بذخ يجر أذياله في كل ركن من هذا المكان.. وفخامة تستدر الإعجاب لفرط تسخيرها القوى والإمكانيات؛ كي يبدو الأمر طبيعيا.. ضحكات مفتعلة هنا.. وملامح حياة مفتعلة هناك تسعى لتلوين المشهد، فيما كل ذلك وأكثر لم يفلح يوما في طمر الحزن المتجدد.. ذلك الحزن الذي يصبغ إطلالة البحر الميت من ضفته الشرقية على أراضي الضفة الغربية الرازحة تحت الاحتلال.
أميال خجولة تلك الفاصلة بين الشطرين، وبين قلوب من فيهما من أهل ممزقين.. أميال يخالها الناظر متلامسة حد الالتصاق، فيما تبدو شاسعة لفاقدي البصر والبصيرة.. أميال منهكة من ثقل ما هي محمّلة به من رسائل حب وأشواق.. أشواق لا تجرؤ في جل الأحيان التعبير عن ذاتها إلا ببضع تنهيدات مستورة كي تنجو من العيون المترقبة لشبهة جرم، وبعيون ملؤها دمع يخشى الانسياب إلا بذريعة قذى ألمّ بإحدى المقلتين.
في لحظات.. تلتحم قلوب الشطرين وما بينها من مسافات، إلى حد تتسلل فيه الروح هناك، فوق الحواجز والمحاذير والعيون الصاحية، تتسلل لتحوم هناك، فوق نخيل أريحا الشاهق وعذوبتها السمراء.. وحيث القدس الشرقية الرابضة برسوخ في ذلك العمق التاريخي، لا يزحزحها محتل ولا غازٍ..
تتسلل الروح، لتنثر سلامها وحبها على “حاكورة” جدها الغائب عن قريته المقدسية المتواضعة رغم شموخها “أبو ديس”.. تسلّم على حجارة بيته المعتّقة، وبئره المعطّلة، وأشجاره المعمرة الشاهدة على من غرسها وتعهدها منذ ميلادها بكل الحب والحنان..
تتسلل لتقنت لله في حضرة الحرم القدسي المهيب، لتركع لبارئها وتسجد في ذلك الصحن الضارب بجذوره في بطن الأرض رغم ما ينخره، لتطوف سريعا فيما تبقى لها من دقائق قبل بزوغ الفجر وافتضاح تسللها، لتطوف على نابلس والخليل وجنين وطولكرم ورام الله وبيت لحم وقلقيلية وقرى كل منها..
ينفلق الصبح، تفرّ هلعة من بنادق الإرهاب الصهيوني المتأهبة حتى لطيور تلك السماء، بعدما استوطنت السكينة نفسها للمرة الأولى، لتعود مجددا إلى حيث هو مفترض بها أن تكون، فيما قلبها ينفطر على المدن والقرى المحتلة في العام 1948 والتي لم تملك أن تسترق النظر إليها؛ إذ يطبق المحتل فكّيه عليها بضراوة تفتت لحمها وتحرم أهلها الأصلاء حتى من أن يرمقوها بحسرة، تماما كما نفض العرب أيديهم منها فباتوا يائسين منها كم يئس الكفار من أصحاب القبور..
تعود مجددا، لترقب مشهدا يمزق أحشاءها قهرا؛ عندما ترى على كل منفذ بري وجوي أوروبيين وأفريقيين وآسيويين ومن كل أجناس العالم، يصولون ويجولون سياحة في أرضها المغتصبة، فيما هي: صاحبة الأرض والدار، تقبع بحسرتها ترقب من بعيد البساطير النجسة بينما هي تدوس ترابها الطاهر.. ينصهر قلبها حزنا كلما لمحت أفواجا لم تترك شاذا ولا عاهرا في أزقة وحواري بقاع المعمورة إلا وأتت به ليغرف غرفة من أرض السمن والعسل، فيما أصحاب الحق يسفّون التراب في المنفى والمخيمات..
يا موج.. يا نسمات.. الثمي تراب تلك الأرض، وبوحي لها بأشواق أهلها وسلامهم المتصل آناء الليل وأطراف النهار.. يا موج و يا نسمات، فلتزرعا روحي زهرة دحنون في أي بقعة هناك.. أو ارأفا بها، على الأقل، فادفناها هناك؛ علّها تذوق يوما نعيم الحرية الموعود، ذلك النعيم الذي لم تفتأ تعيش وشعبها على أمله منذ كشف ثلة اللصوص المخضرمين عورة أرضها، فاغتصبوها بلا رحمة، و بلا فتات ضمير من عالم يشهد بزوغ كل فجر على تآمره وقذارته..