رحلة عذاب

0

قد يتبادر للاذهان عندما نتكلم عن المواطن الفلسطيني، انه مواطن كأي مواطن أخر يتمتع بحقوق المواطنة الكاملة في دولته وعلى تراب وطنه، لكن الحقيقة ليست كذلك فمنذ الاحتلال فلسطين بما يُسمى “النكبه” وكذلك ما يسمى “النكسه” وما تبعهما من تهجير قسري ومنافي لأصحاب الارض، والمواطن الفلسطيني يعاني برحلة عذاب لازالت مستمرة ولا بوادر قريبة لانتهائها ، لا شك ان هناك معاناة شديدة على الجميع لكن تلك المعاناة تختلف بنسب متفاوتة، فبالرغم من عذابات الفلسطيني بشكل عام بسبب حرمانه من أرضة التي وُلد وعاش وتربى في أحضانها وتركها مرغماً للعيش في اماكن لم يكن يتصور يوماً ان يعيش فيها الا انه استقر فيها وتوفرت له نوعاً ما ظروف العيش وأيضاً بنسب متفاوته حسب سياسة الدولة التي وجد نفسه فيها، وبرغم من كل الصعوبات التي نعرفها الا ان هناك معاناة خفيه يعانيها الفلسطيني المنتسب لقطاع غزه أو يُعتبرون من أبناء غزه كثير منا لا يعرفها ، تلك المعاناة فصولها أشد وأقسى.

ربما سمعنا جميعاً بمأساة بعض الفلسطينيين الذين كثيراً ما تمنعهم دولنا “العربيه” من الدخول الى اراضيها بحجة عدم وجود إقامة تسمح لهم بالدخول، ودائماً تنقل وسائل الاعلام عن مأساة فلسطيني أما ممنوع من السفر لعدم وجود جواز سفر أو ممنوع من الإقامة لأن وضعه غير قانوني مما يفرض عليه أن يتشتت وعائلته على ابواب العواصم العربيه التي ترفضه باعتباره فلسطيني لا يحمل تصريح يخوله الاقامة فيها ، عربي مسلم يفقد وطنه رغماً عنه لا يدخل لأي دولة عربية حتى من أجل العلاج أو لدواعي انسانيه في حين يمكن لأي عربي ان يدخل وربما بسهوله أي دولة اجنبية كلاجيء سياسي باعتباره هارب من ظلم دولته- تلك الدول التي ومنذ خلقنا أرهقتنا بمقولة الوطن العربي والأخوة العربية وكثير من تلك الشعارات الفارغة من أي معنى ، وكأن الفلسطيني ورم سرطاني خبيث يجب اجتثاثه والتخلص منه، ولا يعتبر انسان له حق في الحياة والعمل والدراسة في وطنه الكبير، انسان يعاني القهر والظلم فقد ارضه ووطنه وتشرّد في المنافي، دولنا تلك تتعامل بطريقة مجحفة ظالمة مع أناس ممنوعين من العودة الى وطنهم وبنفس الوقت ممنوعين من دخول اراضيها، أُغلقت أمامهم كل الحدود والمعابر ولم تعد تسعهم أرض أو سماء، يتنقلون في أرض الله الواسعة لمكان يأويهم ولا يجدون، يبيتون في المطارات، يُحجزون على المعابر، يُطاردون أينما ذهبوا، يستقر بعضهم في دولة والبعض الاخر في دولة أخرى – هذا ان كانوا من المحظوظين- ، أي مصير هذا الذي فرضته أمتنا على ابنائها، اولئك الذين شردتهم أمتهم يجوبون الدنيا باحثين عن الاستقرار كباقي خلق الله في هذه الدنيا ولا يجدوه.

