التجربة الشيعية العراقية تتفوق على نظيرتها الإيرانية!

0
 
 
منذ ان بدا انطلاق شرارة الاضطرابات في الشارع الايراني  اثر اعلان فوز الرئيس الايراني احمدي نجاد بفترة رئاسية جديدة، والصحف الامريكية تسلط الضوء على ما يجري في الشارع الإيراني الملتهب وتقوم بإجراء مقارنة بين التجربة السياسية الشيعية في العراق ونظيرتها الإيرانية ومقارنة خطاب علماء ومرجعية النجف الاشرف مع نظرائهم في إيران .
وقد كُتب في هذا عدة مقالات منها مقال ” الصمت العراقي بشان نتائج الانتخابات الإيرانية ” لجينا كون في صحيفة وول ستريت جورنل بتاريخ 18 من حزيران الماضي ومقالة اليسا روبن  في نيويورك تايمز في 23 حزيران الماضي والتي كانت تحمل عنوان” صمت المرجعية بشان الانتخابات المضطربة ” .
وكان آخر هذه المقالات التي تصب في نفس الموضوع ، مقالة الكاتب  انطوني شديد في 17 من الشهر الجاري في صحيفة واشنطن بوست والتي كانت بعنوان ” الخلاف الشيعي حول الحكم الديني ” تحدث فيه عن الفرق بين وجهة نظر علماء الدين في إيران لكيفة الحكم متمثلا بولاية الفقيه ورأي مرجعية النجف في هذا الامر ، حيث رأى الكاتب ان الشيعة في العراق قد فهموا بصورة كبيرة جواب السؤال الذي كان يقلقهم لعدة قرون وهو :
ما هو الدور الذي ينبغي ان يلعبه الدين في السياسة؟
ويوضح انطوني انه قد ظهر في النجف الاشرف بعد سقوط صدام  شكل جديد من أشكال السلطات الدينية وهو مختلف تماما عن نظيره الإيراني المعتمد على ولاية الفقيه بحيث أصبح ما يقوله علماء النجف  أكثر واقعية مما يقال من قبل علماء إيران.
ان العلاقة الدقيقة بين رجال الدين والدولة تمتد لقلب السياسة في كل من العراق وإيران ، فكلاهما ذو أغلبية شيعية لكن بلغات وعرقيات مختلفة وعلى الرغم من كون رجال الدين في البلدين غير منتخبين الا انهما يتمتعان بمرتبة لا نظير لها في أي مكان آخر في الشرق الأوسط. مع العلم ان كلا النظامين مختلفان بصورة جذرية عن بعضهما البعض .  وقد ظهر هذا الاختلاف  جليا في مسائل عديدة وخصوصا الانقسام الذي حدث في سنة 1970 حينما قام الخميني بتوسيع مفهوم سلطة رجال الدين بعدة محاضرات أثناء بقاءه في النجف في تلك الفترة وذلك عبر مفهوم ولاية الفقيه التي يعطي للفقيه سلطة إلهية هي امتداد تاريخي يمر عبر خط الأئمة الذي بدا بالإمام علي وانتهى بالإمام الغائب وهذا الحقيقة وضعت في الدستور الإيراني وأصبحت قاعدة للحكم في إيران  منذ اندلاع الثورة .
أما في العراق فلا نرى لسلطة رجال الدين في العراق أي أساس دستوري وقانوي بل هي مشتقة من الاحترام والنفوذ الذي يكمن في فكرة أن الملايين تنظر للسيد السيستاني كسلطة روحية. واتباعة يعتبرون تعاليمه لها قوة كقوة القانون فالسيستاني ينتمي لمدرسة لا يقبل فيها رجل الدين الذي يكون له دور واضح في السياسة وإنما يكون لهم دور توجيهي كما يصف الحكيم دور السيد السيتاني في العراق . والكاتب انطوني يصف مدرسة السيستاني بعبارة ( the quietist school of Shiite Islam(.
والاختلاف بين رؤيتي إيران والعراق تماثل ، كما وضعه احد رجال الدين ، الادوار المختلفة لبناء موقع ما , تحت ولاية الفقيه يعمل رجل الدين ككبير العمال وهو مسؤول عن كل مظاهر التصميم والانجاز، اما في مرجعية النجف والسيسيتاني، فالأخير يُعتبر هو المالك لكنه يتغيب عن الحضور إلى مكان البناء وليس له علاقة أو معرفه بتفاصيله.   
