الرئيسيةأرشيف - غير مصنفحين يكون السرد انتهاكا لغشاء الصورة

حين يكون السرد انتهاكا لغشاء الصورة

بقلم منذر بشير الشفرة
أمكن للمشاهد أن يثور دونما تنظير وأن يحلم دون أن يغفو وأن يغني سرّا وأن ينهي قسرا سلطة المقدس وأحقية الإبهام الآسر نحو أكثر فاعلية لليوّمي فاليومي ارتقى إلى منصة المتعالى والأنا المشحون بالرمز.
حين نتعرض لإشكاليات الأدب المقارن نحاول الرجوع إلى ما قدمه مفكرون أمثال إدوارد سعيد لأنه يحلل من داخل المنظومة وهو متمكن من قراته لسعة إطلاعه على الرؤى المختلفة والقراءات العديدة . والعملية النقدية تفترض الخروج من نسق الحكم الانطباعي والابتعاد قدر الإمكان على المجاملات والتجنيات. في مقاله عن ادوارد سعيد يرى الدكتور حفناوي بعلي أن الطرق متشعبة :
 
« وهذه الطريقة في النقد المتوازي وغنية وكاشفة للمفارقات. فما يراه الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” هو مصادره لشكل روائي غربي ، استخدمه الغربيون في روايتهم لتمثيل الشرق، كما نجد حاليا أن كتاب “الاستغراب” لحسين حنفيهو مصادرة لعلم الإستشراق الأكاديمي الغربي. وقد بين سعيد في قرائته لفردي “أوبيريت عايدة ” وجين أوستين “روضة مانسفيلد” وكامي “الغريب” وكبلينج “كيم” التقاطعات والتمفصلا بين الأب والسياسة ، الثقافة والإمبريالية، كما بين الوجه الآخر في عملية التوازن الطباقي: الطيب صالح ، جورج أنطونيوس ” يقظة الأمة العربية”،”فرانز فانون “معذبوا الأرض”.
وبذلك نجد تعمق المبدأ الحواري المقارن في أفكار ادوارد سعيد، وتغلغله في نسيج المنهج النقدي المقارن الذي يدرس به الأدب و يراجعه في ضوء علاقاته وتفاعلاته الخارجية مع المكان والزمان والإنسان. »[1]
 
إن اعتبارات المكان والزمان وطبيعة الإنسان تدخل في منظور واحد ذي البعد الأكاديمي والذي يرتكز على أسس الإحترام والتفاعل مع الرؤى المختلفة والاستنتاجات التي تنبثق من الأثر ذاته ومن حسن دخوله في مسار التحليل المقارن، إن العمل النقدي ليس مجرد مقارنة واستنتاج بل ولوج إلى كينونة الإنتاج للعمل الفني ومسارب ترويجه لقارئ ممكن.
مسـارات الســردي
 
 
لا يمكن الخوض في ميدان السرد دون اللجوء إلى مقاربة دلالية يتبين من خلالها التفاعل النصّـي مع بنية مخيالية مسبقية تتجلى في اختيار اللفظ وتركيب الجمل وكل التنقلات المضمنة من وحدة معنوية إلى أخرى. فالبحث الدلالي إضاءة ممكنة نلج من خلالها إلى عالم السارد وعلاقته بالواقع الآتي أي الكتاب والواقع الإحالي الذي ترمي إليه منظومة الترميز.
يبيت من خلال كل هذا أن السارد قد يعكس رؤية وقد يتنكر لها يمرق لأن عملية التلفظ متشابكة ومتضاربة وتتميز بالوضوح آنا لدي السارد العليم وبالغموض أونة أخرى حتى تحصل مختالة القارئ.
يرى الدكتور فاضل ثامر في هذا النطاق أن الدلالة ليست حديثة وتتشكل مع النص:
 
