الجزائر تحيي الذكرى 47 لعيد النصرفي ظروف خاصة

 يستعد الشغب الجزائري للاحتفال يوم 19مارس الذكرى47 لعيد النصر الذي تحقق سنة 1962م،الذكرى التي ستبقى مع التاريخ لأنه أكبر من مجرد انتصار وطني، بل كان انتصاراً على مستوى الإنسانية ونموذجا لتحرر الإنسان في ماضيه و حاضره وفى اختيار مصيره.
إذا كانت هذه الأعياد التي تكون لدى الشعوب الحرة والحية رمز الفخر، ودوافع إلى التقدم والتجدد المستمر،فهي أكثر رسوخا لدى الشعب الجزائري الذي قدم النفس والنفيس فداء للوطن.
قبل الحديث عن الذكرى وما يميزها هذه السنة،أرى انه من الضروري التعرض ولو بإيجاز لمرتكزات الجنرال “شارل ديغول” في تنفيد خططه الهادفة إلى خنق الثورة والقضاء عليها في مهدها،وما حققه منها،ردا على المتشدقين بليونته تجاه الثورة وإعطاء القاري فكرة واضحة عن الرجل،حتى يتسنى للجميع أن يكون لنفسه مناعة من خطر فيروس ما يروج من أكاذيب حول دعمه للثورة.
 إن شارل ديغول يعد من أبرز رجالات فرنسا في القرن العشرين فرض نفسه كرئيس للجنة فرنسا الحرة التي لجأ أعضاؤها إلى لندن بعد الاحتلال الألماني لفرنسا عام 1940م،ولقيت لجنته دعما ومشاركة فاعلة من ضباط عسكريين و سياسيين ومثقفين وجامعيين، فاثمر ذلك إنشاء المجلس الوطني للمقاومة داخل فرنسا والاعتراف بديغول رئيسا،وتلك من أهم أسباب عودته إلى الحكم عام 1958م.لإعادة انقاد فرنسا من مستنقع حرب الجزائر بعدما ابتعد عن الحياة السياسية مدة 13عاما.
و لاشك أن اختياره تم على أساس أن له تصور خاص لمعالجة القضية الجزائرية وتداعياتها على مختلف الأصعدة،جاء فأعطى لفرنسا دستورا جديد أسس به الجمهورية الخامسة،وأخذ يعالج إرث الجمهورية الرابعة،فجعل من أولوياته إيقاف الدعم الذي أصبحت تلقاه القضية الجزائرية في المحافل الدولية انطلاقا من مؤتمر باندونغ اندونيسيا عام 1955م،وبروز ملامح تنافس المعسكرين الشرقي و الغربي *الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية* حينها في التقرب من قادة الثورة وساستها،فلم تكن سياسته سياسة حرة و تحررية وواقعية كما يرى المدعون ،بل ظل مدة عامين رهين أطروحات المعمرين الحالمين “بجزائر فرنسية”،معتمدا منطق القوة وحده،وما الإصلاح المزعوم الذي أظهره إلا دليل على فشل القوة العسكرية، لكن ذلك لا يعني استسلامه،فقد شرع في تسابق مع الأحداث لاستبدال السيادة في شمال إفريقيا بالشراكة أي أن الحل الذي صار يراه مناسبا للقضية الجزائرية هو منح الجزائر استقلال داخلي على غرار استقلال تونس والمغرب عام 1956م.لكن ذلك بقي محصورا بين جدران القصر الرئاسي ولم يحاول تفعيله ماديا أبدا، بل بالعكس وضع مخططات محكمة لخنق الثورة تمثلت في/.*سياسة المرونة و التهدئة : من خلال إعلان سلم الشجعان- La paix des braves – في 23 أكتوبر 1958م،وفيها حاول أن يحدث الشقاق بين الثوار ويزرع الشك بينهم وعزل الداخل عن الخارج.وموازاة مع ذلك الإسراع بتنفيذ مخططات عسكرية رهيبة منها:
– مشروع قسنطينة المعلن في 03 أكتوبر 1958م الذي يرمي عزل الثورة عن الشعب.
مشروع شال العسكري:شرع في تنفيذه في فيفري 1959 للقضاء على الثورة بواسطة العمليات العسكرية الكبرى نذكر منها:
– ا-عملية المجهر Jumelle ببلاد القبائل.
-اا- عملية الأحجار الكريمة بجبال في الشمال القسنطيني.
-ااا- عملية الشرارة بالحضنة نواحي المسيلة وضواحيه حاليا تطهير 
-vا- عملية عسكرية بجبال الونش ريس و الظهرة
بالإضافة إلى إعطاء الضوء الأخضر للمصليين،وجميع القوات البرية والبحرية المدعومة بقوات الحلف الأطلسي، والسماح لها باستعمال جميع فنون القتل ووسائله والتعذيب والتدمير.
لكن مخططاته باءت بالفشل مرة أخرى وانكسرت أمواج حقده على صدور الإبطال وارادتهم القوية،فلجأ إلى أسلوب الإقناع ووضع أفكار حسب مفهومه لما بعد الاستقلال، أعلنها في 5 سبتمبر 1960م،تحت شعار” الجزائر جزائرية”. ثم أعلن في 16 نوفمبر 1960 أمام مجلس الوزراء الفرنسي عن عزمه علي إجراء استفتاء تقرير المصير في الجزائر.
