ثقافة المقاومة في تجارب الشعوب

0
 
 
 
المؤتمر السنوي الأول للمؤسسات والمراكز الثقافية
نحو تعزيز ثقافة المقاومة
ثقافة المقاومة في تجارب الشعوب
يوسف حجازي
قال الكاتب والممثل والمخرج المسرحي البريطاني هارولد بنتر في مناسبة إطلاق ديوان شعره الذي يتضمن قصائده التي نظمها تعبيرا عن معارضته للحرب على العراق ، ان الولايات المتحدة الأمريكية دولة نازية أكثر نازية من المانيا ، لأن المانيا كانت تريد السيطرة على أوربا ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تريد السيطرة على العالم ، كما انه وصف جورج بوش الابن بالمجرم الجماعي وتوني بلير بالأحمق ، وقال عن صموئيل بيكيت أنا لا أريد من صموئيل بيكيت فلسفات ولا دوغمات ولا عقائد ولا مخارج ولا حقائق ولا إجابات ، ولكن يكفيني انه الكاتب الأكثر شجاعة وانه وكلما سحق انفي في البراز أكثر ازداد امتناني أكثر وأكثر ، وهذه حقيقة والحقيقة لا تنفصل عن القيمة والقيمة لا تترسخ في نفس الإنسان إلا بالحرية ، ومن يؤمن بالحقيقة والقيمة المعرفية والحرية يملك الطريق الى تحقيق الإنسان لأن الإنسان إرادة وعي وتطلع الى الحرية ، ولا مساومة في الحقيقة لأن المساومة في الحقيقة خيانة ، ولا مساومة في القيمة المعنوية لأن المساومة في القيمة المعنوية خيانة ، ولا مساومة في الحرية لأن المساومة في الحرية خيانة ، ومن لا يؤمن بالحقيقة والقيمة المعنوية والحرية يملك الطريق الى تحقيق الحاكم الذي يصدر الفتاوى التي تجيز للمهزومين حتى ان يحتفلوا بهزائمهم وتجيز للجائعين حتى ان يأكلوا برازهم ، وهذه حقيقة والتاريخ هو العلم الذي يدرس الحقائق ، والحقائق دائما حية ، ولذلك ليس هناك تاريخ قديم وتاريخ وسيط وتاريخ حديث وتاريخ معاصر ، لأن التاريخ في الخبرة الإنسانية كله معاصر ، نعيشه ونتمثله ونعتبر به ، وكثيرا ما تكتسب رؤيتنا وأفعالنا وخياراتنا معناها من التاريخ ، لأن التاريخ لسان حال الجغرافية وظل الإنسان على الأرض ، وهكذا تكون علاقتنا بالتاريخ ليست علاقة أسطورة ( تايخسطورة ) وليست علاقة ماضوية فردوسية ، وليست علاقة حنينيه ( نوستالجيا – أي حنين الى شيء مجهول يتملك الإنسان بدون سبب واضح ) وليس علاقة حاجة نستدعيها وفق الحاجة ، وليس علاقة ثوبا نفصله على قياس الحاكم ، ولكنها علاقة تفاعلية مستمرة ، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتطلع الى السماء متجاوزا عالم المادة لاستكشاف قصة الكون الكبرى ، والإنسان ليس مجرد حالة طبيعية بيولوجية لأنه مستخلف من الله متجاوزا للطبيعة ، والإنسان ليس الها لأنه حادث زمني له بداية ونهاية ، والإنسان ليس مطلق على الأرض كما قال الراحل على عزت بيغوفتش الرئيس المؤسس لجمهورية البوسنة والهرسك ، ولذلك لا يمكن للإنسان ان يعيش بدون تاريخ أو هوية ومن يحاول تجاهل أو تنحية التاريخ يريد في الحقيقة تجاوز تاريخ الامة المحدد لهويتها باتجاه التماهي في تاريخ الآخر تكريسا للتبعية والاستلاب والانسلاخ ، ويرى هيغل ان الفكرة الموجهة لمضمون فلسفة التاريخ هي ان التاريخ العام هو التقدم في وعي الحرية ، ويرى المفكر طارق البشري ان القرنين الماضيين كانا قرنا الاستعمار ومكافحته ، ولذلك كانت البوصلة واضحة وتتجه الى المهام الرئيسية للشعوب وهي المحافظة على الذات والهوية والتصدي للاختراق وتحقيق الاستقلال ، وبعد انحسار الاستعمار الأوربي التقليدي بدأت مرحلة الاستعمار الجديد في صورة اختراق للمؤسسات وفي صورة الاحتكارات والاستثمارات والأحلاف والقواعد العسكرية والقروض والمساعدات والشركات العابرة للقارات ، وقد ترافق ذلك مع محاولة الاستعمار اختراق الضمير أو الوعي وهي المنطقة الحرجة من الأمة ، وقد تمكن من استمالة حلفاء من بين النخب ، ولكن هذه الشريحة لم تتسع يوما لتصبح أغلبية وتكسر إرادة الشعوب والأوطان ، فقد تتعرض صورة الأولويات أحيانا الى الاختلال والاضطراب ولكنها غير قابلة للانقلاب ، ولكن وفي سياق هذه الحركة الاستعمارية تتوافق مقولة المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي حول التحدي والاستجابة ، فالأمم تستجيب بالمقاومة كلما ظهرت تحديات عدوانية أو استعمارية أو احتلال أو دكتاتورية أو فساد حتى وان كانت هذه الاستجابة ذات قدرات محدودة في المقاومة ، وغالبا ما تكون الاستجابة عبر مختلف الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية والثقافية ، ويسجل التاريخ ان كل الحركات والأفكار التي اكتشفت مبكرا بوصلة الامة الحقيقية وحددت أولوياتها وفقا لذلك وسارت على نهجها ونمت وازدهرت واتسعت وتطورت أصبحت عنوانا للمرحلة ، وقد ظهر ذلك في أكثر من تجربة ، فقد استنهضت تحديات الاستعمار والإبادة والتطهير العرقي والاحتلال والاضطهاد والاستبداد والفقر والجوع والجهل والمرض والتخلف استجابة حيوية ترقى الى مستوى المأساة التي لحقت بالشعوب ، وقد تمثلت هذه التحديات في المقاومة وسواء كانت هذه المقاومة ضد العدو القومي أو العدو الوطني أو العدو الطبقي فهي إرادة وثقافة يجب ان يكتسبها ويتمتع بها كل فرد في المجتمع الذي يتعرض لمثل هذه التحديات والانتهاكات لحرماته وأرضه وعرضه وسيادته الشخصية والوطنية ، والمقاومة بحد ذاتها شعور عال بالتضحية من اجل الحقوق والمقدسات والمسؤولية والدفاع عن الكرامة الخاصة والعامة ، والمقاومة أشكال وأساليب ، فالكفاح المسلح الذي كان فيما مضى من أرقى أشكال المقاومة المشروعة دفاعا عن قضايا الشعوب المضطهدة ومدعوما من أوساط وتيارات محلية وإقليمية وعالمية واسعة بما فيها الأمم المتحدة حيث ينظر إليه كوسيلة عادلة يحق ممارستها ، صارت اليوم وبحكم تغير الظروف الدولية والإقليمية على كل المستويات وخاصة الأمم المتحدة التي تحولت الى دولة انكلو – سكسونية فوق كل الدول أسلوبا مرفوضا وينظر إليه بسلبية لا حدود لها نظرا للانتشار الواسع لمفاهيم نبذ العنف وتفضيل الخيار الديمقراطي والحوار كأسلوب يتوافق مع مقاسات هذه الأيام ، وقد رأينا اوباما يقول في خطابه في جامعة القاهرة والذي وجهه الى العالم الإسلامي يدعو الى ثقافة المقاومة المدنية وضرب لنا مثلا ونسي نفسه وشعبه بمقاومة السود في أميركا ، لكن اوباما الذي درس التاريخ لم يدرس فلسفة التاريخ ولذلك لم يفهم كيف يمكن ان تدفع الأحداث التاريخية أكثر الناس اعتدالا الى التطرف ، ولم يقول لنا كيف ولماذا تحولت الثورة الأمريكية من المقاومة المدنية الى الكفاح المسلح ، كما انه لم يقول لنا شيئا عن الحرب الأهلية الأمريكية – حرب تحرير العبيد التي كانت أكثر الحروب دموية وشراسة والتي كان من نتائجها اغتيال الرئيس أبراهام لنكولن ، وانا هنا أقول للسيد اوباما وهو لا شك يحب السينما إذا كنت تريد ان تعرف شيئا عن الحرب الأهلية الأمريكية فأنا أنصحك ان تشاهد فيلم ذهب مع الريح لفيفان لى وجريجوري بيك ، وأخيرا أقول للسيد اوباما امسك عنا إحسانك يا رب الغوث لأن تجربتنا مع أميركا مرة مرارة الحنظل ، والحنظل كلما زاد مائه زاد مراره ، وتجربتنا مع أميركا مرة وكلما زادت التجارب مع أميركا زادت مرارة هذه التجارب ،  أما فيما يتعلق بنجاح المقاومة المدنية في الهند فقد نجحت لأن الهند لها خصوصيتها الخاصة الجغرافية والتضاريسية والديمغرافية ، ولذلك عندما اعتمد المهاتما غاندي ثقافة الاحمسا أو اللاعنف أو الحب في اسمي صوره كان يعرف أنه لا يمكن لبضع عشرات من الألوف من القوات البريطانية ان تسيطر على مساحة أكثر من ثلاثة ملايين كيلومتر مربع وحدود يبلغ طولها 15168 كم وسلسلة جبال هي الأكبر في العالم ويبلغ طولها 2400 كم ، وغاندي نفسه ثروة قومية معنوية لأنه كان يملك منسوب وعي كامل في مفهوم الحرية والثورة ، لكن تجربة جنوب أفريقيا تختلف عن التجربة الأمريكية لأنها بدأت بالكفاح المسلح ثم تطورت الى مقاومة مدنية ، ولكن ذلك جاء بعد التحول في سياسة النظام العنصري بعد فشله ومنذ أواسط السبعينات في تنفيذ الحل العنصري وإقامة مجالس بلدية للمدن السوداء التي تقع خارج البانتوستانات العشرة وتصاعد القمع ضد السود والزج بهم في البانتوستانات ، وقد عرضت الحكومة البيضاء على مانديلا إطلاق سراحه مقابل وقف المقاومة المسلحة ولكنه رفض ، ولذلك سعت الحكومة العنصرية الى طرح حلول سياسية في إقامة ثلاث برلمانات للبيض والملونين والسود ، والى تغيير النظام السياسي الجمهوري الأبيض الى نظام رئاسي بحيث يتم ربط شؤون السود بالرئيس ، وقد كان الهدف من ذلك هو الحيلولة دون تحالف السود والهنود والملونين ، وذلك بالإضافة الى إعطاء مسحة إنسانية للنظام بإلغاء عدد من القوانين الثانوية ، كقانون حظر الزواج بين السود والبيض ، وتخفيف قوانين المرور ، ومراجعة السياسة العنصرية ، واستقالة بوتا من الحزب والحكومة في عام 1989 ، وتسليم دوكليرك الذي بدأ في تغيير دفة السياسة البيضاء والإفراج عن مانديلا وإلغاء 30 قرار عنصري وإصدار عفو عن أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي  ، لكن يجب ان لا ننسى ان ذلك كان قد تزامن مع ما حدث من تحولات في السياسة الدولية والنظام العالمي ، وانتهاء سياسة الحرب الباردة ، وقد جاء ذلك أيضا بعد سلسلة من الاجتماعات السرية بين الحزب الوطني الأبيض وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي مقابل إعلان المؤتمر الوطني الإفريقي رسميا في عام 1990 تخليه عن الكفاح المسلح ، وهكذا دخل الحزب الانتخابات تحت شعار صوت واحد لكل مواطن وفاز وانتخب مانديلا كأول رئيس اسود لجنوب أفريقيا في أيار 1994 ، وذلك بالإضافة الى المقاومة الجزائرية التي بدأت مقاومة مدنية ثم تطورت الى مقاومة مسلحة ، والمقاومة الفيتنامية التي كانت ثقافتها تقوم على طرد المحتل وإسقاط السلطة ، والمقاومة في البوسنة والهرسك التي استجاب شعبها استجابة حيوية ترقى الى مستوى المأساة والمجازر والدمار الذي لحق بشعب البوسنة والهرسك الأعزل الذي لم يكن مستعدا يوما لمثل هذه التحديات ، وفي هذه التجارب جميعا أعادت الشعوب اكتشاف نفسها ، وأنجزت عملية تحول ثقافي وصمود أنساني ، واستردت القدرة على الفعل والمبادرة ، وانتصرت على الاستعمار والامبريالية والفاشية والعنصرية .
ولكن في فلسطين
لماذا لم يكتشف الشعب الفلسطيني ذاته ؟
ولماذا لم ينجز عملية تحول ثقافي وصمود أنساني ؟
ولماذا لم يملك القدرة على الفعل والمبادرة ؟
ولماذا لم ينتصر ؟
هل غاب الخيال السياسي عند الشعب والقيادة وبالتالي عمت الاستكانة وقبول الأمر الواقع واستحال البديل ؟
هل تعود الفلسطينيون على الهزائم ؟
هل تعود الفلسطينيون على منظر الدماء ؟
هل غابت الرؤية وضاع الهدف ؟
هل عجز الشعب الفلسطيني عن بناء إيديولوجية سياسية عسكرية اجتماعية ؟
هل عجز الشعب الفلسطيني عن بناء إطار شعبي يحمي المقاومة ؟
أسئلة كثيرة والإجابة واحدة
الخلل ليس في الهدف ولكن في التطبيق والقيادة والإنسان
فالقيادة لم تكن تملك منسوب وعي كامل في مفهوم المقاومة ومفهوم ثقافة المقاومة ولذلك كانت تخرج من كل مواجهة مع العدو وتترك الشعب يواجه العدو وحدة 
في عام 1936 وبعد نداء الملوك والأمراء العرب خرجت القيادة العسكرية من فلسطين وتركت الشعب الفلسطيني يواجه وحده قوات الانتداب والعصابات الصهيونية
في عام 1937 بعد تجدد الثورة خرج المفتي من فلسطين وترك الشعب الفلسطيني بلا قيادة سياسية
يواجه وحده قوات الانتداب والعصابات الصهيونية
في عام 1939 خرجت القيادة العسكرية من فلسطين وتركت الشعب ألفلسطينيي بلا قيادة عسكرية يواجه وحده قوات الانتداب والعصابات الصهيونية
في عام 1948 خرجت القيادة والشعب من فلسطين
في عام 1948 وبعد ان أدرك المفتي خطأ الخروج من فلسطين حضر الى غزة وعقد مؤتمر غزة ردا على مؤتمر أريحا الذي سلم الضفة للملك عبدا لله وأعلن حكومة عموم فلسطين لكنه اجبر على الخروج من غزة تحت حراسة مصرية الى القاهرة
في عام 1967 خرجت القيادة من الضفة وتركت الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة يواجه وحده قوات الاحتلال الصهيوني
في عام 1970 خرجت القيادة والثورة من الأردن وتركت الشعب الفلسطيني يواجه وحده القوات الاردنية
في عام 1982 خرجت القياد والثورة من بيروت وتركت الشعب الفلسطيني وحده يواجه قوات الاحتلال الصهيونية والقوات اللبنانية وقوات سعد حداد
وبالإضافة الى ذلك لم تكن القيادة الفلسطينية تملك منسوب وعي كامل في مفهوم الوحدة الوطنية ، لأن الوحدة الوطنية تعني إبراز قيمة الانتماء الوطني ، وتعميق الإحساس بالانتماء الوطني ، ومراجعة مفهوم المواطنة على ان لا يرتبط هذا المفهوم بأي امتيازات تمنح لفريق على حساب فريق ، وذلك بالإضافة الى ان القيادة كانت ترى ان الوحدة الوطنية سوف تكون عبئا ثقيلا عليها وخاصة في مجال صناعة القرار السياسي ، لأن القيادة لا ترى الوطن إلا كما تراه هي ولا ترى الوطنية إلا كما تراها هي ولا ترى المقاومة إلا كما تراها هي ، ولذلك لم تكن تتحمل وحدة وطنية في تنوع أو حتى فصائل كبيرة ولذلك كانت تشجع الانشقاقات ، لأنه لا يمكن ان يتصور إنسان أنه في غابة بنادق في الأردن أو لبنان يمكن لأي إنسان ان يفكر في الانشقاق بدون مظلة توفر له الحماية والنجاح ، لذلك كانت فلسفة القيادة تقوم على المثل الفلسطيني الذي يقول ( أضرب الراس في الروس بتظللك راس بين الروس ) ولذلك وكما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية في السابق تنقسم الى أحزاب تقوم على أرضية التناحر العائلي نراها اليوم تنقسم الى فصائل تقوم على أرضية التناحر على الصلاحيات والمصالح والبرامج السياسية ، كما ان هذه القيادة لم تكن تملك منسوب وعي كامل في مفهوم الإنسان الوطني ولذلك شكلت الإنسان ذو البعد الواحد الذي يصنع أفكاره في بطنه وليس في عقله لأن الإنسان الذي يعتبر الفصيل فوق الوطن إنسان لا يصنع أفكاره في عقله ولكن في بطنه ، وكان اخطر ما قامت به هذه القيادة هو قيادة الشعب الفلسطيني في مئات المعارك التي أدت الى مئات الهزائم على مدى أكثر من أربعين عاما وهو ما أدي الى ترسيخ قناعة عند بعض الفلسطينيين انه لا فائدة من الكفاح المسلح ، كما انها فتحت المجال امام المعارضة ولكنها حددت المربع الذي يجب ان تمارس فيه هذه المعارضة معارضتها ، وهكذا أصبحت المعارضة معارضة شكلية وظيفتها حماية القيادة مثل البكتيريا الحميدة الموجودة في جسم الإنسان ووظيفتها حماية هذا الجسم ، ولذلك فشلت هذه المعارضة في التغيير ، وهو ما أدى الى توليد قناعة عند بعض الفلسطينيين ان لا فائدة من المعارضة أيضا ، وبالإضافة الى ذلك لم تحسن القيادة أو قد لا تكون تريد ان تحسن أوقد لا تستطيع أن تحسن لو أرادت الاستفادة من الفلسطينيين المقيمين في وطنهم فلسطين وهم خزان بشري وثوري ونضالي ، وهذا في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تخطط الى فرض المستوطنين في الضفة وغزة والقدس وفي نيتها ان تطالب لهم في أسوأ الأحوال بحكم ذاتي داخل الكيان الفلسطيني المفترض ، وهو كيان سوف يكون عبارة عن كانتونات ، والسؤال هنا لماذا لم تفكر القيادة الفلسطينية بقلب الطاولة السياسية والتفكير في المطالبة بحكم ذاتي للفلسطينيين في فلسطين ، وذلك كوسيلة من وسائل مواجهة سياسة الاستيطان وما تنطوي عليه من ضغوط لفرض مطالب إسرائيل على الفلسطينيين ، خاصة وأن إسرائيل قد تفكر في حالة فشل فرض الاستيطان والمستوطنين في الضفة الغربية الى طرح فكرة التبادل بين المستوطنين الإسرائيليين في الضفة والفلسطينيين في داخل الخط الأخضر ، لكن هذا التفكير للأسف لم يدخل في حسابات القيادة الفلسطينية ، ولذلك وبعد هذا خرجت القيادة بمجموعة من القرارات ولكن بعد أن أخرجت الشعب الفلسطيني من معادلة التغيير ، ولكن الإنسان الفلسطيني هو الآخر مسؤول عن ذلك مسؤولية مباشرة لأنه كان يستهلك ما تصنع القيادة ، ومن هذه القرارات قرارا لممثل الشرعي الوحيد ، وهو قرار يحمل رسالتين الأولى تعني فك الارتباط القومي بالقضية والثانية رسالة وهمية وهي التخلص من الوصاية العربية والشعب هلل لذلك لأنه كان مستعد للركض خلف كل من يطلق الشعار ، والقرار الوطني المستقل وهو قرار يحمل رسالتين الأولى تعني ان القيادة هي الجهة التي من حقها وحدها اتخاذ الفرار فيما يتعلق بالقضية والثانية رسالة وهمية وتعني التخلص من الوصاية العربية وصفق الشعب ، ووثيقة الاستقلال وهو قرار يحمل رسالتين الأولى تعني الاعتراف بإسرائيل والثانية وهمية تعني الاستقلال الوهمي لأن العالم لا يعترف بالاستقلال النظري ، كما ان الشعب سكت عن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود على 78% من مساحة فلسطين وهو للأسف اعتراف قانوني وتاريخي ، وسكت عن أوسلو وسكت عن الفساد ، وهكذا تشكلت السلطة ولا بد للسلطة من حزب فكانت فتح هي الحزب ، وكما سكت الشعب سكتت فتح رغم أن أوسلو كانت تمثل خروج إيديولوجي وتنظيمي عن البرنامج الداخلي لحركة فتح ، خروج إيديولوجي لأن أوسلو تتناقض إيديولوجيا مع المنطلقات العقائدية لحركة فتح ، وخروج تنظيمي لأن أوسلو لم تطرح للتصويت على مؤتمر فتح ، وبنفس الوقت كانت أوسلو خروج أيديولوجي وتنظيمي عن البرنامج الداخلي لميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لأنها تتناقض مع الميثاق ولأنها لم تطرح للتصويت على المجلس الوطني الفلسطيني  ، وشكلت القيادة السلطة وكان لا بد للسلطة من حزب وكانت فتح حزب السلطة ، وكان لا بد من طبقة سياسية ولذلك شكلت القيادة طبقة سياسية ولكن على قاعدة قرد موال ولا غزال مخالف ، وأدركت القيادة ان هذه الطبقة لا يمكن ان يكون لها دور في السياسة الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية ، لأن الضعفاء لا يمكن ان يكون لهم دور حتى يصلوا الى القوة ، وأن الفقراء لا يمكن ان يكون لهم دور حتى يصلوا الى الثروة ، ولذلك أعطتهم القيادة وأميركا وإسرائيل والدول المانحة القوة والثروة ، وهكذا أصبحت السلطة اكبر صاحب عمل في الضفة وغزة ، وسيطرت هذه الطبقة الطفيلية على كل مرافق الحياة والاقتصاد حتى صار المسؤول اكبر من الموسوسة وشخصية مهمة جدا وقد منحته إسرائيل ما يعرف باسم VIP ، وقد كانت إسرائيل تسعى من وراء ذلك الى شق الصف الفلسطيني والهدف الفلسطيني ، لكن وبسبب غياب ثقافة مقاومة فلسطينية أو ضعف ثقافة مقاومة فلسطينية أو بسبب وطأة الظروف الاقتصادية أو قسوة الظروف الأمنية ، لم يستجيب الضمير الفلسطيني كما يجب في مواجهة هذا الإجراء الصهيوني كما استجاب الضمير الجزائري لأن ذلك حدث في الجزائر في الثلاثينات واصدر رئيس الوزراء الفرنسي بلوم فيوليت وهو من أصل يهودي مشروع بلوم فيوليت الذي قسم الشعب الجزائري الى قسمين ، الانتلجستيا وهم المثقفون ويمنحون الجنسية الفرنسية والحقوق الفرنسية وينتخبون في صناديق مشتركة مع الفرنسيين ، والشعب الجزائري ولا يمنحون الجنسية ولا الحقوق الفرنسية وينتخبون في صناديق خاصة ، لكن جمعية العلماء المسلمون بقيادة قائد النهضة الجزائرية وقف وقال ان من يقبل الجنسية الفرنسية يعتبر خارج عن الملة والدين ولا يجب التعامل معه حيا أو ميتا ، كما ان فرنسا أيضا لم تعترف بهم وأطلقت عليهم اسم المسلمون الكاثوليك لأن الفرنسيين لا يريدون ان يعترفون بالهوية الوطنية الجزائرية ، فهم يعتقدون ان الوطنية هوية وأن الدين حضارة ، ولذلك عندما مات هؤلاء رفض المسلمون أن يدفنوا في المقابر الإسلامية ورفض الكاثوليك أن يدفنوا في المقابر الكاثوليكية لذلك اضطرت حكومة الاحتلال الى إقامة مقابر خاصة لهم ، وكان ابن باديس وهو امازيغي وليس عربي قد قال قولته المشهورة في وجه فرنسا
شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب
رحم الله ابن باديس لقد كان ثروة وطنية وإنسانية ، ونحن نحتاج اليه امازيغا وعربا ميتا وحيا ، ميتا رمزا وحيا قائدا
وهكذا نري ان نجاح اى حركة تحرير وطني يتوقف على ثلاثة عناصر أساسية وهي
وضوح الهدف
وحدة ألقيادة
مشروعية الوسيلة
ومن يمتلك هذه العناصر سوف يمتلك ثقافة المقاومة وسوف تكون المقاومة واجب يومي لكل إنسان ، ومن لا يمتلك هذه العناصر الثلاثة سوف يمتلك ثقافة مقاومة ثقافة المقاومة
وأخيرا أرجو أن أتقدم من حركة حماس ومن حكومة الأخ إسماعيل هنية وهي في تقديري واقعا وعلما الحكومة الديمقراطية الوحيدة في الوطن العربي بالتوصيات التالية
1 – وضوح الهدف تحت راية الحقوق الوطنية لأنه ليس كل من سار على الدرب وصل الى الهدف ، ولكن من يصل الى الهدف هو الذي يعرف الهدف ويعرف الطريق الى الهدف
2 – وحدة القيادة على برنامج المقاومة
3 – مشروعية الوسيلة في تحرير كل فلسطين وخاصة مشروعية الكفاح المسلح بلا سقف أو حدود
4 – توسيع دائرة الحكم لأنه كلما توسعت دائرة الحكم ضاقت دائرة الفساد وكلما ضاقت دائرة الحكم اتسعت دائرة الفساد
5 – الخروج من دائرة الشخصانية الى دائرة المبادئ
6 – العمل على تحقيق التوازن داخل الإنسان الفلسطيني حتى لا يظل ممزقا وبقدر ما يتغنى بالمثل يقدر ما يتنكر لها سلوكيا
7 – عدم المراهنة على المفاوضات في هذه الظروف وفي ظل هذا الاختلال في موازين القوى وفي ظل هذا الانبطاح العربي ، لأن ذلك لا يعدو عن كونه مراهنة على الحصول على المادة الحية من غير الحية
8 –  تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة برنامج الكفاح المسلح .
9 – عدم حصر القضية في ثنائية ضيقة فتح وحماس لأن فلسطين اكبر من فتح وحماس
10 – مراجعة التاريخ السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية قيادة وفصائل
11 – تشكيل جبهة مقاومة فلسطينية موحدة
12 – حل السلطة ونقل صلاحياتها للمقاومة
13 – خطورة ميكانيزم تراكم القيادة في قبضة شخص واحد
14 – نشر ثقافة المقاومة بحيث تكون واجب يومي لكل إنسان
 
  
 
               
 
 
            

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.