« لقد ظل البحث الدلالي في الغالب تقليديا ومحدودا ويكاد تقتصر على دراسة الألفاظ المفردة أو الجملة الواحدة، دون أن ينتقـل إلى تحليل النصّ، بوصفه بنية كلية شاملة ومتماسكة. وتشيز الدراسات اللغوية إلى أن الدراسة الدلالية قديمة قدم التفكير الإنساني،حيث كانت تظهر لدى اليونانيين والهنود القدماء اهتمامات خاصة بالبحث الدلالي، كما قدم الفلاسفـة والنقاد والبلاغيون العرب مساهمة كبيرة في الميدان. إلا أنّ أغلب هذه الدراسات ظلت جزئية وتكاد تقتصر على دراسة دلالة الألفاظ المفردة، أو محاولة الوقوف أمام دلالة جملة أو فقرة محدودة… »[2]
 
وبنفــس المرجعـية يكـون الشكلانيــون الـــروس قد شرّعوا لدراسة البنية السردية للقص Le conte بطريقة آلية تـتـنافــى مع ما يمكــن أن نعـتبـره من بعـــد اجـتمـاعي. ويكون بالتــالـــي لوسيان فولدمان Lucien Goldman قد دعا لتدقيق هذا المبحث وتعميقه بأصولية السرد وانبجاسه من واقع مأمول في بنيوته الجينية Structuralisme Génétique  حيث للمرء أن يحتفي بالدلالية داخل المنظومة الفكرية ولا يقتصر على إعادة صياغة آليات هي ذاتها تتطيق على أي أثر مشابه لما أقيم عليه المبحث. وبعبارة أخرى “الإله المختفي” Le dieu caché لقولدمان إعلانا عن قطيعة مع البنوية الشكلية البحتة.
 
بالنسبة إلى تودورف يلتزم الط الترميزي الدلالي بجملة من المنظومات الماقبليبة التي يجب اعتبارها في نفس المسار.
ويضيف الدكتور فاضل تامر في هذا النطاق الاستيطيقي قائلا:
 
« ولذا فيقطين يلقى على عاتق سوسيولوجيا النص الأدبي أو السوسيو-بويطيقا مهمة الإجابة على الأسئلة التي طرحها تودورف حول المستويات التي لم يهتم البويطيقيون بها بعد، وبالأخص المستوى الدلالي، ومعنى هذا كما هو واضح من موقفه الدعوة والقول للناقد إلى تجاوز وعي السينات والمرحلة البنيوية التي لم يبق ما يسوغها عمليا ونظريا »[3]
 
لقد تطور منظومة النقد مع الزمن ولم تعد تقتصر على وصف الآليات ومقارنتها لقد تمّ اللجوء إلى منطق حجاجي ينبئ به النص كما يحلو لسناروبنسكي أن يقول وهي البنية التفاعلية ما بين النص السردي وفعل القراءة.
إنه زمن المتعة واللذة الإيهامية التي يحلم بها القارئ أن قراءته للأثر الفني وقد يحلو للبعض المبالغة في اعتبار فنية النص فتتم عملية التأويل بطريقة آلية مفزعة من كل معنى حيث يكون التأويل الما قبلى حسب آليات متعارف عليها Stéréotypes تضمر وتحسب على النص ومن هذا المنطق نؤكد على الرؤى التالية:
 
– عدم إفراغ النص من بعده الأيديولوجي حين يقطع من سياقاته السياسية والفكرية.
– عدم اللجوء من الثنائيات الماقبلية: من خير وشرّ، ماضي وحاضر، كينونة وفراغ…
– عدم اعتبار النص السردي جملة قواعد بيانية وجمالية تخدم أهدافا استيطيقية وطبقية.
 
