أرشيف - غير مصنف

أسرى فلسطين .. وصفقة شاليط

أسرى فلسطين .. وصفقة شاليط

بقلم : زياد ابوشاويش

تتوالى الأخبار القادمة من تل ابيب والقاهرة وغزة حول قرب انتهاء المفاوضات على صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل والتي بموجبها ستفرج الحركة عن الاسير الاسرائيلي الجندي جلعاد شاليط مقابل 1450 أسير فلسطيني من بينهم 950 ممن ” تلطخت أيديهم بالدم الاسرائيلي ” ومن ذوي الأحكام العالية، وكذلك من النساء والأطفال.

ولفهم أسباب التلكؤ الصهيوني في اتمام الصفقة وفهم إصرار حماس على مطالبها لابد أن نستعرض بشكل سريع قضية الأسر وسوابق التبادل التي أرغمت فيها اسرائيل على تقديم تنازلات ادعت في حينه أنها صعبة ومؤلمة!.

من المعروف أن سلطات الاحتلال الصهيوني اعتقلت ما يزيد عن 800 الف مواطن فلسطيني منذ عام 1967 من بينهم عشرة آلاف امرأة ومثلهم من الاطفال، وهو ما يمثل ربع سكان المناطق المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويقترب من نصف عدد السكان في حزيران من عام 67.

إن سياسة الاعتقال الاسرائيلية عبر الممارسة اليومية تظهر أن الاحتلال لا يستهدف من وراء هذه السياسة مجرد الردع للمقاومة أو إنزال العقوبة بمن يمارس المقاومة سلمياً أو بالعنف بل إن الأمر أبعد من ذلك وهو يشمل بالاضافة لما ذكرناه حول الردع والعقوبة فرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني واجباره على القبول بأي حل يعرضه الاحتلال مهما كانت سماته ومحدداته، كما تستهدف هذه السياسة التعسفية والمخالفة لابسط القوانين وشرعة حقوق الانسان تطفيش السكان الفلسطينيين من الأرض المحتلة وإرغامهم على الهجرة، مضافاً لذلك خلق حالة من الاحباط تؤدي في النهاية لانفضاض الناس عن المقاومة وفصائلها وهو ما تؤكده عمليات التعذيب المنهجية كما الاعدامات غير المباشرة للأسرى حتى بعد إصدار الحكم عليهم، وقد اقترنت سياسة الاعتقال بمختلف أنواعه بممارسات اسرائيلية عنيفة لعقوبات واجراءات تبدأ من اعتقال الأقربين كالاب والأم والاشقاء ولا تنتهي بتدمير المنازل وإبعاد أسر المعتقلين عن مناطق سكناهم بما في ذلك سياسة الابعاد الخارجي  للأسرى لدول عربية مجاورة أو لدول أجنبية كما حدث مع محاصري كنيسة المهد.

النسبة الأكبر من الأسرى على امتداد زمن الاحتلال جرى اعتقالهم بدون أن توجه لهم تهم محددة وهذا يقع تحت اسم الاعتقال الاداري حيث لا قضية ولا قضاء، فقط بالاستناد إلى قانون الانتداب البريطاني الذي تمارسه اسرائيل منذ احتلالها للضفة وغزة عام 1967. وتقوم سلطات الاحتلال باعتقال كل من تشتبه بانتمائه لفصائل المقاومة أو تتصور أنه يمكن أن ينخرط في المقاومة ضد الاحتلال، كما أنها لا تتورع عن اعتقال قادة سياسيين من دعاة السلام لأنهم يتمسكون بالحقوق الوطنية لشعبهم بحدودها الدنيا، وهو ما تفعله باستمرار حتى بعد توقيع اتفاق أوسلو التفريطي.

وفي تاريخ الحركة الاسيرة الفلسطينية في المعتقلات الصهيونية شواهد لنماذج من العمل السياسي والمقاومة يستحق الاشادة والاقتداء، وكذلك في سوابق تبادل الأسرى مع العدو، تلك التجارب التي أرغمت فيها بعض الفصائل الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة – سلطات الاحتلال على القبول بصفقات قالت عنها اسرائيل في حينه أنها موجعة إلى أبعد الحدود.

وفي الماضي القريب أكمل حزب الله صفقة مميزة في هذا المجال عاد بموجبها كل الأسرى اللبنانيين وجثامين عشرات الشهداء إلى أسرهم وبيوتهم مقابل جثتي جنديين إسرائيليين وبعض الأشلاء.

إن ما تدعيه اسرائيل حول رفضها لاطلاق سراح من تقول أن أيديهم ملطخة بدماء الإسرائيليين وتقصد أؤلئك الأبطال ممن قاموا بعمليات فدائية نتج عنها مقتل جنود صهاينة أو مستوطنين هو محض دعاية ليس أكثر، ففي كل التبدلات السابقة قامت اسرائيل مرغمة ونتيجة صمود المفاوض الفلسطيني واللبناني بالإفراج عن هؤلاء المناضلين، وهو ما ستفعله في صفقة التبادل الحالية للإفراج عن الجندي شاليط قبل أن تتولى الحكومة الجديدة مهامها بعد بضعة أيام.

إسرائيل تعتقل كل الشعب الفلسطيني وتحاصره ولذلك فقد كان صائباً للغاية حديث البعض عن مراوغة إسرائيلية وتعنت في غير مكانه للقبول بطلبات حماس والفصائل الآسرة لشاليط فيما يخص الاسماء والعدد، وحيث لا يضيرها وهي التي تعتقل الآلاف أن تفرج عن بضع عشرات أو مئات إضافيين للقائمة التي كانت تقترحها على حماس.

في الأيام القادمة سنرى إتمام العملية (إن لم تبرز عقبات جديدة) والتي بموجبها سيتم الإفراج عن 500 معتقل فلسطيني بمجرد التوقيع على اتفاق التبادل وستفتح نسبة 70% من المعابر، ثم يفرج عن 450 أسير (ممن تعتبر إسرائيل عملية الافراج عنهم مؤلمة) بمجرد وصول شاليط للقاهرة، وبعد استلام اسرائيل لشاليط وعودته لبيته ستفرج اسرائيل عن 500 آخرين من ذوي الاحكام الخفيفة وحيث سيترك لها تحديد الاسماء أو ممن لا خلاف حولهم بين الطرفين .

لقد ماطلت حكومة الاحتلال الحالية طويلاً كعادة كل الحكومات السابقة في هذه الحالات وحاولت استغلال الموضوع في دعايتها الإنتخابية واستخدمت عشرات الطرق والوسائل للضغط على المقاومة لإجبارها على قبول صفقة تبادل بمواصفاتها بما في ذلك العدوان الهمجي على قطاع غزة وقبله بالحصار والتجويع، لكن هذه الوسائل لم تثن المفاوض الفلسطيني عن شروطه وطلباته، وحتى اللحظات الأخيرة لا زالت اسرائيل تحاول عبثاً شطب بعض الاسماء من قائمة الذين تطالب حماس بالافراج عنهم مثل الرفيق أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي وافقت على إطلاق سراحه شريطة مغادرته الأرض المحتلة للخارج، وكذلك بالنسبة لثلاثة من قادة كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، الأمر الذي ترفضه حماس والجبهة الشعبية حتى هذه اللحظة. إن تخويفنا بقدوم حكومة متطرفة من اليمين الصهيوني للضغط من أجل صفقة لا نريدها لن ينجح وسترغم إسرائيل في النهاية على القبول بشروط المقاومة سواء جرى التبادل مع حكومة أولمرت أو حكومة نتنياهو، وهو الدرس الذي تعلمناه من كل عمليات التبادل السابقة.

[email protected]

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى