أرشيف - غير مصنف

سحر الكلمات لا يغني عن الأفعال (ج1) قراءة في خطاب اوباما

سحر الكلمات لا يغني عن الأفعال

قراءة في خطاب أوباما (ج1 )

بقلم : زياد ابوشاويش

عشية وصوله لمنطقة الشرق الأوسط وفي رده على توقعات مفاعيل خطابه المرتقب للعالم الإسلامي في القاهرة قال السيد باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن على الجميع عدم المبالغة في تصور نتائج الخطاب، أو أن خطاباً واحداً يكفي لمعالجة قضايا المنطقة، وغداة مغادرته مصر إلى ألمانيا وفي مؤتمره الصحفي مع السيدة ميركل رئيسة وزراء ألمانيا الاتحادية قال الرئيس الأمريكي أننا لا نستطيع فرض السلام على أطراف النزاع ولا ننوي فعل ذلك.

بتمهيده الذكي قبل الخطاب وتعقيبه الواقعي بعد الخطاب على ردود فعل الجمهور العربي والمسلم واستفسارات الصحفيين وضع باراك حسين أوباما الأسس الصحيحة للتعاطي مع هذا الخطاب وأعاد الأمور إلى نصابها الصحيح في معالجة جملة الأفكار والطروحات التي قدمها الرجل وأنزلها من عليائها المصطنع ليضعها على أرض الحسابات الدقيقة لمصالح وظروف الدول والأطراف المعنية بما تقدم به وهو بهذا يريد بطريقة حاذقة التبرؤ من أي خيبة أمل ستنتج لاحقاً جراء عدم قدرة إدارته على تنفيذ الوعود أو تمثل القيم التي نادى بها وأكد عليها في خطابه الجميل والمثير.

وقبل أن نبدأ في استعراض الخطاب ونصل لاستنتاجات يمكن البناء عليها في تصور ما هو قادم خصوصاً ما يتعلق بالخطوات العملية التي يمكن أن تأخذها إدارة السيد أوباما للتعامل مع أزمة الشرق الأوسط استناداً للخطاب المذكور لابد أن ننبه إلى مسألة مهمة للغاية ترتبط بما يمكن التعويل عليه في رسم سيساسات الدول وبرامجها، وهي التي تقول بأن الأمم والشعوب لا تعتمد في رسم مستقبلها وبرامجها على العوامل الخارجية أو ردود أفعال وأقوال ومواقف الآخرين، بل ترسم هذا المستقبل وهذه البرامج استناداً لمصالحها أولاً وقدراتها وامكانياتها ثانياً وعاشراً ومن ثم يمكن حساب العوامل الخارجية، ومن هنا نرى أن موضوع الخطاب الذي يشغل اليوم حيزاً كبيراً جداً من اهتمام الشارع العربي وزعماء العالمين العربي والإسلامي يجب أن يتم وضعه في الإطار الموضوعي والواقعي الذي وضعه صاحبه فيه عشية وغداة إلقائه في جامعة القاهرة بمصر العربية.

لن نستيقظ غداً فنجد أن إسرائيل قد اختفت…العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل غير قابلة للكسر…من ينكر المحرقة فهو أحمق أو مختل عقلياً…على الفلسطينيين توفير مناخ مناسب من الأمن لدولة إسرائيل…الفلسطينيون يجب أن يقدموا على تنازلات مؤلمة من أجل السلام…العنف واستخدام القوة للحصول على الحقوق وتحقيق الأهداف لن يجدي وعلى الفلسطينيين فهم ذلك جيداً…سنعمل من أجل انجاح حل الدولتين وخارطة الطريق وهو يمثل قناعتنا لعلاج المشكلة بين الفلسطينيين والاسرائيليين…لتعلم إسرائيل أنها لابد أن تقدم تنازلات مؤلمة من أجل السلام…على إسرائيل أن توقف بناء المستوطنات حالاً وبدون تأخير…على العرب والمسلمين تقديم مبادرات إيجابية تجاه إسرائيل بما في ذلك تطوير المبادرة العربية للحل الشامل…السلام والحل في المنطقة مصلحة إسرائيلية وعربية وأمريكية…أمريكا ليست عدواً للإسلام ونعتقد أن الإسلام دين حضارة وقدم للبشرية الكثير…يجب أن ينتهي التطرف والمغالاة في النظرة لباقي المعتقدات ولا نؤمن بصراع الحضارات بل تكاملها ولا تفريق بين الأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية…العنف المتولد عن التطرف الديني والكراهية يجب أن يحارب من الجميع ولن تتسامح أمريكا مع الذين يهددون شعبها وأمنها…من حق إيران الحصول على الطاقة النووية السلمية ولكن تحت إشراف المجتمع الدولي ووكالة الطاقة الذرية وتلتزم باتفاقية منع انتشار السلاح النووي ولن نسمح لها بامتلاكه تحت أي ظرف وسنعالج الملف النووي الإيراني بالحوار…حماس تحظى بشرعية ملحوظة في أوساط الشعب الفلسطيني لذلك عليها نبذ العنف والمشاركة في العملية السلمية بعد أن تعترف بدولة إسرائيل…ذهبنا لاحتلال العراق بإرادتنا ومبادرتنا ورغم اختلاف وجهات نظر الأمريكيين حول هذه القضية إلا أننا نرى أن وضع العراق اليوم أفضل من زمن صدام حسين وسوف نسحب قواتنا كلياً في نهاية العام 2012 وحيث سنكمل الانسحاب من المدن بنهاية شهر أغسطس(آب) القادم…حقوق الانسان وتحقيق شروط أفضل لحياة الناس يجب أن تحظى بالأولوية في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وأمريكا تسعى لهذا الهدف سواء في أفغانستان أو العراق اللتين تحتلهما أو أي مكان من العالم وهي لهذا تقدم مليارات الدولارات وتستثمرها هناك…الديمقراطية وحرية الناس في اختيار طرق عيشهم ومعتقداتهم يجب أن تكون القاعدة التي تقوم عليها الدول والحكومات ويجب أن تشمل هذه الحرية المسيحيين في لبنان والاقباط في مصر ولا يحجر على الناس في ممارسة شعائرهم، ونحن في أمريكا لدينا 1200 مسجد ولا نحجر على النساء المسلمات أو نفرض عليهن خلع الحجاب ولا نقبل ذلك في أي مكان آخر بما في ذلك أوروبا…حرية المرأة وتمكينها من المشاركة الفاعلة في المجتمع والحياة السياسية والاقتصادية وكل انواع العمل طريق لابد من سلوكه للوصول لمستويات إنسانية وحضارية متقدمة.

هذه على وجه الدقة أفكار وطروحات السيد أوباما في خطابه الذي استمعنا له وصفق له الحضور في قاعة جامعة القاهرة ومعهم الكثير من العرب والمسلمين، وقد آثرنا تقديم تلك الطروحات بدون أي رتوش أو محسنات بديعية استخدمها الرجل بكل اقتدار، حين سمعناه يقرن تلك الأفكار بآيات بينات من القرآن الكريم ومن السيرة المحمدية، كما قدم ببراعة منقطعة النظير لبعض المسائل الجوهرية في الخطاب كوجهته لحل الصراع العربي الصهيوني وخاصة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ومثل تطرقه للإسلام وقدرته على التسامح ونبذ العنف والميل للسلام وكان أمراً حاذقاً أن يستشهد بالآية التي تعني أن من قتل نفساً بغير حق كأنه قتل الناس جميعاً ومن أحياها كمن أحيا الناس جميعاً. كما كان موفقاً في تقديم نفسه نموذجاً للنجاح في بلده أمريكا التي تعطي فرصاً متكافئة ويجد فيها المرء ضالته لتحقيق طموحه وأحلامه.

إن فصاحة الرجل وقدرته على اجتذاب الناس واضحة بشكل مدهش في هذا الخطاب ومن هنا بنى بعض المتفائلين موقفهم المؤيد كلياً للخطاب، كما أن تاريخ أمريكا وانحيازها الظالم لإسرائيل وكلمات أوباما حول التحالف الإستراتيجي معها قد جعل بعض المتشائمين يبنون موقفاً رافضاً بالمطلق للخطاب ومتشككين في صدقية قائله. إن نظرة متفحصة لهذا الخطاب وممارسات الإدارة الأمريكية الديمقراطية تحت قيادة أوباما يمكنها وحدها أن توصلنا لقراءة صحيحة ومنطقية لهذا الخطاب وتوصلنا لتصورات أقرب ما يكون للواقع.

سنبدأ بالرئيسي في الخطاب مقارنة بالممارسة التي لا تغني الكلمات بدونها

أولاً / الحقوق الفلسطينية والصراع مع إسرائيل

يتحدث الرئيس الأمريكي عن معاناة الشعب الفلسطيني واللجوء والعيش في المخيمات وغير ذلك من الظروف الصعبة والمعقدة التي يحياها في غزة والضفة ويقول أنه حان الوقت لتغيير هذا الواقع المؤلم وأنه يجب وضع حد لمعاناة امتدت لستين عاماً وقد سمعنا كلاماً طيباً وعاطفياً من الرجل يحمل معاني مؤثرة وتعاطفاً مشهوداً لا يمكن إنكاره مع مأساة الفلسطينيين وأكد في خطابه لدعم هذا الموقف الإنساني من الفلسطينيين على حقهم في دولة مستقلة على أساس خارطة الطريق. وفي مقابل ذلك ولإظهار الوجه الآخر من الحقيقة حول موقف الإدارة الأمريكية وما يمكن ان تقدمه لنا حتى لا نغرق في الأوهام أو تاخذنا الأحلام لأماكن لا عودة منها سوى بالمرارة والندم نعيد تذكير انفسنا وجماهيرنا بالتالي.

يتبع

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى