أرشيف - غير مصنف

الكرامة نصر مزنّر بالشهداء

زكريا النوايسة
 ( أستبقُ الذكرى لأُبرئ نفسي من خطيئة النسيـان
 وربما لأن آذار يُغريني أن أخـرج من شرنقتـي
 لأبحث عن بعض ورده المعطر بأريج الشهداء)
———————————-
 
 في آذار يولد الحب والدحنون والشهداء.  
في آذار تأتي الشمس مثل صبية تنثر جدائلها الشقراء فوق الحقول والخمائـل لتبعث الدفء في أوصال ربيع ما زال يحبو خطواته الأولى.
وفي آذار كانت الرحلة المقدسة.
الرجال يُيمِمُـون وجـوههــم “غرباً” وهم يهزجـون لعيـون الوطن والأمهات أغنيات الحياة.
فيا أيها الراحلون الطيبون تشدُُّكم الدنيا إليها،وتغريكم ببعض زخارفها البائسة ولكنكم أبيتـم إلا أن تضعوا يدكـم فـي يـد الله بعد أن أقسمتـم أن الأرض عربيـة وأن كرامـة الأردني سترسم لوحة الكرامة الآتية.
حين أفاق الصغير لامس سمعه الغض صوت بكاء خفيت ،فنظر في الأرجاء وعيونه تفتش المكان وحيـن أعيـاه البحـث سأل أمه الباكيـة : أيـن أبـي؟ كفكفـت الأم دمعهـا وقالت : يا بني منذ اليوم عليك أن تعلم أن الرجال هم فقط من يصنع الوطن ، وهـم الآن يزرعون كرمنا الغربي بدحنونهم الدامي ، يا بني إن أباك قبل أن يهمّ بالرحيل قبلك ثم ابتسم وذرف دمعة وأوصاني أن أقول لك : لن أرحل عنك – يا صغيري – فعندمـا يولد ربيـع آذار فتش في دحنونـه فستجدنـي في عيـن الوردة ،أُقبـل عينيـك وأزرعك معي زهرة عصية على الذبول عصية على الفناء.
 
**********
الكرامـة قريـة وادعـة يغفو الزمـان على حدودها ولا يوقظه إلا زغـرودة صبيـة،أو وشوشات الصغار العابثة .
وفي لحظة تبدل حالها بعد أن زارها غراب فإثنان فثلاثة ، فساد شعور أن في الأفق نُذر زمنٍ عصيب ، فتوجس الوردُ وتاه الحمـامُ عن هديله ، فزمن الغربان أوشك أن يفرض إيقاعه.
النهـر من بعيــد يـرقب بقلـب واجـف الزحف المظلـم وهـو يهـمُّ أن يخطـف الربيـع الوليد ،فنادي أيها الأردنيون إربطوا على قلوبكم واعتمروا عنفوانكم وابذروا حقلكم غضبا وجمرا ونارا لتأكل نبت الشيطان الذي أراد بكم سوءا.
لـم تخذل الوجـوه السُمـر الجميلة نهرها الطيب ، فأعلنت في لحظة الدم العصيبة أن ربيع آذارٍ هذا سيكون من دمها،وورده الرائع سيبقى شاهدا على غضْبة أردني أقسم أن يبقى هذا الوطن فوق الأيدي العابثة.
وينطلق البـارود ، ويفتـح الشيطـان فـاهه القبيـح ليبتلع بعض ما أثار شهيتـه، فيسـدد الرجــال رمــاح عزمهـــم ورصــاص كــرامتهــم لعينــه الشريــرة ، فيصيبونهــا بالعمى ،فترتبك أقدامه ويرتد على أدباره،وعيون الرجال ترقبه وقد زرعوا أنفسهم بالأرض فكانوا وردا من بعض الورد.
 
**********
 
في آذار تتجدد الذكرى ما بين حزن الثكالى وفرح الانتصار.
فـي آذار يلسعنـا صـدى صوت الشهـداء وهـم يعلنـون وصيتهـم الأخيرة “الأرض الأرض” ،فيبتسـم البعض مشفقـا ، ويتشاغل آخـر حتـى لا يلامس صـدى صوتكم مسامعـه ، وثالث وبنظـرة بلهاء لمئذنــة الكرامـة يسأل رفاقـه:لماذا أبقـى من هـدم المسجد على هذه المئذنة ؟!فيستفيق شهيد من مرقده فيصفعه ويقبض على حفنة من تراب ويقول له: من أجل هذا سال هذا،ويشير إلى جرحه النازف وقطرات من دمه تروي عطش الأرض ، وهذه المئذنة أبتْ إلا أن تصمد لتبعث في ذاكرتكم الخَرِبَة بعض لحظات من زمن صنعه رجال تساموا فوق زيف دنياكم.
 

زر الذهاب إلى الأعلى