كثيراً ما نلوم المحتل والاجنبي عما يفعله بنا وننسى كيف تتعامل نحن مع بعضنا البعض بمنتهى الظلم والقسوة، حدود كالسياج ومعابر مغلقه ان سُمح بدخول احدى الدول فإنما يكون كالغرباء– ليس كالاجنبي المعزز المكرم- وانما كعربي مرفوض بحقوق منقوصه ، وتزداد المعاناة لدى أولئك الذين يُطلق عليهم “حملة الوثائق”، هوية مؤقته لها تعليماتها خاصه تختلف من بلد لآخر ففي سوريا مثلاً لا فرق بين الفلسطيني والسوري من حيث الحقوق والواجبات ولا يحتاج الفلسطيني من حملة الوثيقة لتصريح إقامة للبقاء في سوريا وكذلك الأمر في العراق سابقاً، أما في لبنان مثلاً لازال لا يُعترف بالفلسطيني وممنوع عليه العمل في الكثير من المهن ويضيّق عليه كثيراً حتى انه من الصعب عليه البناء، وفي مصر يحتاج الفلسطيني الذي يحمل وثيقة سفر لبطاقة إقامة يتم تجديدها بشكل دائم، في الاردن يختلف الأمر فهناك اللاجئون منذ العام 1948، يحملون الجنسية الاردنيه ويتمتعون بكامل الحقوق الدستوريه والقانونيه، وأبناء قطاع غزه الذين يحملون جواز سفر مؤقت لمدة سنتين ولهم تعامل خاص مختلف. ان من ابسط حقوق الانسان أن يحظى بالاستقرار والعمل والتعليم والحياة الاعتيادية ومن العار على أمة يعاني ابناؤها، حرمان من الدخول لأي بلد، حرمان من الاستقرار، حرمان من التعليم، حرمان من العمل، حرمان من السفر، تحت ذريعة “لئلا ينسى” كما هي الموضه الدارجه في لبنان باعتبار أن الفلسطيني هناك أذا عاش كباقي خلق الله سينسى وطنه وسيلقي من يده مفتاح عودته لذلك هم يضيّقون عليه كل سبل العيش حتى لا ينسى، هذا الواقع موجود وملموس يعاني منه جزء كبير جداً من ابناء شعبنا، معاناتهم مغيّبة قلّما تتناولها وسائل اعلامنا لأنها تثير الكثر من الحساسيات لدى الدول العربية.

يجب على دولنا أن تعيد سياساتها بتعاملها مع من تسميهم “حملة الوثائق”، هم فلسطينيون لم يتركوا ارضهم للسفر من أجل السياحه، هم هُجروا عن ارضهم مرغمين، تركوا بيوتهم وسكنوا الخيم في المنافي ، عاشوا في أسوأ الظروف، تحملوا قسوة الحياة ومرارتها، تجرعوا الألم من أجل البقاء، هذه هي القضية ويجب أن يُنظر اليها على انها قضية شعب وطنه مُحتل، يُناضل حتى وهو خارجها لتحريرها والعودة لها، لن تغريه كل القصور لترك خيمة على أرضها، يتوجب على دولنا أن تؤمن له الاستقرار ليس منّة ولا صدقة، وتسمح له بممارسة الحياة الطبيعية، وهو ليس عالة على أحد انما هو انسان منتج، يعمل ويقدم الكثير حيثما كان، هؤلاء ابناء هذه الامة، ينتمون لهذه الارض، يتحدثون لغتها، لم يأتوا من اقاصي الارض محتلين ليستوطنوها، لم يتركوا ارضهم هرباً من جريمة ارتكبوها، قدرهم أن تركوا وطنهم مرغمين، ولو اتيح لهم ان يعودوا لما ترددوا لحظة واحدة حتى لو كان الموت ينتظرهم هناك. يتوجب على دولنا وهي شريكة بما حدث ان تعمل وبكل اخلاص على حل كل تلك القضايا العالقة التي تحرم الانسان من ابسط حقوقه، عليها ان تُعيد تعاملها مع هؤلاء الذين لا زالت معاناتهم مستمرة ولا يحظون بفرصة للاستقرار، أوليس من العار أن يُسمح بدخول كل أصناف البشر من الشرق والغرب والعمل والاستقرار في كل دولنا وتُغلق الحدود والمعابر على أبناء أمته الذين شُرّدوا من وطنهم ليستوطنه المحتل، أتعاقبهم دولنا على ذنب لم يقترفوه بل كانت هي جزء منه، أوليس من العار أن تضيق الأرض على أصحابها وتُفتح لكل شذاذ الأرض وأفاقيها. أوليس من المخزي والمعيب أن يُسمح للصهيوني بالدخول والاستقرار والاستثمار في بلادنا ويُمنع ذلك على ابناءه مجرد الدخول، أين هي أخوة الدين؟ ولماذا تنصب دولنا نفسها خصماً لجزء من ابنائها وتعاملهم كالغرباء.

مؤسف أن الفلسطيني المعذب يستمتع أخيه العربي المسلم بعذابه ويحرمه من حقه في الاستقرار والعمل والسفر بل يحرمه من حقه بالانسانيه تحت ذرائع واهيه وخلافات سياسيه.

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.