حارث الضاري، شيخ جهاد وإمام وطنية.. بقلم: علي الصراف
ألقى 13 فصيلا من فصائل المقاومة عبء تمثيلها والتحدث بإسمها على الشيخ حارث الضاري.
وأي ضاري. انه شيخ جهاد وإمام وطنية. وهو علمُ قيم وأخلاق ومبادئ. موقفه الوطني المناهض للإحتلال، ولعملاء الاحتلال، صار صراطا لا تستقيم المسالك الوطنية إلا عليه. واليوم إذ يتكلف بمهمة تمثيل تلك الفصائل المجاهدة في العراق، فالمرء يكاد يعرف مسبقا أن مهمته الأولى فيها هي جمع المقاومة الوطنية كلها تحت راية الوحدة. فهذا الرجل لا يمكنه أن يكون فصيلا. ولا يمكنه أن يمثل شطرا، ولا يمكنه إلا أن يجسد وحدة الوطنيين العراقيين من كل الفئات ومن جميع الطوائف.
نعم، هو رئيس لهيئة علماء المسلمين، بكل ما يعنيه ذلك. ولكنه بوطنيته النقية صار حجة من حجج كل طائفة في العراق ضد الطائفية.
لن يمكن أن تسمع منه كلمة واحدة تشعر منها تفضيلا أو تمييزا لطائفة في العراق على أخرى. وطنيته هي القوام الذي يلف حوله ما يمثله كرجل دين. والعراق في ناظريه هو الأول. إقرأ دفاعاته عن المسيحيين والصابئة واليزيديين، فضلا عن التآخي بين الشيعة والسنة، وستعرف أن العراق هو خيمة هذا الرجل، ووحدته الوطنية هي ظله الوارف.
شرف لفصائل المقاومة أن تجد فيه صوتا وممثلا. وشرف للوطنية أن يكون الضاري إمامها. فهو واحد من قلائل رجال الدين العراقيين الذين يمثلون سؤدد التساوي، ومجد التلاحم الوطني، حتى ليجوز أن يصلي وراءه المسلم والمسيحي، الشيعي والسني، والعربي والكردي، والصابئي واليزيدي، من دون أن يخسر أحد شيئا من مذهبه أو دينه.
ويوما ما، سيلمنا هذا الضاري في ساحة عامة لنصلي بكل الصلوات، وبكل الكتب، وبكل المذاهب، خلفه. وليجعلنا نقبل جبينه محبةً وامتنانا لأب وشيخ تعالى على الجراح ليجلو معدن العراقيين ويكشف طينهم الحر.
وهو سيد المقاومة الأحق التي أطاحت بالامبريالية الاميركية من عليائها. وهو شيخ الوطنية التي لن تقوم بعدها لمشاريع الغزو قائمة. وها هي الولايات المتحدة ترزح تحت عبء الأزمة المالية الطاحن. وكبرى شركاتها تشهر الإفلاس. وكبرى مصارفها تنهار. وكبرى مصانعها تغلق أبوابها.
والإفلاس هو ما صنعه ذلك المقاوم الباسل، تحت راية جهاد لم تهدأ ولم تنم ولم تناور.
وهو سيد المقاومة الأصدق التي جعلت من خسائر الأميركيين تبلغ بهم حد الجنون والهستيريا، حتى صاروا يقتلون بها بعضهم بعضا.
وها هم يدفعون فوق الثمن المادي ثمنا من وجودهم كقوة غطرسة دولية. وبرغم كل وحشية جرائمهم، فما يزال أمامهم أن يروا الهزيمة تنتظرهم في كل منعطف وزاوية وشارع.
فقبل أن يكون لدينا هذا الحارث الضاري، كان لدينا على ساحة الحق مليون ضاري. وكلهم جاءوا من مدرسة الوطنية ذاتها، سنة وشيعة، مسيحيين ومسلمين. وكلهم، من اجل العراق، ضاري، وابن ضاري.
وهو إمامنا في الصلاة وفي التعالي.
ولدينا منه ما يكفي لنجعل من العراق أولنا وآخرهم.
