الرئيسيةأرشيف - غير مصنفالزندقة حين تصير نبراسا!..

الزندقة حين تصير نبراسا!..

الزندقة حين تصير نبراسا!..ناصر السهلي*

* كاتب فلسطيني

فليعذرني بعض “الأصدقاء”.. وهم على كل قلة.. على إصراري، لأنهم قرروا ربما الصمت أمامي.. لكنني سأواصل.. وإن قرؤوا ووجدوا تطابقا أو تشابها بينهم وبين شخوص نصي هذا، وغيره، فهذا أمر مقصود..
——————————

- Advertisement -spot_img

كنت أسير بجانب أحدهم.. وحتى لا يكون كلامي “فشخرة”، فهو ليس بشخص عادي.. تساءلت ببراءة المندهش من حالة كنا جميعا نعيشها، حالة كنت أُطلق عليها “زمن الرومانسية الثورية”.. أو بدون “الثورية”.. رومانسية فقط.. حالة صارت تمشي مقلوبة الهرم..

كنا في صغرنا، أنا وجيلي وأصدقائي الكثيرين الذين فرقت بيننا البلاد والجغرافيا، نعيش حالة الرومانسية تلك.. نقطع المسافات سيرا على الأقدام.. نحمل رزما بنصف وزننا.. ونعلق في أحيان أخرى ملصقات هذا الشهيد أو ذاك.. نقرقع رؤوس منافسينا الفكريين بمدى صحة رؤية ما ننتمي إليه.. قبل أن أكتشف بعد سنوات قليلة أن الثابت هو فلسطين والمتغير هو لعبة الكراسي والمناصب..

* * * * *
عن أية رومانسية أتحدث؟
عاد ذات يوم والدي من بيروت، بعد أن كان مستنكفا من أجواء لا حاجة للدخول في تفاصيلها، فقلت له: أنا ذاهب إلى لبنان، هل تسمح لي؟.. ليتني حينها فهمت ما كان يقوله لي قبل سنوات من ذلك عن “الأبوات” وألاعيبهم.. وحتى لا أظلمه، كان يتحدث عن “أبوات تلك المرحلة”.. فمثله، القارئ الذي يناول أبنائه كتابا عن “بافل” لنيقولاي اوستروفسكي في سن مبكرة لا يمكن أن يقول: لا ممنوع أن تذهب.. وإلا لكنت أجبته فورا.. “أنت متناقض”.. لكنني ودعت نزار، وطلبت منه بعض النقود.. نزار هذا كان غامضا.. لم أكن أعرف أنه أخذ طريقه دون أن أعرف لسنوات.. كان يُدهشني بنهم القراءة الذي يفوق ما كان يجلبه والدي..

فوجئت به ذات يوم يقول لي: اترك هؤلاء.. إنهم يثرثرون لا غير.. ففي المخيم الذي انتقلنا إليه كانت اكتشافاتنا تفوق جبال دمر (ضاحية جميلة من ضواحي دمشق).. في الجبال كنا نسير وننقب الأرض مكتشفين صغارا كما بقية أطفال عالمنا حينه.. وحين كنت أصل الزبداني وهي أيضا في الطريق إلى لبنان.. كنت أنظر باتجاه الجبال الفاصلة.. كيف أجتاز.. وزمن الثورة يصل صداه إلى حيث نحن.. اكتشافاتي في المخيم وجدتي التي علمت برحيلها بعد سنوات.. خبر لا أدري كيف أخفوه عني حين انفجرت على الهاتف ووالدي على الطرف الآخر.. كأني فقدت ذاكرتي.. هي المخزون الذي منه كنت أنهل ولا ينضب..