ويعتقد الكاتب ان السيستاني يلعب دورا في السياسة العراقية ربما يكون اكبر من أي سياسي عراقي آخر بعد سقوط صدام على الرغم من أن السياسيين لا يأخذون بنظر الاعتبار أحيانا الموقف الذي يتخذه السيستاني  مع الأخذ بنظر الاعتبار ان هذه السلطة التي يتمتع بها السيستاني تختلف تماما عن سلطة الأحزاب الدينية التي تتبنى الإسلام في العراق وتحتوي على بعض رجال الدين بقياداتها، حيث أن المراجع يعتبرون هؤلاء الرجال  سياسيين قبل كل شيء وليس علماء دين .
وفي هذا الصدد يقول الشيخ  غيث شبر وهو رجل دين يدير مؤسسة على صلة بالمرجع السيد السيستاني إن “التوجيه الروحي للناس في العراق أصبح أقوى من نظيره المقدم في نظام إيران، فالمرجعية لها تأثير كبير في النواحي الدينية وغيرها من مثيلتها في إيران ” حيث “عندما ينائ المرجع بنفسه عن المشهد السياسي حينها ينمو تأثيره الروحي”.
ونادرا ما تمس شخصية السيستاني في العراق، فهو شخصية محافظة عميقة غارقة في الدراسة والتأمل منذ أن كان عمره 10 سنوات وزرع صورة رائعة من الزهد حيث لا يزال يجلس على سجادة رخيصة في غرفة مجهزة بثلاجة منذ 10 سنوات أو أكثر. وعندما ينتقده الآخرون فغالبا ما يكون بسبب أصله الفارسي على الرغم من انه ترك إيران منذ 60 سنة تقريبا، والبعض الآخر ينتقده لتدخله العميق المفرط سياسيا والبعض يعتقد عكس ذلك وينفي طائفيته بشدة أما بالنسبة لأتباع مقتدى الصدر الذين يعتنقون موقفا حازما من الدين فإنهم يلومون السيستاني على صمته بل ان هنالك شارع في مدينة الصدر لبيع البطانيات والفراش يطلقون عليه شارع السيستاني ! كنوع من الاستهزاء على مواقفه السياسية.
وبالنسبة للازمة في إيران نرى أن اغلب رجال الدين في العراق مترددين بقول أي شيء حولها والكلمة السحرية في النجف أن هذا الأمر ليس من شاننا! وهذا الصمت النجفي  يعكس كياسة وتهذيبا بين العلماء وهم يرون ان الجدال فيها يجب ان يكون في المدارس الضيقة المحيطة بقبر الإمام علي بل يرى الآخرون ضرورة الابتعاد عن التدخل والتصريح حول إيران من اجل الابتعاد عن حجة السنة التي تقول إن شيعة العراق لهم ولاء لإيران أكثر من العراق، ولهذا ترى الشيخ علي النجفي ابن المرجع الشيخ بشير النجفي وهو احد كبار مراجع النجف الأربعة يقول “في الواقع نحن لا نريد أن نتدخل في شؤون الآخرين”.
وفي تفسير الاختلاف في توجه الشارع العراقي عن نظيره الإيراني نرى الكاتب يستند الى ما يقوله شبر حيث يقول “صحيح أن الحكومة في إيران إسلامية لكن النسبة الكبيرة من الشعب، وليس الأغلبية ربما، علمانية..أما الحكومة في العراق فإنها ليست دينية لكن نسبة كبيرة من الشعب هنا متدين ….. وفي الشرق الأوسط يميل الناس للتحرك بعكس توجه الحكومات!!
وينهي الكاتب مقالته بالحديث عن عودة النجف إلى دورها الحقيقي الذي انحسر سابقا فيؤكد على أن رجال الدين بدأوا يتحدثون بثقة عن عودة النجف لدورها الريادي في الفكر الشيعي حيث كان دورها قد انحسر في زمن نظام صدام لـ25 سنة من حكمه. أما الآن فالنجف تبدو في القمة حتى في نهضتها الاقتصادية وذلك بفضل السيد السيتاني وتلاميذه ومنهجه.  
 
 
مهند حبيب السماوي

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.