ومثلما هتف عراقيو الوطنية الأولى لجده: “هز لندن ضاري وبجّاها” (أبكاها)، سيهتف عراقيو جيلها الثاني: “هز واشنطن ضاري وبجّاها”.
× × ×
وأي ضاري.
لم يكن الدكتور حارث الضاري قبل غزو العراق إلا رجل علم ودين. وسوى نسبه الوطني الرفيع الذي يجعل منه علما من أعلام هذا البلد، فان الشيخ الضاري ما كان ليتصور، انه سيجد نفسه في قلب معترك نضالي سيؤدى به إلى قيادة مؤسسة جهادية لعلماء المسلمين، تتحول إلى ركيزة اجتماعية من ركائز المقاومة ضد الاحتلال ومليشيات عملائه.
طبيعته السمحة، ومُحتدة النبيل، وشخصيته العلمية، ومكانته الدينية جعلت منه رجلا يزن كلماته بأدق مما يمكن لأي ميزان أن يفعل، وبفضل ذلك كله، ظهر كواحد من بين أبرز الشخصيات الوطنية التي تمثل اجتماع العراقيين ووحدتهم، كما تمثل أفضل تطلعاتهم الوطنية في النضال من اجل الحرية والاستقلال.
فلئن تعددت بين العراقيين الطوائف، فانه كان رجل وحدة وطنية، بشهادة أحرار وأشراف من مختلف الطوائف والأقليات. فدافع عن الشيعة والمسيحيين والآشوريين والكلدان والأيزيديين والصائبة والأكراد لأنهم، بتعدديتهم، يمثلون ملح العراق وتكوينه الأصيل، ولأن العراق عراقهم، وبرغم انه يترأس أعلى هيئة شرعية لسنة العراق، إلا أن الوطنية الجامعة ظلت في نظره هي البوتقة التي تنصهر فيها التمايزات، وهي الفاصل بين الحق الوطني والباطل الطائفي.
ولئن تعددت فصائل المقاومة ضد الاحتلال، فإنه كان صوتاً بارزاً لوحدتها وتضامنها، وحيثما كانت تظهر شروخ واختلافات، وأحيانا صدامات “متوقعة وطبيعية” بين هذه الفصائل، فقد كان الشيخ الضاري في مقدمة الساعين لرأب الصدوع وتآلف القلوب ووحدة البنادق، وظل حاديه هو نفسه صراطه المستقيم، فالاحتلال هو العدو، وصوبه وحده يجب أن تتوجه كل البنادق، فإذا كان الاحتلال يستعين ويحتمي بعملاء وأتباع وصنائع، فهؤلاء سيهربون عندما يهرب سيدهم، وهم حتى وإن بدوا أكثر شراسة منه اليوم، فذلك لأنهم عبيد، والعبد، إذا بطش، فأنه يبطش أكثر من سيّده عادة.
ولئن احتل الشيخ الضاري مكانته بين فصائل المقاومة كشيخ من كبار شيوخ الجهاد، فلأنه ابن تاريخ وإرث وطني يمثل بالنسبة لجميع العراقيين مصدر فخر وشموخ، فهو حفيد الشيخ ضاري المحمود أحد كبار قادة “ثورة العشرين” (1920) التي سطرت أولى الملاحم الوطنية ضد الغزاة الإنجليز، وزعزعت عروش نفوذهم في العراق حتى تحرر كليا من ربقة الاستعمار في ثورة يوليو-تموز عام 1958.
ويتزعم الدكتور حارث سليمان الضاري عشائر زوبع وهي فخذ من قبائل شمر في العراق.
التحق الضاري بجامعة الأزهر عام 1963، حيث حصل على شهادة الليسانس العالية بكلية أصول الدين والحديث والتفسير، ثم دخل الدراسات العليا وحصل على شهادة الماجستير في التفسير عام 1969، وبعدها أخذ من شعبة الحديث شهادة الماجستير عام 1971، وبعد ذلك أعد رسالة الدكتوراه في الحديث وحصل عليها من الأزهر عام 1978.
بعدها عاد إلى العراق وعمل في الأوقاف مفتشاً، ثم بعد ذلك نُقل إلى جامعة بغداد بوظائف عديدة، مُعيدا ثم مدرسا وأستاذا مساعدا ثم أستاذا.
وقضى الشيخ الضاري في التعليم الجامعي أكثر من 32 عاماً، وفضلا عن الجامعات العراقية، فأنه عمل في عدة جامعات عربية، مثل جامعة اليرموك في الأردن وجامعة عجمان في الإمارات المتحدة، وكلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي.
عاد إلى العراق بعد أشهر من بدء الاحتلال (1-7-2003)، لأنه كان يؤمن أن مكانه هناك بين الأحرار والمناضلين. وأسهم مع مجموعة من علماء العراق في تأسيس”هيئة علماء المسلمين في العراق” التي كان من بين أهدافها تسيير أمور أهل السنّة بالعراق كالحفاظ على المساجد والعناية بشؤونها، والحفاظ على أموال الأوقاف، والإشراف على المدارس، وعلى المؤسسات ذات النفع العام.
وقد اختارته الهيئة التأسيسية لأهل السنة والجماعة في 25 كانون الأول-ديسمبر 2003 رئيسا لها، ليكون في طليعة المناضلين من أجل حرية العراق ووحدته وسيادته واستقلاله.
أما “ملحمة ثورة العشرين”، فقد اندلعت إثر مواجهة بين الشيخ الضاري المحمود وبين أحد كبار ضباط الاحتلال هو الكولونيل لجمان، فلما كان الضابط تجاوز حدوده، وجه الشيخ الضاري المحمود له ضربة سيف أطاحت بعنقه.
وتقول القصة، أن الكولونيل لجمان كان أحد دهاقنة الاستعمار البريطاني للعراق، وأحد رهط الجواسيس الانكليز الأوائل، وجاب المستعمرات البريطانية من جنوب أفريقيا إلى الهند فالخليج العربي والقدس وفلسطين وبيروت ودمشق والقاهرة وصيدا ودير الزور وشمال العراق والأناضول، وكتب مشاهداته في تقارير رسمية إلى مكتب الاستخبارات في قيادة الجيش، حتى أصبح في البصرة معاوناً “للسير بيرسي كوكس”، مختصاً في الاستخبارات، وشارك في كل المعارك بين القوات البريطانية والجيش التركي بدءاً من البصرة صعودا إلى الموصل.
بعد الحرب، اختاروه ليكون المسؤول السياسي عن البادية الغربية لتنفيذ الانتقام من شيخ زوبع، ضاري المحمود، فعقد في الرمادي اجتماعاً لوجهاء وشيوخ المنطقة محاولاً العزف على وتر الطائفية، فانبرى له الشيخ ضاري الذي شجب الطائفية، مؤكدا الروح الوطنية الجامعة لكل العراقيين.
اضطر الشيخ في 12 آب-أغسطس 1920 لقبول دعوة العقيد لجمان للاجتماع به منفرداً، بعد أن اعتذر الشيخ عدة مرات سابقة عن المجيء، فوصل إلى “خان النقطة”، مقر لجمان، وبصحبته أولاده الثلاثة “سليمان- والد الشيخ حارث- وخميس وصُليبي” وعدد من رجال عشيرة زوبع “شمر”، لكن لجمان بدأ الاجتماع بالشتائم والاتهامات وتوجيه الإهانة، والتهديد بالقتل إن لم يغير الشيخ ضاري موقفه المناهض للاحتلال البريطاني، وخرج الشيخ ليبلغ رجاله بما جرى، وقال لهم أن لجمان تجاوز كل الحدود، أطلق ابنه الكبير سليمان، ومعه اثنان، النار على العقيد لجمان، فأصابوه بإصابات بالغة، وأجهز الشيخ ضاري المحمود عليه بضربة سيف.
ومع اندلاع المواجهات بين عشائر زوبع وقوات الاحتلال البريطاني، فقد انتشرت شرارة المقاومة مثل النار في الهشيم حتى عمت معظم مناطق العراق، وبفضلها صار العراقيون يرددون أهزوجة شعبية تقول “هز لندن ضاري، وبجاها”، (أن ضاري قد هز لندن وأبكاها).
وفى حين كان البريطانيون يستخدمون المدافع لقمع الانتفاضة، فأن المنتفضين كانوا يستعملون في مواجهة جنود الاحتلال أسلحتهم الفردية ومنها ما يسمى بـ(المكوار) (عصا غليظة في رأسها كتلة من القار) ومنها انتشرت الأهزوجة القائلة: “الطوب أحسن، لو مكواري”، (هل أن المدفع أفضل، أم المكوار؟).
وكانت القوات البريطانية دكت قلعة الشيخ الضاري انتقاماً لمقتل لجمان، وقطعت الماء عن أراضيه، وكانت الهجمة العسكرية أكبر من قدرة رجال زوبع، فأرتحل الشيخ مع رجاله إلى أراضى أولاد العمومة في الجزيرة، قرب الموصل، وجبل سنجار شمال العراق، ورفض “السير بيرسي كوكس”، المندوب السامي البريطاني، شمول الشيخ وأولاده ورجاله بقرار العفو الذي أصدره في 30 أيار-مايو 1921 بعد “ثورة العشرين”، وخصص مكافأة مالية لمن يأتي به حيا أو ميتاً!
واحتمى ضاري المحمود بالبادية، وفي عام 1927، وبعد أن أصبح شيخاً ابن الثمانين عاماً، ومريضاً، اضطر للبحث عن العلاج في حلب السورية، وخانه سائق سيارة الأجرة، وكان وحيداً وبدون سلاح ومريضاً، فنقله إلى مخفر سنجار، وتمكن الانكليز من إلقاء القبض عليه، وأخذوه مخفوراً إلى بغداد وأودعوه السجن بعد أن قرروا الحكم عليه بالإعدام، لكن الحكم خفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وتوفي في السجن في الأول من شباط-فبراير عام 1928، وأقيمت له جنازة شعبية حاشدة عبرت من الرصافة إلى الكرخ ببغداد، ووري الثرى، والمشيعون ينشدون أهازيج منها: “هز لندن ضاري وبجاها”، و”منصورة يا ثورة ضاري”.
وكان من عظيم الشرف للحفيد حارث أن يجد نفسه، هو الآخر، مُلاحقا من قبل حكومة عملاء الاحتلال ومأجوريه من قادة “فرق الموت” والمليشيات الطائفية التي لوثت يديها بدماء مئات الآلاف من الأبرياء وكانت وراء حملة لحرق وهدم مساجد أهل السنة، تحت شعارات طائفية قميئة.
ويطالب الشيخ حارث الضاري برحيل قوات الاحتلال من دون قيد أو شرط، وترك العراق لأهله ليقرروا مصيرهم بأنفسهم.
ويلخص الضاري دور “هيئة علماء أهل السنة في العراق” في السعي لكشف الحقائق والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال والمليشيات التي تستظل بظلها، ومد يد العون للضحايا، ووأد أعمال ومشاريع الفتنة الطائفية التي يحاول الاحتلال وعملاؤه زرعها بين العراقيين على تلك القاعدة المألوفة: “فرق تسد”، وتقديم المساندة المعنوية للمناضلين والمجاهدين ضد الاحتلال.
لقد دفعت الأقدار برجل العلم والدين هذا ليكون مجاهدا بين كبار المجاهدين من أجل وحدة العراق وحريته، ومقاوما في طليعة المقاومين ضد الغزاة، وكان من حق التاريخ عليه أن يفعل، وكان من واجبه أن يستجيب، إنما ليكون صوت الحرية، حيث يسود الاستعباد، وليكون صوت الحق حيث يتفشى الظلم، وليكون علما من أعلام الوحدة الوطنية حيث تشرئب الفتنة.
واليوم، إذ يجسد الشيخ الضاري صوت الضمير الوطني الجامع، فأنه يحمل بين نبراته كل تبعات معاناة العراقيين وأوجاعهم، ولكن في الوقت نفسه صلابتهم وتمسكهم بالثوابت التحررية وعزمهم على مواصلة النضال حتى زوال الاحتلال وكل مظهر من مظاهره.




