زكريا النوايسة
قد تكون العلاقة القصيرة مع “وطن” لا تشفع لي بأن أرسم صورة واضحة عن هذه الصحيفة ، ويعتبر محاولة وضع رأي متوازن ومهنيي من خلال هذه العلاقة المتواضعة تحديا كبيرا،وربما سيجد لي البعض عذرا إن لم أستطع أن أفي هذه الصحيفة حقها التي أرى فيها تنوعا وتعددا لا يخفى على عين القارئ الحصيف.
“وطن” تجديف في تيار لا يعترف بالعواطف ، ولا يضبط ايقاعه إلا العمل الدؤوب ، والنجـاح المضطــرد ،والعزيمـة التـي إنتفت من قاموسهـا مفردات التراجع ،نعم هذه هي “وطن” الصحيفة ، و”وطن” التحدي الكبير الذي فرضته ظروف المهجر وآمال وألام الغربة.
كانت البداية في العلاقة مع “وطن” حين طُرح في إحدى الجلسات الحوارية التحديات التي تواجه وتحد من قيام الصحافة في أوطانها أو تلك المهاجرة بدورها بتعرية الواقع للوقوف على الحقائق كما هي لا كما يُراد لها أن تكون ، فتشعب الحديث ، وكان ما كان من تجاذبات عن قدرة وقوة الصحافة الوطنية أم المهجرية فانحاز فريق لهذا وآخر لذاك ، وقد آثــرت أن أقف فريقا لوحـدي فقلت في محاورتــي : الصحافة هي الصحافة لا تحدها جغرافيا ولا يربك سيرها رتابة زمن ويجب أن تسمو فوق حدود الركون للرغبة إلى آفاق الحقيقة المجردة ، وعلينا أن نعي أن التحدي الأكبر هو كيف الوصول إلى ( عقلنة ) هذه المسارات لنجعلها في اتجاهات نضمن في النهاية أن تُؤشر بوصلاتها على أهداف أولها كشف الحقيقة إلى أن نصل إلى مرحلة نبدأ فيها بالتأثير وصولا إلى التغيير المرجو.
وقد تحدثت عن قدرة الصحافة في خارج أوطانها على تناول وطرح الكثير من القضايا السياسية والفكرية بحرية لا تجرؤ عليها صحافتنا المُدجنة ، وهنا دار حديث عن الصحافة الأليفة الوادعة التي تستأذن قبل أن تكتب ، وتلك التي لا تكتب بل يُكتب عنهـا وليس لها من دور إلا أن تجلس في مقعدها كصبـي مهذب فـي أول أيـام دراسته ، وبين صحافة تلمح فيها جموح فرس عصية على القيد ، ولا يرضيها أن ترتاض في حقلها مرتيـن ، فالدنيــا في نظرها لا إعتيـاد فيهــا فهي من جديد إلى جديد ، ومن هنا كانت العلاقة مع “وطن” حين طرح أحدهم أسماء عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية التي تصدر في المهجر ، فأصابني فضول كبير للوقوف على ما تطرحه هذه الصحيفة ، وهل ما تقدمه يمكن أن يسهم في فتح نافذة حقيقية على المعلومة الموثوقة التي هي ضالة القارئ والكاتب في الآن نفسه.
إن مرور سبعة عشر عاما على صحيفة مهجرية وهي تقف ثابتة وتقدم نفسها دون الدخول في حالة من العماء الفكري والإنحناء الصحفي الذي تمارسه الكثير من الصحف المفلسة فكريا ومهنيا ، إن هذا يُعد مؤشرا على أن هذه الصحيفة أصبح جذرها قويا وثمارها لا تخطئها العين .
وحتى تكتمل الصورة الجميـلة ، لا بــد من الحديث في واقع هذه الصحيفــة المهني ، وأنا هنا سأكون ناصحا ومقترحا ،وباقتراحين ارتأيت ومن باب الأمانة طرحهما أمام الزملاء في “وطن” :
الاقتراح الأول : أن تتضمن الصحيفة محورا شهريا يناقش فيه قضية استراتيجية عربية أو عالمية وبالذات منها التي لها مساس بالواقع العربي وتأثيراتها عليه ، على أن يتم الطلب من الكتــاب أن تكون مقالاتــهم فـي هذا اليــوم ضمن إطـار هذه القضية ، وأتمنى إن وجد اقتراحي هذا قبولا ، أن يكون المحور الأول ( إيران وعلاقتها مع العرب ” المشتركات والمفترقات” ).
الاقتراح الثاني : أن يكون هناك كتابـا نصف سنــوي أو سنــوي يصــدر تحت اسـم ( كتاب وطن ) يُضمن أهم الدراسات والمقالات والنصوص التي نُشرت في الصحيفة .
ولأنها “وطن” التي أشعلت في الروح جذوة الكتابة من جديد ، ولأنها من أعاد للنفس بعض الأمل بأن الورد جيده ليس بالضرورة أن يكون في حديقتك ، ولكن يكفيك أن تستشعر عبيره ولو عن بعد ، ولأنها كل هذا أكتب اليوم عن “وطن” وأنا اتأرجح على عتبة الخمسين وما زلت أبحث عن وطن.