تمنت أن تستمتع بطفولتها وتعيش حياتها كما يعيشها أترابها، لكنها اصطدمت بواقع مرير داخل بيتها الذي تعيش فيه مع أمها وإخوتها وزوج أمها.. تصورت تلك الطفلة البرازيلية التي لم تتجاوز من العمر 9 سنوات أنها ستجد في زوج أمها حنان أبيها الذي فقدته منذ نعومة أظفارها، لكنها وجدته “ذئبا بشريا” قتل فيها البراءة باغتصابها منذ ثلاث سنوات ثم كرر اعتداءاته بعد أن هددها بذبحها إذا تحدثت لأحد وخاصة أمها.
ظل الأمر سرًا لمدة ثلاث سنوات، وبينما تلعب مع إخوتها في البيت شعرت بألم يكاد يفتك بأحشائها، فأسرعت بها أمها إلى الطبيب الذي أخبرها بأن طفلتها حامل بتوأم في الشهر الرابع.
أصيب الجميع بذهول وبحديثهم مع الفتاة ذات الأعوام التسع، كشفت عن مأساتها وهي تعتصر ألما والدموع تنهمر من عينيها.. قرر الأطباء إجراء عملية إجهاض للفتاة الحامل في توأم بعد موافقة أمها؛ خوفًا على صحتها حيث إنها لن تتحمل استمرار الحمل، وربما ماتت مع توأمها، بحسب ما روته صحيفة “ذا دايلي تليجراف” في عددها الصادر اليوم الثلاثاء.
وحذر الطبيب سرجيو كابرال -مدير المركز الصحي التابع لجامعة ولاية بيرنامبوكو البرازيلية– من أي تأخير في العملية قائلا: “إن حياة الفتاة كانت في خطر، والإجهاض ضروري”. وبالفعل أجريت العملية.
شرعية الإجهاض
هذا ليس مشهدا من قصة سينمائية، وإنما ملامح مأساة لطفلة، تضاعفت بعد أن عاقبت الكنيسة الكاثوليكية الطبيبين اللذين أجريا العملية والأم بـ”الحرمان الكنسي”، لتثير جدلا كاثوليكيا وشعبيا في البرازيل حول شرعية الإجهاض وموقف الدين منه خاصة في الحالات الحرجة.
الشارع البرازيلي أظهر استياء شديدا من قرار الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان، ونقلت الصحيفة البريطانية عن أحد المواطنين قوله: الفاتيكان جُرد من أي مشاعر وأحاسيس، مؤيدا خطوة الطبيبين اللذين أجريا العملية. واتفق عدد من الأساقفة على الاتحاد معًا للوقوف في وجه تنفيذ قرار الحرمان الكنسي المُتخذ ضد الطبيبين والأم.
وما يثير الدهشة –بحسب التليجراف– أن الكنيسة لم تتخذ موقفًا أو حتى مجرد شجب ضد زوج الأم، البالغ من العمر 23 عامًا، المغتصب للفتاة، لكن صحفا برازيلية أفادت بأنه تم اعتقاله على ذمة التحقيق إذ يشتبه أنه قام باغتصاب ابنة ثانية معاقة لزوجته تبلغ من العمر 14 عامًا.
خطأ فاتيكاني
وبدوره انتقد رينو فيستشلي –رئيس الأكاديمية البابوية من أجل الحياة– قرار الكنيسة والفاتيكان بالحرمان للطبيبين والأم معتبرًا أن القرار “غير مبرر.. لقد أخطأ الفاتيكان بانتقاده ما فعله الأطباء، وأخطأ أكثر حينما حرم الأطباء والأم”، مضيفًا: “لقد تسبب الفاتيكان في جدل سينعكس على مصداقية الفاتيكان”.
ورأى أنه كان من الواجب في مثل تلك الظروف أن “يظهر الفاتيكان تعاطفًا ورحمة بحالة الفتاة التي كان يكفيها ما تعرضت له من قتل لبراءتها.. كيف كانت سترعى طفلين في مثل تلك السن لو استمر الحمل للنهاية؟!!”.
وعاد ليكرر: “موافقة الفاتيكان على قرار الكنيسة الكاثوليكية في البرازيل بالحرمان الكنسي للطبيبين والأم أضر بمصداقية تعاليمنا، والتي ينظر إليها البعض الآن على أنها تعاليم خالية من أي رحمة وشفقة بالإنسان”.
كما دافع عن موقف الطبيبين بقوله: “هما لم يقوما بالإجهاض لرغبتهما فيه أو لقتل أرواح بريئة.. لقد قاما به لأن حياة الطفلة كانت في خطر”.
وفي السياق ذاته، انتقد الرئيس البرزيلي لويس لاجناسيو لولا دي سيلفيا، قرار الفاتيكان بقوله: “أنا كمسيحي كاثوليكي آسف لموقف الكنيسة وقرارها، الأطباء فعلوا ما يحتّمه عليهم الواجب باتخاذ إجراءات لإنقاذ الطفلة”.
ويأتي رأي فيستشيلي والرئيس البرازيلي متوافقًا مع آراء عدد من علماء المسلمين الذين يؤيدون الإجهاض في حالات الاغتصاب خاصة تلك التي يترتب عليها ضرر وخطورة على الأم في ضوء ما يعرف بـ”فقه الذرائع”. وأقر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي قبل نحو عام جواز إجهاض المغتصبة في أي وقت، دون التقيد بمدة.
ورأى أن “الإجهاض هنا يندرج تحت مبدأ (الحق) الذي يجيز قتل النفس البشرية؛ وهو استثناء لا يتجاوز حالة المغتصبة إلى غيرها ممن ترتكب جريمة الزنا وتحمل سفاحا، مشترطا أن تكون ضحية الاغتصاب قد بذلت ما تستطيع للدفاع عن نفسها والحيلولة دون أن ينال منها الجاني.
الفاتيكان يرد
وفي المقابل، رأى القس جوفاني باتيستا –ممثل الفاتيكان في أمريكا اللاتينية– أن قرار الفاتيكان “صائب”، معتبرا أن “إجهاض التوأم أمر مؤسف للغاية فقد كان لهما حق في العيش”.
وهاجم باتيستا فيستشلي بسبب تصريحاته المنتقدة للفاتيكان قائلا: “قرار الحرمان الكنسي له ما يبرره تمامًا. الحياة شيء مقدس، ولا بد من الحفاظ عليها وحمايتها ومعاقبة كل من يمسها.. التوأم شخصان بريئان مثل أي شخص له الحق في الحياة”.
ويعتبر الفاتيكان الإجهاض –أيا كان نوعه- من الخطايا السبع العظام التي تُهلك صاحبها وتجعل من يقوم به عرضة لغضب الرب.