنى”أخي جاوز الظالمون المدى” أن يقود الفرقة الموسيقية لأداء النشيد الصهيوني؟” . الحديث عن محمد عبد الوهاب . وفي المقال مقارنة بينهما وغيرهما من ناحية و شتاينبك من ناحية أخرى ؛ فهو
كاتب تقدمي ومؤلف (عناقيد الغضب) عن بشاعة الحياة في أمريكا ، “وهو نفسه الذي أنهى حياته بسلسلة عن الحرب في فيتنام يمجد فيها السيطرة الأمريكية ويدعو بلاده للبقاء “.
 
وفي (سلطة المثقفين) يرثى لأحوالهم فيكتب:”والمثقفون العرب هم أكبر الحالمين التعساء ؛ فهم يأكلون بعضهم أكلا ، على كرسي لا يتحرك إلا بأسلاك الهاتف، أو على حيز في صحيفة لا يكتب إلا بحبر أجهزة الأمن ، أو على تذكرة طائرة إلى مؤتمر ينهي أعماله ببرقية شكر إلى مسئول . يأكلون بعضهم أكلا ، ولا “غنيمة” أمامهم سوى السراب . يأكلون بعضهم أكلا ليتسلى بهم الآخرون كما كان الأباطرة يتلذذون بمشاهدة الصراع بين الأسُود والبشر في ملاعب الموت”.
 
بهذا المشهد الصادم أنتهي من قراءة هذا الكتاب الذي قد يجذبني لإعادة قراءته مرات.
 
Exit mobile version