ولنا في مقاربات بياربوردييه Pierre Bourdieu في كتابة قواعد الفن اعتبار الأثر ضمن منظومة اجتماعـية طبقية تصنع وتوزع العمل بطريقة قصدية ولهذا يؤكد روحية فايول:
 
« ومما لا طائل من روائه الزعم بالتوصل إلى ترجمة حاسمة ولا زمنية للدلالة الأدلوجية للنصوص: إنها تكنن في الصراعات الأدلوجية الجارية وقت قراءتنا لتلك النصوص، مثلما سجلت كتابة هذه النصوص إبان إنتاجها الصراعات الأدلوجية في القرن الأخير ما هو الدور الذي لعبته هذه الصراعات في نقلها إلينا؟ ويبدو ولي مهما جدا لأن نأخذ بعين الاعتبار الكيفية التي تثقل بها المؤسسات المتحكمة في تكوين الظاهرة الأدبية [من دور النشر، ونقد، وخصوصا الجهاز المدرسي] بأثقال مبهظة جدا. » [4]
 
لا شك في أن وجود صورة للمجتمع داخل الأثر الفني لها دور أساسي في تذكية الوظيفة الرمزية ولكن الأساسي في كل ذلك هو مشروع المادة الأدبية في الترويج لفكر ما والدفاع عنه وبالتالي يصبح العمل الفتى مشروعا سياسيا دوره ومشروعه الواضح وإن كان يظهر في البداية على أنه مجرد أفكار ذاتية تنطلق من وجهة نظر شخصية. إن التداخل ما بين الذاتي والموضوعي في هذا الإطار يشحن الأثر السردي بهذه القدسية المزيفة فمع كل إيهام يتم إدراج منظومة جديدة وكأنها مثال يجب اتباعه وعلى القارئ أن ينفي كل الأمثلة المقابلة.
حين نعود إلى الأشكال الفنية الأولى في الحضارات القديمة نجد أنها تعبر أكثر على هذا الفكر الجمعي ومع تقدم الزمن أصبح الأنا الواحد الفرد هو الذي يهيمن ويطرح ما اصطلح على تسمية الأسلوب كبديل للإنتاج الجماعي عن السائد بأن يقترح النموذج الفردي كمثال يجب اتباعه وإيراد كل شيء مخالف على أساس الخطأ والواجب اجتنابه.
تربط الأعمال الفنية بمنظومة دينية أخلاقية تلمع صورتها وتخدمها حتى تبلغ القارئ بما يمكن التوصل إليه وفي تناسق عناصر جملة السرد والفن أمكن تبيان أهمية اللجوء إلى جملة من الثنائيات المقصية لكل مبدأ للثالث المرفوع على دقة بلورته وصفاءه.
أما بشأن المقدس والمدنس وتداخلهما أو تنافرهما وصيرورة ارتباط الإلهي بالكائن البشري فالمخيال يملي أحكامها؛ يقول الدكتور سعدي ضناوي:
 
« هناك ارتداد طبيعي للمقدس إلى عالم الأرض والناس. فآلهة اليونان التي تسير الكون من قمة الجبل الأولمب تنزل من عليائها وترتدي أشكالا لا إنسانية أو غير إنسانية لتمارس تأثيرا لها بصورة مباشرة. وكذا في جميع العبادات البدائية، لا بد للألوهية من موطئ قدم على الأرض يكون، بصفته هذه، مقدسا ويتبعه في القدسية “بضعة أشياء (أدوات العبادة)” وبعض المخلوقات (الملك، الكاهن) وبعض المجالات (الهيكل، المكان العالي، المذبح…) وبعض الأوقات… »[5]
 
إن المثال المعروف في الفن التشكيلي يعنينا بشكل مباشر فالنهضة الإيطالية مثلا في روما وفلورنسا وبالمر أكدت توهج تجربة الرباعي الثورية بالنسبة للحقبة التي تواجد فيها كل من رافاييل وماكايل انجل وليوناردر دافنشي وبوتي شيلي… فهي تحوي العناصر الأساسية التالية:
الوفاء لمبادئ المسيحية من تسامح وتضحية وذكرى وحنين.
الغفران ووصل الإنسان بالسماء.
إدراج الحلم في المنظومة الواقعية.
اعتماد السرد كصنو للوصف وكل عمل تاريخي وديني.
حين نعود للسرد القصصي ونخصص تجربة الكتاب العرب مثلا في هذا الإطار نجد عناء أغلبهم في استيعاب نظريات التحرر فالأدوات في أغلبها مقيدة.
الكاتب القصاص ينخرط عن غير وعي في منظومة الكتابة التي هي بالضرورة رؤية للحرية ونبش في مضامينها. يرى الدكتور مصطفي الكيلاني في وصفه لهذا الكاتب المقيد والمتحرر في آن، أن له دورا عظيما في عملية الإبداع:
 
« إن الإبداع واحد وإن تكاثر، والاختلاف موقف وإن توزع في آراء… وكأنني عند إعادة القراءة لما تضمنته شهادتي المذكورة (فصول) لا أتراجع الآن قيد أنملة عن الموقف في رسم مشهد الحرية العام في راهن وجودنا العربي:” إن المحظورات هي ذاتها لم تتغير ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، فمن حق الأديب العربي – عامة – أن يكتب، ولكن ليس له الحق في أن يكتب بطلاقة عن جسده، عن ذاته، عن الحب، عن جلاديه، عن هزائم حاضره، عن الخيانة عن الجريمة، عن التسلط، عن تاريخه القريب والمباشر، عن الفكر الذي به يفكر قومه، عن خطر الاضمحلال الذي يهدد كينونة الفرد والمجموعة على حد سواء ».[6]
 
والحقيقة في كل هذا هو أن الكاتب   هو بالضرورة ملتزم وإن شذت تجربته وتضمحت أناه إلى حد الوحدة المقيمة بيد أن الواضح في كل هذا هو أنه لا يستطيع البعد قيد أنملة على مسؤوليته ككاتب واع وعن هذه الوظيفة التعليمية في أدبه، تلك التي تبتعد بعض الشيء عـن الوعظية لتعانق الإبداع بكل أشكاله.
لا يمكن للرسالة الفنية أن تشحن إيديولوجيا دون أن تفقد صبغتها الإبداعية وتصبح مجرد وسيط Médium مفرغ من روح الخلق وتوهج التلقي.
فالعمل السردي ليس مجرد وعاء ولا إطار شكلي بحث يمكن من خلاله أن تمرّر كل الفكر الكامنة والمنظومات الإيديولوجية المحنطة. في القراءة الواقعية الاشتراكية شيء من هذا وخصوصا بعد توظيفي يجعل من العمل الفني عموما ثانويا جدا بالنسبة للبنية الدلالية التي تتسم بالقصدية. وقد أقرّ الناقد الكبير أدورنو بأن العمل الذي يمكن يقدر فنا بحتا هو في حدّ ذاته تعـبيرة اجتماعية وصورة تعكس الحقبة والعقلية وطرائق المعيشة وحتى المخيلة.
هكذا يختم الدكتور مصطفى الكيلاني مقاله متحدثا خصوصا عن الشرق وكتابه:
 
« أليس “إخفـاقـنا” الحضاري الراهن، كما يذهب إلى ذلك برهان غليون، هو إخفاق لنظام مسدود عاجز عن تقديم البديل الذاتي في الوقت نفسه: إن البديل لا يمكن أن يأتي كذلك إلا من خارج النظام، من الطبقات والفئات الاجتماعية والأفكار والقوى التي ظلت خارج النظام وقام النظام ذاته على استعبادها ؟ كيف ينشأ عصر جديد للكتبة العربية والحرية والاختلاف؟ » [7]
 
إن العصر الذي تحدث عنه الكيلاني هو عصر مأمول ينبني على مفهومي الحرية والاختلاف فالكتابة هي سفر في المجهول ومحاولة لمقارعة الحجة بالحجة ودخول في عوالم المحرم حتى تنبني من خلال كل هذا فضاءات أكثر صدق وأكثر تبليغا للقارئ.
لا يمكننا اعتبار المصطلح “الإخفاق الحضاري” لا متغيرة ولكنه مجرد استنتاج عن هذا التـقابل ما بين الشرق والغرب.
إن البحث في عتبات الشرق والغرب يمكن من اعتبار الكائن الإنساني الواحد الذي يعتدي من الجهة الكمقابلة قبل أن لها العداء. إن العتبة هي الفاتحة الأولى التي تمكننا من ولوج فضاء الحرارة وكأننا إزاء لقاءات شرق غربية كلها تفاعلات فياضة بالخلق والإيداع.
قد يكون في العمل افني الوسيط إلى دنيا القدس سماة التبئير فيضحي الوسيط إلى القدسي هدفا بقينه ومدارا للتلقي وبنية تعوّض الهدف الذي سطر من أجله التقبل وحتى تكون أكثر وضوحا نعطي مثال من يقدم قربانا لمرضاة إلهه وفي لحظة ما يصبح القربان في حد ذاته البؤرة الترميزية المعلنية عن التضحية وهذا يتطلب زمنا وتكلسا للمفاهيم مع مرور الوقت فيتم ما نسميه في دلالات الأسلوبية محايثة فانصها وداخل دائرة الرمز الأيقونة.
إن العتبة شكل قبل أن يكون مضمونا وهي في مضان النقد مواقع تعاقدية تهدي إلى سبيل النص الأسّ وتلج به مرافئ الكون والوجود.
لقد ضمن الناقد عبد المالك اشبهون في حديثه عن عتبات الكتابة في النقد العربي الحديث رؤى تنبجس من روح النص وتخضع لميثاق قدسي.
 
« لقد خلص لوجون إلى أن “ميثاق” قراءة كتاب ليس مرهونا فقط بالعلامات التي تصاحب الكتاب نفسه، ولكن أيضا من خلال مجموع الأخبار التي نستسفها من النصوص المعادية، الملحقة منها: استجواب بالمؤلف، الإشهار…
هكذا، نظر النقد الجديد إلى هذه العتبات لا باعتبارها مواقع نصية انتقالية فقط، ولكن بصفتها مواقع تعاقدية كذلك. إلا أن الملاحظ، هو تغير طبيعة العتبات المحيطة حسب المراحل والثقافات والأجناس الأدبية، وحتى عنه الكتاب أنفسهم (من كتاب إلى آخر) ومن طبقة إلى أخرى ومن ناشر إلى آخر، مع ما يترتب عن هذه التباينات والاختلافات من نتائج على مستوى الإنتاج والتلقي. »[8]
 
ولقد سبق لنا الحديث عن مسارات الناقد الفرنسي بيار بوردييه بخصوص الإنتاج والتلقي وهو يؤكد على تخصص كل ناشر في بنية أيديولوجية يمكن معرفة أركانها وتوجهاتها وأهدافها.
ولكن الأهم في هذا الإطار يمكن أساسا في الفضاء الاقتصادي الذي أساسه يكون الأثر قد حقق وجوده في كل جرأة وتحدّ.
 
إن الرواية العربية قد اتسمت في معنى ما باتباع قارئها حيث أطنب باعة الأحلام أو الكتاب العرب في تصدير هذه البضاعة لمن يشتريها وأضحت المحاور التالية هي الأصلح لأن تكون تابعة للمنظومة الاقتصادية:
الاختراق الجنسي للطابو Tabou والطوطم Totem.
الارتهان إلى مركزية سياسية غير منضومة تحت لواد السلطة.
التفكير خارج الدائرة العادية.
الإغراق في التجريب وإضفاء مسحة ميتالوغوية في البناء الإبداعي.
العودة إلى التراث قصديا كعملية دحض للعولمة وتصدياتها.
 
يضيف عبد المالك أشبهون إلى ما سبق وأعلنه بخصوص ميثاق القراءة:
 
« كما أن فعل القراءة، هو الذي حدا بهنري ميتران إلى اعتبار هذه الإرساليات النصية الموجودة في محيط النص ذات أهمية استثنائية. إنها تسترعي انتباه القارئ وتساعده في أن يجد كنفسه موقعا في النص، بالإضافة إلى أنا تستهدف توجيهه وتحفيزه وترسم له أفق انتظار معدد.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار أن المواقع الاستراتيجية كامنة فقط في حدود النص المركزي، بل يجب اعتبار أن كل نص أدبي يتشكل من مواقع نصية في حدها الأدنى، والتي تعتبر بمثابة بداية الاتصال بين النص وقارئه، وهذا ما تضطلع به عادة العتبات بامتياز. »
« ويمكن القول كذلك، إن العتبات، عموما، هي بمثابة “خطاب حاشية” Lisière بتعبير فيليب لوجون، وهذا الخطاب يتحكم في القراءة كلها ويوجهها، فهي (أي العتبات) تـُـبرمج نموذج القراءة وسلوك القارئ، كما قد تنصب له حب لا سيميائية مقـصودة »[9]
 
ولنا أن نشير في هذا النطاق بالذات إلى أهمية تناول المقدمات في كل عمل روائي عارفين أنه الغرب تشكل المقدمة أو التمهيد أو فاتحة التمهيد (نتحدث هنا آثار القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون في أوروبا) كلها تشكل المدخل الشرعي للأثر وربما زادت في إشكالات إبداعه وخلقت استيطيقا تناوله. المثال الممتع في كل ذلك يخص المقدمة La préface  لكتاب جان جاك روسو لرواية “الهلويز الجديدة” التراسلية La nouvelle Héloïse وفيها من التفاعل المركب مع عقد القراءة.
لا شك في أن العتبة مدخل محدد لآفاق السرد وعقد يمضى مع قارئ مضمر Implicite يختزل قصدية التلفظ ويحاور الإبداع في حركية دانية للتخييل. إنها عتبات جيرار جينات:
 
« تمثل العتبات مواقع استراتيجية في النصوص الأدبية وغير الأدبية. وهي لذلك تمتلك كل المفاتيح الممكنة وغير الأدبية. وهي لذلك تمتلك كل المفاتيح الممكنة لفهم الدور المخصوص الذي تلعبه هذه العلامات الافتتاحية في اختراق البنية النصية العامة للمقروء ةالسيطرة عليها. »
 
 وتكون البنية النصية العامة في تلاقح مع هذه العتبة التي يقدرها جينات Genette كخطاب على الخطاب أو كتابة تنبثق من الكتابة الأولى وسواء أكان الكاتب هو الذي قدم لها أم أنه ناقد وأكاديمي هو الذي بادر بتقديمها.
نلاحظ في هذا الإطار أن المقدمات للرواية في الكتابات العربية المعاصر تبدو في أغلبها ذات بعد نظر حجاجي وكأنها تدافع نظريا عن أسس الكتابة الروائية وتعير عن جديدها ولا يمكن أن نستثني من المقدمات الضامنة في الأثر إلا بعض القامات النقدية كالأستاذ توفيق بكار والأستاذ صبري حافظ والروائي جمال الغيطاني والدكتور صلاح الدين بوجاه والدكتور محمد الهادي للطرابلسي وغيرهم وغيرهم ممن قدر أن العتبات ولوج لعوالم ذات بال ولا يمكن بحال إيرادها مجاملة انطباعية أو شهادة لعلامة مسجلة أو دعوة لتوثيق عقد قراءة شكليا.
هذا المجال الدقيق بقي لسنين في العالم الروائي العربي موسوما بروح المحايثة ولم يخترق قدسية رجّ المفاهيم والزجّ بها في مسارات التساءل والحيرة.
 
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      حين نتناول الأثر السردي العربي ترانا نحاول المسائلة النقدية ونرى فيها كثيرا من التجني إذا لم نعر أهمية للخصوصية.
ضمن التداعيات المتشعبة للتسريد حيث يعود لكتاب محمد الخبو “الخطاب في رواية ” يقول ثامر اغزي في مقاله الخطاب القصصي في الرواية العربية المعصرة وهو عرض لكتاب الدكتور محمد الخبو:
 