كان عامر خرما ذا اتجاه آخر.. أحمد الخطيب الذي باع ما يملك لمعالجة طفله في ألمانيا التي ما أن وصلها حتى فارق الحياة.. محمد أبو الحسن الذي اختار أقصر الطرق للرحيل.. وعمر خلف الذي ضاع مثلما تاه خالد شعبان.. والعشرات ممن كنا نعيش رومانسية فلسطيننا.. هي التي كانت تجمع اختلافاتنا.. كان عجائز البلاد يجلسونني على مصطبة لأقرأ لهم ما كتبت جرائد تلك الأيام.. جدتي رحلت ولم أرها، وكانت ما تزال حتى في شبابي تكرر قصص حيفا.. بحرها.. سمكها.. برتقالها.. تصف لي أدق تفاصيل حياة أتخيلها في رأسي بغير ما كانت تقص.. أصنع لذاتي حينها حلما، أختزن واسفنجة ذاكرتي تمتص كل السرد..

كنا نشارك في حمل النعوش إلى مقبرة الشهداء ( القديمة التي غصت بما فيها فافتح أخرى جديدة)… هناك يرقد خليل الوزير.. سعد صايل.. زهير محسن.. هناك يرقد القادة مع مقاتليهم.. على شواهد القبور: علم أو خارطة.. تاريخ ومكان الاستشهاد.. في المقبرة لا فرق بين مئات القادة وآلاف المقاتلين..

قرأت للعزيز رشاد أبو شاور عن أبوات الخيزران.. دُهشت لأني ذات مرة اكتشفت الحقيقة المرة مبكرا، وبالتحديد استخدمت في “الهدف” أبو الخيزران.. ولأستاذنا أبو شاور أقول: ليتك تراهم بأم عينك، هنا تتجسد لوحة ناجي العلي الممتزجة بقصيدة مظفر النواب عن أشكال رجال بلا رقبة.. تتجسد عبقرية الثلاثي كنفاني والنواب والعلي.. تكرشوا يا أستاذي حتى أنك تصاب بالغثيان لمجرد رؤيتهم!

* * * * *
فقال لي ونحن نسير وسط جموع تهتف: ليتنا لم نعد ونرى هذا الواقع.. ليتنا بقينا نعيش الحالة الرومانسية…
أعترف أن كلماته وقعت في مكانها وزمنها الصحيح.. وصف الواقع الأليم ليس سهلا.. أعترف بأني أجد صعوبة في تحريك كتفي الأيمن وأنا أخط كلماتي.. فخاتمة همروجة ما يجري التحضير له من خوازيق أخرى هي في جوهرها تثبيت الأنانية التي صارت حكاية تثير العجب.. وحين قلت الزندقة نبراسا، فهذا لأني أكتشف كم من منهزم يلعب لعبة الزنادقة.. هؤلاء حولوا أحلامنا إلى كوابيس حقيقية..

لقد استبدلت الأحزاب بما يسمى NGO’s هكذا يلفظونها حرفيا.. واستبدلت المهام والبرامج بـ” بروبوزال”.. وأعرف أنه خطأ لغوي.. لكنهم هكذا يلفظونها.. واستبدلت مهام المثقف بشطارة كسب ود من يدفع أكثر.. وطالما أن انتخابات ستجري فلا مشكلة أن يجري “الرش”، كما قال لي أحدهم.. تخفيفا لشراء الذمم والأصوات.. بيانات وأخرى مضادة.. توعد وتوعد مضاد.. هرج ومرج.. افتتاح مشروع هنا وهناك.. وأحزاب تكتفي ببيان يقيها أن يُقال عنها أنها فصائل ما عادت تعرف العمل السياسي والجماهيري.. إغراق لمشهد السياسة بأنانية البحث عن تلك “الأنا” المنتفخة.. وطوفان يجتاح البلاد مستوطنات وبرامج ثابتة في متغيرات حكومات تل أبيب.. وتيه يكسر العظم عندنا.. والناس بالملايين يريدون لها أن تكون “صالحة” بقبول ما يرمى لهم من “حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين”…

في الزندقة السياسية تطفو، بعد سنوات من النفي، وثيقة جنيف.. وبدون خجل يقولون لك: الحل قادم بناء على تلك الوثيقة.. فأي زمن هذا الذي نعيشه غير زمن الفهلوة والتشاطر بينما الخوازيق تنصب كالرايات.. والزندقة السياسية نبراسا!

اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات