أبو العزايم

 

أبو العزايم
 
بقلم: سهام البيايضة
 
رن هاتف ابوغالب وهو جالس تحت معرش العنب,في “حوش” بيتهم  يحتسي قهوة الصباح مع أم غالب ,نظر إلى الرقم الظاهر على شاشة الهاتف قال لأم غالب مستغرباً: إنه أبو العزايم .. يا ترى ,ماذا يريد أبو العزايم ,بعد هذا الانقطاع الطويل عنا؟؟
تململت أم غالب وقد ظهرت عليها بوادر الانزعاج:لا ترد عليه !
أبو غالب:إنها المرة الخامسة التي يتصل بها..اعتقد أن الموضوع مهم ,يبدو أن لديه سولافه !
ضغط  أبو غالب على زر الاتصال ,لينطلق من الطرف الأخر أبو العزايم بالعتب والتساؤل,  مسقطاً أسباب البعد والانقطاع على أبو غالب المسكين ,شارحاً رغبته في استضافته على العشاء المهم الذي سيقيمه هذا المساء موصياً إياه بعدم التخلف .
ضغط ابو غالب على زر الإغلاق وقال لزوجته مستغربا:لا اعلم من أين يأتي هذا الرجل بكل هذه الجراءة ,كيف لو أننا لم نتربى معا في نفس الحوش؟؟
ردت أم غالب مستفزة لابو غالب:والله لولا حاجته إليك في الانتخابات الجايه ما كلمك, ولا طل في وجهك!!
احمر وجه أبو غالب من الغضب, لكنه اقر بحقيقية الأمر, وان أبو غالب يخطط لخوض الانتخابات القادمة.
–  أم غالب وقد استغلت صمت أبو غالب:من اليوم الأول لاستلامه وظيفة كاتب في الوزارة, وهو ينطلق مثل الصاروخ !!
قال أبو غالب بصوت خافت:هاذي حال الدنيا هذه الأيام ..طعمي الثم(الفم) ,تستحي العين!!
أم غالب وقد تملكها العجز:يا أبو غالب والله هذا حرام..شوف ابنا غالب, دكتور, وصرفنا عليه دم قلبنا وراتبه ما بكفيه لنص الشهر!
أبو غالب:توكلي على الله يا بنت الناس..إلى برضي بعيش وابن الحرام .بقع لحاله!
أم غالب :هذا الكلام مش في بلدنا ..شوف أبو العزايم كل يوم يزيد عن إلي قبله..مش بيقولوا في قانون اسمه , من أين لك هذا؟ …ليش ما تطبقه الحكومة ؟
أبو غالب ضجراً من حديث لا جدوى فيه:وبعدين معكي يا أم غالب..بدكي تحكي في السياسة كمان؟؟
أم غالب :هاذي مو سياسة يا أبو غالب..هذا ظلم ..مش عارفه الناس على شو ساكتة؟
صرخ أبو غالب:وكمان بدكي نثور على الحكومة يا أم غالب..؟؟
أم غالب وقد استشعرت غضب أبو غالب: إلي بطالب بحقوق الناس, صار ثوري يا أبو غالب؟؟
أبو غالب وقد استنفذت اعصابه:نعم ثوري.. وبزاود على وطنية غيره..ويثير النعرات  كمان ..خلي الطابق مستور..قومي شوفيلي شو البس ..أبو العزايم عازمني عالعشا..!!
وصل أبو غالب امام الفيلا الكبيرة التي تقع في الحي الراقي ,ومن بين السيارات الفخمة اخذ طريقه باحثا عن مساحة يوقف بها سياراته ..وكلما حاول إيقافها ,جاء إليه شاب أنيق يرتدي قميص ابيض و”ببيونه” سوداء على عنقه ,يطلب منه إبعاد سيارته (تويوتا كورونا 1988) عن الطريق ,لان أصحاب الدولة والمعالي والباشاوات يحتاجون لتلك المساحات لإيقاف سياراتهم ,
حدق أبو غالب بالشاب الأنيق قائلا:والله معك حق, خليني أبعدها عن سياراتهم أحسن يحسبوها خردة!!
فكر أبو غالب في العودة إلي البيت ونسيان موضوع ” العزومة” كلها,وهو يبحث عن مكان يوقف به سيارته, إلا انه اقنع نفسه بشعرة معاوية وبحق العشرة والحوش.وهو يبتعد بسيارته باحثا عن رصيف خالي بين الفلل والقصور,وكلما وجد مكاناً مناسباً ظهر له حارس الفيلا أو القصر أو خرج إليه كلب شرس يريد الانقضاض  عليه وعلى سيارته, فيقود مبتعدا حتى لا يزعج سكان المنطقة وكلابها!!
سار أبو غالب بين البيوت الراقية يقطع الشوارع, ويمشي على الأرصفة حتى وصل إلي باب فيلا أبو العزايم ..وفي لحظة اندهاشه بالمدخل ومظاهر الأبهة البادية على المكان ,انزلقت قدمه فوق الرخام المصقول وكادت رجلاه أن تنفرجا فوق الأرض الصلبة ,لكنه تدارك نفسه وضبط مسيره حتى لا يقع مرة أخرى ,موقعاً السبب على نعل حذائه الممسوح ,والذي عفا عليه الزمن .
 
وقف أبو العزايم بقرب بركة الماء التي تتوسط الحديقة الكبيرة يستقبل ضيوفه ,وعندما شاهد أبو غالب ,احتضنه ورحب به ,ثم نادي على احد الشباب المتأنقين “بالببيونة”,وطلب منه أن يجلسه مع مجموعة موظفين من الوزارة اجتمعوا فوق طاولات أعدت للضيوف وفرشت بالأغطية البيضاء والمفارش الحمراء ,
جلس أبو غالب على الطاولة التي أشار عليها أبو العزايم, والتي تقع في أخر الحديقة, وقد أشرفت على منظر الحديقة والحضور ,والمدخل الرئيس الذي يقف عليه  أبو العزايم .
اندهش أبو غالب بالمكان, وبأدق التفاصيل حوله ,كل شيء محسوب ومعد بترتيب .وعلى أعلى مستوى وبأغلى الأسعار والتكاليف .الفيلا .المفارش ,الأثاث ,البلاط والسيراميك,حتى بركة السباحة ,الورود والقوارير الحجرية المنتشرة هنا وهناك.قال مفكرا:هذا يحتاج إلى دعم قوي ..والله يا أبو العزايم..الله يرحم أيام الحوش وخبز العمة وطفه!!
 
سيارات وخدمات وهدايا ,وشخصيات ودعوات دائمة وجلسات في مزارع وفلل فخمه, لأصحاب المعالي والسعادة .يتودد إليهم وينادمهم, ويتحين الفرص لدعوتهم على ولائمه التي لا تنتهي.
بقي أبو غالب المغلوب على أمره, الوحيد الذي تربطه علاقة بابو العزايم ,متحرجا دائما من الذهاب لعنده , تحت ضغط أوضاعة الاقتصادية التي تديرها معه زوجته بحرص ,يكفل لهما الاستغناء عن حاجة الناس والابتعاد عن مظاهر البهرجة والإسراف ,في أجواء من التدبير والقناعة
 
في الساحة الواسعة أمام المنزل حول البركة, جلس أبو  غالب بجانب أصدقاء لا يعرفهم ,لابو العزايم. يتبادلون الضحكات والتعليقات,وفي أثناء تبادلهم الحديث دخل ,احد المدعوين , أخذه أبو العزايم بالأحضان والقبلات ,وقد وقف له البعض وتبادل معهم التحيات والسلام ,ثم جلس على احد الطاولات وقد رافقه إليها شاب أخر أكثر وسامه وأجلسه على الطاولة مبعدا له الكرسي ليريح له الجلوس ,نظر الصديقان كل منهما إلى الأخر,قال الأول :هذا اكبر تاجر اسمنت في البلد!.
رد الثاني , وابوغالب يستمع ويتابع الحديث المتبادل:عرفته. هذا أبو الاسمنت حوت من حيتان البلد!!
دخل اخر وبنفس الطريقة اخذ مقعده على إحدى الطاولات  , قال الأول :هذا أبو الحديد ..قال الثاني :هذا اكبر حوت في البلد..زلمه واصل!!
ثم دخل آخر, قال الأول:هذا أبو السيراميك.. ودخل آخر وقال احدهما: هذا أبو الأثاث الفاخر, ثم دخل أخر وقال احدهما من جديد: هذا أبو المطابخ, ثم دخل أبو الستائر وأبو الألمنيوم وأبو المشاتل….ثم وبكل الأبهة والاحترام وصل شيخ يجر قفطانه ويضع عمامته البيضاء, يحيطه خمسة من أبنائه, أو حراسه, لا يهم!!, عندها علق احدهم مخفضاً صوته:هذا أبو الفتاوى, والحج والعمرة!!
 انطلقا في الضحك وزادت ضحكاتهما عندما استقبل أبو العزايم احد الضيوف.
قال احدهما وهو مغشيا عليه من الضحك: أبو المطاعم حضر !!
وقد لحقت به سيارات المناسف وصواني الكنافة الساخنة.
قال احدهم ,والله أبو العزايم مو قليل ,عرف كيف يوصل !!
 الثاني :يا عمي كلها خدمات في خدمات
 الأول :هذا حال البلد,رجال المرحلة حكلي وبحكلك
قال الآخر:مسكين هذا الشعب المغلوب على آمره !!
تململ أبو غالب في مكانه وقد شعر أن الكلام موجه إليه هذه المرة, ثم غص باللقم, ولم يضعها في فمه بعد.
نهض أبو غالب من مكانه متوجها إلى الباب الخارجي وقد شعر بالغربة والوحدة مقتنعاً.
 أن لا مكان هنا لأبو الشعب !!
 
 
 
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات