القدس: أقل مكانة وأهمية من غزة..؟!!

القدس: أقل مكانة وأهمية من غزة..؟!!
مصطفى إنشاصي
بداية أحب أن يعلم الجميع أن جميع مدن وقرى الوطن عندي سواء، ولها نفس المكانة من الحب بصفة عامة، ولا أقبل التفريط أو التنازل عن أي شبر من الوطن، ولا أن نهمل جزء لحساب جزء آخر، فالوطن كله عزيز ويسكن القلب ولن نفرط في شبر منه، وأنا من اللاجئين إلى غزة وأهلي مازالوا فيها! ولكن هناك تفاوت لبعض أجزاء الوطن في الأهمية وعلو المكانة وعلاقتها بمركزية الصراع، فالقدس لها مكانة دينية وتاريخية إلى جانب الرمزية التي تتمتع بها عند جميع أتباع الرسالات السماوية، وتعتبر هي مركز الصراع بينها جميعاً، وأذكر أني في عام 2004 على إثر حدث ألم بالمسجد الأقصى، كانت هناك دعوة لأحد الفصائل لبعض الإعلاميين إلى ورشة عمل لتكثيف الكتابة عن المسجد الأقصى والحفريات تحته، وما تشكله من خطورة على استمرار وجوده، وحاولت يومها أن أختزل أهمية المسجد الأقصى في المخططات الصهيونية، وإبراز مكانته وأهميته في الصراع، وأنه هو مركز الصراع، فقلت:
يمكن اختزال الصراع كله في القضية المركزية للأمة مع عدو الأمة المركزي ـ اليهود الصهاينة ـ في كلمات؛ أن المسجد الأقصى هو مركز وجوهر ومحور الصراع، لأنه في العقيدة اليهودية الصهيونية أنه مُقام مكان ما يزعمون أنه هيكل سليمان عليه السلام، لذلك لا بد من هدمه حتى يتسنَ لهم إعادة بناء الهيكل المزعوم، ووضع العرش بداخله، وتنصيب ملك اليهود الذي يزعمون أنه من نسل داود عليه السلام، الذي يمثل رمز السيادة العالمية اليهودية على العالم. فالصراع على المسجد الأقصى يختزل القضية بجميع أبعادها.
ويؤسفني أنه عندما أخذ الكلمة كبير مشايخ ذلك التنظيم وكان آخر المتحدثين، لم يقل شيء حول الموضوع ولكنه علق على كلمتي وكأني قلت شيء خطأ أو أجرمت فيما قلت!! وقال: ليس صحيحاً أنه يمكن اختزال القضية في الصراع على المسجد الأقصى، وبدأ يتحدث بكلام مكرر وعام له علاقة بالقضية، وخاصة البعد الديني الذي غالباً ما يطرحوه بأسلوب عاطفي وإنشائي ومكرر ولا علاقة له بالرؤية ولا بالفكر ولا بفهم التاريخ ولا حسن قراءة الواقع. ومعلوم عني أني من النوع الذي لا يصمت ويرد سريعاً غير مبالي برضا فلان أو غضبه، ولكني آثرت الصمت يومها احتراماً لمكانة المسجد الأقصى الذي نلتقي لأجله، ولأني أدرك أن ما قلته وصل للحاضرين، وأنه لم يقل في حديثه جديد ولكن نفس الذي اعتاد الحاضرون على سماعه منذ عقود!.
حقيقة لم أستغرب يومها ذلك الموقف من ذلك الشخص الذي امتقع معه وجه ممثل ذلك الفصيل غير راضٍ عنه، لمعرفتي بحجم عدائهم لكل شخص مهما كان تاريخه وعلمه وفكره وجهاده إذا ما كان مثلي خارج عن السيطرة! وأنهم لا يحبون أن يظهر غيرهم بأنه يفهم عنهم ومستوعب ومتشرب لجميع أبعاد القضي، أمام الآخرين، الذين يريدون أن يبقوا في نظرهم هم القادة والزعامة والفهم كله، وأن اختصاري وتلخيصي لتوصيل الفكرة للحضور في كلمات يمكن فهمها وحفظها، ما أثار حفيظته!
ما أود قوله بهذه المناسبة: أن ذلك الموقف يفسر لنا الموقف الذي نحن فيه اليوم من السلبية والانشغال بما هو ليس أهم من القدس عن القدس! وبما يجب أن يهون في سبيل التفرغ لحماية المسجد الأقصى وتعظيمه وتضخيمه ورفعه إلى مكانة أعظم من القدس والأقصى! لأنهم لا يملكون رؤية ولا تصور عن أبعاد الصراع، ولكن هي الظروف التي خدمتهم وقدمتهم، لأنهم لو أدركوا معنى اختزال القضية في المسجد الأقصى ما تركوه يضيع، ولا تركوا أهلنا في القدس تُهدم بيوتهم ويُهجروا وهم منشغلون بالصراع على الشرعية من خلال إعادة إعمار غزة، ولأدركوا حجم الخطأ والجريمة التي يرتكبونها في حق الوطن والقدس والمسجد الأقصى خاصة، وهم يشغلون العالم بمن أحق بأموال إعادة إعمارها، السلطة في رام الله أم حكومة حماس في غزة؟! أو وهم يتصارعون على تسمية مَنْ من حقه تسمية رئيس الوزراء، وعلى توزيع الحقائب الوزارية السيادية منها! ولا أعلم أين هي السيادة التي يتحدثون عنها، والوطن كله محتل ولا تستطيع نملة من الدخول أو الخروج لغزة بدون موافقة المحتل الصهيوني؟!!.
ترى هل يدل ذلك على رؤية ووعي أو إخلاص أو مسئولية تجاه القضية والوطن، والمسجد الأقصى على وجه الخصوص؟! الذي تركوا مسئولية حمايته والدفاع عنه والذود عن حماه لأهلنا المستضعفين في القدس وفي فلسطين المحتلة عام 1948 جزاهم
الله خير، وعلى رأسهم الشيخ الفاضل رائد صلاح وإخوانه، الذين زهدوا في الدنيا في وقت تكالب عليها دعاة المقاومة وتحرير منظمة التحرير من التحرير! واغتصاب كرسيها من مغتصبيه الذين انتهت شرعيتهم، وفرطوا في المقاومة والثوابت، ويزعمون أنهم يريدون إصلاحها والحفاظ على المقاومة! المقاومة التي تسعى لتوقيع تهدئة لعام ونصف، ناسية أو متناسية تجربتها في التهدئة السابقة، وأنها مهدئة منذ آذار/مارس 2005 ولم تحقق إلا الخراب، وأن العدو الصهيوني حدد عام 2010 أقصى موعد للانتهاء من بناء الجدار واغتصاب القدس وتهويدها نهائياً وضمها عاصمة موحدة وأبدية لكيان العدو الصهيوني! تركوا القدس والأقصى وتفرغوا للمواكب الرئاسية والأناقة ولبس البدلات وربطات العنق الفاخرة، وإرهاق أعينهم بالبحث عن عدسات الكاميرات واستراق النظر لمعرفة إن كانت مسلطة عليهم أم لا؟! ولا يريدوا أن يتواضعوا ويتعلموا من تواضع الشيخ رائد صلاح، المتواضع في حديثه وفي مظهره، الذي لا يهتم بكاميرا ولا يحزنون، يثقل كاهله وإخوته هم الدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته، الزاهد فيما يقتتلون عليه من متاع زائل، وفيما أراقوا من أجله دماء بريئة ومازالوا!.
ذلك ما يثير الشك حول كل تلك الدعاية والحملة الإعلامية والتحركات التي تمت تجاه غزة والحرب عليها، من تلك الفضائيات التابعة لدول أو فصائل بعينها، أو تلك المأجورة منها، وذلك العدد القليل المرتزق من أدعياء الفكر والثقافة والتحليل، وتلك الأحزاب وخاصة الإسلامية منها وعلى رأسها الإخوان المسلمين، التي كانت لا تكف لا ليل ولا نهار عن الصراخ والعويل على غزة وأهلها، الذين تركوهم بعد انتهاء الحرب في العراء والبرد القارص والمطر الجارف، وعادوا إلى بيوتهم وأعمالهم مشكورين! والآن تركوا القدس وأقصى الأمة ولاذوا بالصمت عن تصعيد العدو الصهيوني لسياسة إفراغ مدينة بيت المقدس من أهلها، وتحويلهم إلى أقلية لا تزيد عن 12% من سكانها، وسياسة هدم المنازل التي شملت أحياء بكاملها ولم تعد هدم منزل هنا أو منزل هناك، وقد تجاوز عدد البيوت التي تم إبلاغ ساكنيها بالهدم وهدم عدد منها فجأة دون أن يتمكن أصحابها من أخذ أي شيء منها الـ300 منزل، ومحاولات الاقتحام المتكررة لساحات المسجد الأقصى المبارك والحفريات أسفله، إضافة إلى مصادقة الاحتلال على إقامة مركز لشرطة الاحتلال في ساحة حائط البراق على مساحة 140 متراً مربع،كخطوة متقدمة لاستهداف المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف. أي أن إقامته توحي بأن العدو الصهيوني يخطط لاعتداء كبير يستهدف المسجد الأقصى ومدينة القدس. وآخر تلك السياسات رصد العدو الصهيوني مبلغ (600 مليون شيكل) لتغيير معالم القدس وتهويدها،
أين الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل فتح معبر رفح وتكرس الانقسام وتصفية القضية من القدس والمسجد الأقصى؟! وكل التقارير تؤكد: أن الاحتلال أنهى فعلياً سيطرته الجغرافية على المدينة، من خلال سياسات اغتصاب ومصادرة الأراضي والاستيلاء على العقارات وشق الشوارع الضخمة، وانتقل الآن للعمل على تقليل الوجود الفلسطيني في المدينة إلى أدنى حدٍ بحيث يصبح أقلية وسط بحر من المغتصبين اليهود، بهدف سلخ المدينة بالكامل عن محيطها الفلسطيني وتكريس الاحتلال فيها، تحويلها لمدينة يهودية؟!.
أين هي الفضائيات التي ضجت الدنيا من عويلها على المقاومة في غزة، وعلى أهل غزة، ونكبة أهل غزة، ودمار بيوتهم، وتشريدهم في العراء…إلخ مما يدبر للقدس والأقصى؟!
أين هي الأحزاب والجماعات التي أخرجت الجاهير للشوارع؟!وأين هي الشعوب والجماهير عما يحدث في القدس ويعد من مخططات للمسجد الأقصى؟! أم أنها تنتظر مَنْ يخرجها للشوارع؟!
أين هم المفكرين والمحللين من المرتزقة الذين بكوا وتباكوا على معبر رفح، وصاحوا وصرخوا وملئوا الدنيا عويل على ما تقوم به سلطة دايتون برام الله من اعتقالات في الضفة الغربية، ومن قمع للمتظاهرين، ومن تفريط ومفاوضات عبثية و…و… أين هم من القدس وما يجري فيها الآن؟!
أين هي المقاومة التي تحرص على توقيع تهدئة لعام ونصف؟! ومنشغلة في الصراع على دخول منظمة التحرير؟! وتشكيل الحكومة وتقاسم الحقائب الوزارية؟! وإعادة الانتخابات لضمان أكثرية تؤهلها لقيادة منظمة التحرير؟! أين هي مما يخطط للقدس والمسجد الأقصى؟!
أم أن غزة أهم من القدس والمسجد الأقصى؟ وأهلنا في غزة لهم الحق في الدفاع عنهم وإظهار معاناتهم ونكبتهم أكثر من أهلنا في القدس؟ أم أن الصراع الفصائلي على منظمة التحرير والحكومة و
ملاليم إعادة الإعمار أهم من القدس والمسجد الأقصى؟!.