إن المجال يضيق للحديث عن مجريات الإحداث من 19نوفمبر1960م،إلى 19مارس1962م ،والمهم أنو الشعب الجزائري بقي صامدا كصموده طيلة سنوات الحرب يقاوم شتى أنواع البطش من اعتقالات تعسفية وترحيل وقتل مبرهنا بذلك عن إيمانه بالنصر،واستمرت الثورة متحدية كل أساليب ديغول وجنرالاته في الأرياف والمدن وتواصل الكفاح المسلح إلى بالتوازي مع العمل السياسي، رغم بدء المفاوضات التي كانت تجريها بصفة رسمية مابين 7 و 18 مارس 1962 بمدينة أيفيان السويسرية وتوجت أخيرا بالتوقيع على الاتفاقية يوم 18 مارس 1962م ونصت فيما نصت عليه :استقلال الجزائر. عبر استفتاء شعبي، وكان المجلس الوطني للثورة الجزائرية قد اجتمع يوم 22فيفري1962م ودرس نص مشروع الاتفاقيات ،حيث وافق المجتمعون على مضمونها بالإجماع ما عدا أربعة (4) هم: هواري بومدين – قائد أحمد -علي منجلي – الرائد مختار بوعيزم. وهم محقين كما نتبين بعد.
واتفاقية أيفيان كأي اتفاقية تضمنت على جميع الأصعدة، إيجابيات وسلبيات، بالنسبة للشعب الجزائري، من فمن الايجابيات: 
01 تحقيق وقف إطلاق النار في الجزائر. 
02 الاعتراف الفرنسي باستقلال الجزائر. 
03 تحقيق الوحدة الترابية للجزائر. 
04 المحافظة على وحدة الأمة الجزائرية. 
ومن السلبيات المسجلة: 
-ا- عسكريا 
-بقاء 80 آلف جندي من الجيش الفرنسي في الجزائر مدة 24شهرا. 
-الاحتفاظ بقواعد
عسكرية فرنسية بالجزائر أهمها:” المرسى الكبير, قاعدة بوفاريك , قاعدة رقان” 
ب- اقتصاديا 
-المحافظة على الامتيازات الفرنسية في الجزائر 
-إعطاء الأولوية للشركات الفرنسية لكل المشاريع في الجزائر 
-المحافظة على أملاك المعمرين ومنحهم ضمانات على ذلك. 
ج- سياسيا وثقافيا: 
-ضمان البقاء الفرنسي في الجزائر . 
-لتأكيد على منح المعمرين ألفرنسيين الجنسية الجزائرية 
-التأكيد على التعاون الثقافي وضمان المصالح الثقافية الفرنسية في الجزائر.(أنظر الأصوات التي برزت هذه الأيام)،
 وهي نقاط جاءت وفق الرؤية “الديغولية” ووافقت بعض طموحات قادة الثورة . كما نرى طبعا.
 دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 19* مارس 1962 على الساعة 12 ظهرا.فأعلن بن يوسف بن خده عبر إذاعة تونس عن وقف إطلاق، بعد ان أعطى ديغول الأوامر للقوات الفرنسية،بوقف كل العمليات العسكرية،فكان ذلك اليوم عيد شعب طافح البشر،شكل منظرا فائق الجمال،الأعلام تزين الشرفات،والزغاريد والهتافات تمتزج بدقات الطبول،والأزجال والأناشيد في الميادين تتلـى من نساء وصبية ورجـال، وصلى الجميع شاكرا مؤتي الجزائر اليوم نـصرها ومجلي محتلها الفرنسي المحتـال.
أن احتفالات هذه السنة تجري تجري في ظروف استثنائية، فأغلب المواطنين الجزائريين البسطاء غير قادرين على مجاراة الحياة اليومية في ظل غلاء الأسعار، و غير قادرين على مجاراة التجاوزات القانونية في ظل التسيب و المحسوبية والرشوة و اللا رقابة وغير قادرين على مجاراة الحياة السياسية في ظل استخفاف اشباه الساسة والمسئولين النازلين،حرب التصريحات المتناقضة قائمة، والمخيب للآمال أكثر هو الطريقة الرسمية السطحية في التعاطي مع الواقع المعيش واستمرار ازدياد ثراء الأثرياء على حساب فقر الفقراء،في ظل استفحال الإرهاب الإداري.
ومع انطلاق حملة انتخابات الرئاسية،يقف المروجون لها عاجزين عن اقناع غالبية الشغب بضرورة التصويت لنهم متأكدين انه لو فاز فلان أوعلان فلن يتغير شيئا من الوضع المزري، بل سيزداد هو وعشيرته ثراء على حساب وسيخدم المباني يدل المبادئ لأن الحجر عندهم أفضل من البشر والشجر الشجر،ليس ما نقوله انتقادا فقط بل أن الوضع المزري الذي تعيش الجزائري أخطر مما نقوله أساسا،على الرغم من أن الدولة الجزائرية غنية بشبابها وإيراداتها البترولية بالملايين من الدولارات سنويا ثلاثة أرباع شعبها فقيرا و غير قادر على توفير قوت عياله. وفي اعتقادنا أن عملية إصلاحات جذرية تعيد للمواطن كرامته و عزة نفسه التي داستها الأقدام السوداء المحليين وأبناء الحركى أفيد من أللهت وراء انتخابات شكلية لا محل لها من الحقيقة..
محمد بوكحيل

Exit mobile version