أرشيف - غير مصنف

من يقتل أطفال اليمن وأحلامه ؟

من يقتل أطفال اليمن وأحلامه ؟

بقلم: زياد ابوشاويش

منذ عدة سنوات تعكف منظمات دولية تعنى بالطفولة كاليونيسيف على بحث ودراسة ظاهرة خطيرة تطال أطفال اليمن وتلحق بهم أفدح الأضرار هي ظاهرة هشاشة البنية الجسدية لنسبة كبيرة منهم ناتجة عن سوء التغذية المنتشر بصورة ملفتة في اليمن وتصل نسبته هذا العام إلى ما يزيد عن 50% من الأطفال اليمنيين. وقد تفاقمت المشكلة منذ عامين حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية عالمياً ولا تزال، وألقت بظلالها على ميزانية اليمن المثقلة بالديون ومتطلبات معالجة التمرد الحوثي وخطة التنمية، ناهيك عن تبعات الحفاظ على وحدة اليمن وعقابيل حرب العام1994 التي لا زالت تطل برأسها بين حين وآخر وبأنماط مختلفة، إن الإجابة على السؤال الهام باتجاه تحديد مسؤولية الحالة الخطيرة التي تضع مستقبل اليمن في مهب الريح تتطلب شجاعة وتبصر من كل أصحاب المشورة والرأي في اليمن، ولا يستثنى من هذا الواجب الوطني أي مسؤول أو كاتب أو مواطن لديه الحد الأدنى من الانتماء والإخلاص لبلده.

ولأن مسألة سوء التغذية ترتبط مباشرة بضعف القدرة على توفير الطعام وتوفير ظروف الحياة الطبيعية لهؤلاء الأطفال الذين يجسدون مستقبل اليمن وحلمه في الانتقال للحياة العصرية والحداثة والأمن بمختلف معانيه فإن ما يتوفر لدينا من معطيات عما يدور في اليمن وكذلك ما توفره الطبيعة للشعب اليمني يجعلنا نضع تكملة للسؤال تقول: الصراع السياسي أم شح الموارد ليصبح السؤال على النحو التالي/ من يقتل اطفال اليمن وأحلامه، الصراع السياسي أم شح الموارد ؟.

من الطبيعي أن يجيب المرء على هكذا سؤال بأن الإثنين أي الصراع السياسي وشح الموارد هما وراء ظاهرة سوء التغذية المعتبر مرضاً خطيراً في تصنيف منظمة الصحة العالمية، لكن الحقيقة الواجب قولها أن هناك سبباً رئيسياً وآخر ثانوياً وأن الرئيسي يعود للصراع السياسي والثانوي يتعلق بشح الموارد. والمقارنة هنا توضح الأمور بشكل لا يترك مجالاً للإجتهاد حيث نجد بلداناً لا تملك موارد طبيعية كبيرة ومستوى معيشة أهلها في أعلى سلم الجدول العالمي لدخل الفرد مثل اليابان وفنلندا وبعض الدول الاسكندنافية، حيث الإعتماد على قدرة الإنسان وإبداعه في ظل نظام سياسي ديمقراطي مستقر، وفي ظل توفر عوامل الأمن الإجتماعي والأمن السياسي وغيره.

لسنا هنا بصدد المقارنة بين اليمن وهذه الدول بالمعنى الكلي ذلك أن هذا لا يقود لتحقيق أي هدف بسبب الفروق النوعية بين معطيات هذه البلدان واليمن على صعيد الموارد البشرية خصوصاً والذي يعني التعليم والصحة واستيعاب التكنولوجيا والقدرة على احترام القانون وتمثل قيم المجتمع وغيرها من العناوين المحددة لدرجة التطور الحضاري لهذا البلد او ذاك، وإنما المقارنة في مجال مصادر الطبيعة وما توفره من إمكانات لاستغلال أفضل واستخدام أكثر جدوى لتطوير إنتاج الدولة وتحسين مستوى معيشة الناس بما في ذلك موضوع الغذاء والدواء.

إن الفوضى السياسية التي تجتاح اليمن وعدم تبصر الطبقة السياسية اليمنية لحجم الخطر المحدق بمستقبل اليمن عبر مشكلة أطفاله المزمنة في مجال سوء التغذية الذي أوصل (عبر دراسات معممة ) لحد القول أن حجم الطفل اليمني يصغر وكذلك طوله وقدرته على تحمل الأمراض وأعباء الحياة وبالتالي اتضاح درجة خطورة المشكلة وانعكاساتها السلبية على المستقبل وهذا يدق ناقوس الخطر أمام الجميع بدون استثناء. إن شح الموارد المائية بسبب زراعة القات خاصة والإستخدام الخاطيء لتلك الموارد يحتاج لمعالجة سريعة وإلا ستكون البلد أمام أزمة غذاء أكبر وأخطر، كما أن معالجات من نوع تنويع مكونات رغيف العيش بتخفيض نسبة القمح فيه بدل وقف الهدر على نبتة القات التي تتسبب في هدر المال والجهد والتي لا يسلم من نتائج استهلاكها المفرط حتى أطفال اليمن لن تفيد بلداً يستورد 95% من غذائه وخاصة القمح من الخارج.

إن كل الحديث الذي يمكن قوله بخصوص شح الموارد لا يفسر حجم المعضلة التي يواجهها اليمن، وحين نركز على أطفاله الأبرياء فذلك يعود لكونهم لا يتحملون أي ذنب أو مسؤولية فيما يجري ولأنهم يمثلون المستقبل كما أسلفنا ولأن عنوان الأبناء ربما يكون الأقوى ويشكل حافزاً للجميع للتوقف عن كل ما من شأنه الإضرار بهم وبحياتهم الأمر الذي يمارسه السياسيون من مختلف الأحزاب والانتماءات في اليمن دون تأنيب ضمير للأسف.

هل يدرك العاملون تحت عباءة النظام سواءً الحزب الحاكم أو القبائل السائدة أو الهيئات الحكومية وكذلك المعارضة بكل أحزابها وهيئاتها، والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني إلى أي هاوية سحيقة يقودون اليمن بصراعهم غير المبرر على كعكة السلطة في ظل الأزمة الحادة التي يمر بها بلدهم ؟ وهل يدرك الحوثيون والحراك الجنوبي وغيرهم من المتمردين بحق أو بغيره على سلطة الدولة بأن الطاقة التي يهدرونها في الظرف اليمني الحالي تنعكس مباشرة على الحالة المتردية لأطفال اليمن؟.

يمكن أن يتفهم المرء مثل هذا الصراع في ظروف مختلفة، ويمكن أن يقبل تشبث السلطة بكراسي الحكم والدفاع عنها تحت سقف الدستور في حالة استقرار سياسي أمني للبلد و توفر مصادر دخل تقدم حماية للمجتمع وتبقي الباب مفتوحاً لتحقيق الحلم اليمني، لكن من غير المفهوم أن يقوم كل هؤلاء بتسعير التناقض والصراع بينهم بما يعنيه ذلك من هدر وقتل لقدرات وإمكانات هي في الأساس ضعيفة، وتعريض الأطفال للخطر، وبالتأكيد تعريض كل المجتمع للخطر.

من أجل أطفال اليمن، ومن أجل أحلام الشباب اليمني المشروعة للغاية، ومن أجل وقف الانحدار الخطير قبل أن يصعب وقفه نتمنى على الجميع منح اليمن هدنة لالتقاط الأنفاس وإعطاء من نحب الدليل على هذا الحب…ولنتفق كلنا على قطع اليد العابثة بأمن الوطن والشعب اليمني مهما كانت.

[email protected]  

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى