من الرياض إلى الدوحة.. نهاية أزمة
بقلم : زياد ابوشاويش
عاش المواطن العربي على امتداد السنوات الثلاث الماضية حالة قلق وتوتر بسبب تردي الواقع العربي وانقسامه، واختلاف المواقف بين الدول العربية على خلفية التقدير المتناقض لمعسكر الأعداء والأصدقاء، ووصولها حالة من التشنج والعداء اقترنت بحملات إعلامية زادت من كآبة الصورة السوداوية المحيطة بكل العمل العربي المشترك بما في ذلك مؤسسة الجامعة العربية التي يفترض أنها الجهة الحافظة للحد الأدنى من التضامن العربي. زاد القلق والتوجس بصورة ملحوظة حين وصل الأمر حد الاختلاف، بل والتناقض في تقييم العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، والعدوان الوحشي على غزة عام 2009، في الوقت الذي أجمعت فيه جماهير الشعب العربي في كل مكان على توصيف ما جرى باعتباره عدوان مبيت على الأمة وليس مجرد رد فعل على أعمال المقاومة “المغامرة” على حد وصف بعض الدول العربية المحسوبة على ما يسمى محور الاعتدال، وإعلانها الواضح (أي الجماهير) وقوفها مع المقاومة في وجه العدوان. وقد تفاقم الخلاف ووصل حد الأزمة الخطيرة عشية انعقاد قمة الدوحة الطارئة لمواجهة العدوان الصهيوني على غزة التي عمل بعض العرب على إفقادها النصاب القانوني بالضغط على بلدان بعينها للتغيب عنها بعد أن اكتمل لها النصاب أكثر من مرة، واعتبرها البعض قمة ضارة بالتضامن العربي بحجة أنها تفسد العمل المشترك لإنجاح قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت بعد الدوحة بأقل من أسبوعين، لكن الحقيقة تقول أن ما جرى لقمة الدوحة كان التعبير الأوضح عن حجم الخلاف وخطورة الأزمة في العلاقات العربية.
مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز بإنهاء الخلافات العربية عبر الإعلان عن ذلك ولو نظرياً في قمة الكويت كان خطوة مهمة باتجاه إلزام المملكة العربية السعودية بالعمل بهذا الاتجاه كما أنها شكلت عاملاً ضاغطاً على مصر وغيرها من الدول باتجاه التساوق الايجابي مع الدعوة للمصالحة العربية، لكن الخطوة الأهم كانت شروعه بعد كلمته أمام المؤتمر بالاتصال بكل من الرئيس السوري بشار الأسد وأمير قطر من أجل حوار أخوي صريح لمعالجة نقاط الخلاف ووضع أسس المصالحة وعودة التضامن باعتباره ممراً إجبارياً للخروج من حالة التردي والانقسام بل والشلل العربي الذي ألحق بالجميع خسائر فادحة على الصعيد الدولي وفي المواجهة مع اسرائيل التي استغلت حالة الانقسام للعدوان على لبنان وغزة بطريقة غير مسبوقة.
إن مجموع الخطوات المتخذة في البحث عن الحل لمعضلة الانقسام جاءت من عدة جهات عربية وخصوصاً السعودية وسورية، وبصورة أقل من قطر واليمن، لكنها جميعاً هدفت لترطيب الأجواء وتنقيتها قبل الشروع جدياً في علاج مضمون ودائم لحالة الانقسام المتفاقمة.
المهمة الأبرز على جدول أعمال الحوار الجاري بهذا الشأن هي في كيفية التعامل مع نقاط الخلاف ووضع آلية محددة لإدارة هذه الخلافات أو بالحد الأدنى ترحيلها لفترة قادمة وإبعادها عن مركز العمل المشترك دون إعطاء الإعلام فرصة التحريض وخلق التناقضات مجدداً كما رأينا في الفترة السابقة.
المنطق يقول أن الاتفاق الكامل بين الدول العربية مسألة صعبة إن لم نقل مستحيلة خاصة في أمور تتعلق بمفاهيم وقناعات وربما أيديولوجيات وأن اختلاف الرأي بل والمواقف يجب أن لا يعني انهيار التضامن أو الدخول في مناكفات لا توصلنا لشيء، ومن هنا فإن البحث عن نقاط اللقاء والاتفاق لتعزيزها ورسم برنامج مواجهة للأزمات على أساسها لابد أن يقترن بتحديد نقاط الاختلاف حتى يمكن معالجتها بحلول وسط أو بإبعادها عن مجال العمل المشترك أو بترحيلها لزمن وظروف أنسب، وهذه آلية يمكن اعتمادها في قمة الدوحة القادمة بعد إدخال بعض التحسينات عليها مثل تجاهلها في الإعلام الرسمي للدول العربية والتعامل معها باعتبارها تعبير عن حرية الاختيار وغير ذلك من أساليب التعاطي مع النقاط الخلافية بروح إيجابية.
إن قمة الرياض التي جمعت قادة دول عربية كالسعودية ومصر وسوريا والكويت تقدم الفرصة الأكبر لنجاح المساعي العربية لرأب الصدع وعودة التضامن العربي وإنهاء فترة مظلمة من تاريخ العرب كادت أن تجعل حالة الانقسام والعداء أمراً دائماً وطبيعياً.
لقد تم عقد عديد اللقاءات والمشاورات والرسائل المتبادلة بين الزعماء العرب كما الزيارات والتحركات النشطة، وخصوصاً تجاه دمشق وفيها، لتتركز كل هذه التحركات في النهاية بالدعوة لقمة الرياض بين الأقطاب الذين لو وصلوا لاتفاق على جملة القضايا الخلافية فإن الطريق سيكون مفتوحاً وسالكاً للوصول لحالة جديدة وصحية من التضامن العربي لمواجهة تحديات خطيرة ومحرجة نواجهها كعرب تمتد من المشرق إلى المغرب وتأخذ أشكالاً متعددة على غير صعيد. المؤكد أن قمة الرياض المصغرة ستعطي حيزاً كبيراً من الاهتمام للتحضير لقمة الدوحة من أجل إنجاحها والخروج بقرارات تعكس تقديراً صائباً من القادة العرب لحالة الترقب التي يعيشها المواطن العربي تجاه مجموعة الأزمات المقلقة القديمة والطارئة في المنطقة والتي يأمل أن يرى علاجها في أقرب الآجال.
ما بين قمة الرياض وقمة الدوحة وقت لا يزيد عن عشرين يوماً وهو وقت قصير لكنه شديد الأهمية وينطبق عليه المثل العربي الشهير ” الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ” ولذلك سنشهد خلال هذه الفترة حراكاً عربياً نشطاً، يقابله تحركات من قوى غربية وجهات معادية للتخريب على الجهد الطيب والبناء الذي قام به الجميع لنجاح مساعي المصالحة والوفاق، تماماً كما يحدث على صعيد الحوار من أجل المصالحة الفلسطينية. وبنظرة شاملة لكل ما أشرنا له وما يمكن أن يحدث حتى انعقاد القمة العربية العادية في الدوحة بقطر نهاية الشهر الجاري فإننا نستطيع القول بثقة أن أزمة العلاقات العربية- العربية قد انتهت تقريباً حتى لو بقيت بعض نقاط الخلاف عالقة، وأن قمة الرياض أتت لتؤكد هذه النتيجة الايجابية.
Zead51@hotmail.com