« ويكون رابع العُـمُـد لعبة الراوي والكاتب في إخطيط لإميل حبيبي، حيث عرض لمختلف مهام الراوي من مجرّد ناقل للأحداث إلى متكلم معلق ليعود بعدها إلى عرض إشكالية علاقة الراوي بالكاتب، ثم علاقة الراوي بالمروى له. وقد كان المؤلف في غضون كل هذا مدفوعا بالبحث عن خصائص “العقد الروائي” وما اعتراه من فرق يتدخل الراوي في أحايين كثيرة وقد خلص الأستاذ الخبو إلى أن “ما قال به الإنشائيون البنيويون من تغييب للكاتب في النص لا ينطبق على كل النصوص.” ولكن ألا يكون هذا الحضور للراوي وللكاتب ضربا آخر من عقد الكتابة؟ ثم ما الذي يضمن أن “من” ظهر في النص هو الكاتب عينه؟ ألا يمكن أن يكون مظهرا من مظاهر الراوي كما كان الراوي آلية من آليات الكاتب؟ »[10] 
 
وقد أوردنا في مثالي صلاح الدين بوجاه ومصطفى الكيلاني إلى أن مدى كان حضور المؤلف المتلفظ داعيا للقارئ إلى إعادة النظر في منظومة الإيهام في المسار السردي، إلى أي مدى يكون الوثوق بالتخييل؟
فكأننا بالراوي يوقع لحظة للتساؤل وبث الشك في استرسال الأحداث ووجوه الشخصيات ورؤاها المتطورة مع كل حدث ورمزية تمثلها للمكان وللزمان كما سوف نتعرص بخصوص رواية جان جيونو “الشاويش على السطوح” هذا الفارس الآبق الذي يعتلي عرش النبل فوق سطوح العفن وطير الموت المخيم عليه من دون سبب إلا الإيقاع به في ظلام الردى.
 
وجب في دراستنا للغة السردية أن نعود إلى مفهوم التواصل فاللغة ليست حاويا لمعاني ودلالات ولكنها وجوجد بأتم معنى الكلمة من خلال المقاطع الوصفية ويمكن أيضا أن ندرج خصائص الخطاب الشعري كخروج عن كل نظام وكل محاولة العود إلى منظومة متناسقة ومناسبة تمام التناسب مع إيديولوجيا الراوي.
 
إن اللغة نظام لا تفي في كل الحالات بخصوصية الواقع وراؤه المختلفة:
 
« إن اللغة لا تقول الأشياء، ولكنها تقول رؤاها للأشياء. وهذا يعني أنها لا تعكسها، ولا تنعكس فيها. فاللغة ليست مرآة، وكذلك حال الأشياء. وإذا كان الاعتراض هو أن اللغة تعيش وجودها في جدل مع الواقع تجاذبه ويجاذبها، فإن فهم الواقع ف‘فإن فهم الواقع والتعبير عنه، أو تزويره والانحراف به، أو ولوجه والاستعواذ عليه، لدليل على سيطرة اللغة عليه، بل وعلى تحويله وإعادة إبداعه تركيبا وصياغة وإنشاء. »[11]
 
إن الإبداع اللغوي ينطلق من استيعاب بلاغي للسرد ومحاولة للتأكيد على الوظيفة التعليمية التي من خلالها تكون اللغة قد انسابت في مسارات المنطق المؤسس لقاعدة روائية مناسبة.
لكل لغة أنساق تجري من خلالها وحضارة ترتد إليها مع مدّ أعناقها إلى ثقافات أخرى تنهل منها وترتوي من تجاربها.
يجب أن نورد في هذا الإطار بعض الأمثلة الشهيرة بالرغم من تشبثها باللون المحلي واللغة المنبحسة من طين الأرض:
الكوميديا الإنسانية لبلزاك.
العطر لسوسكين.
مائة سنة من العزلة لمركاز.
عناقيد الغضب لشيانباك.
الأحمر والأسود لستندال.
مدام بوفاري لفلوبير.
الثلاثية لمحفوظ.
 
وغيرها من الروايات التي تمثل تشابكا للغوي وللفضاء وللترميز…
كثيرا ما يلقب الناقد بحارس المدافن لأنه يحافظ على مدافن الكتاب وآثارهم ولا يزيد على تلميعها وجعلها نسر الناظرين غير أن المسار البارتي أظهر أن المهمة النقدية قد تكون في مقام الإبداع بتذوق تجربة لذة النص والغوص في المنظومة الإبهامية بكل وعي وغيره على العمل العلمي السيميائي والتداولي.
إن الكتابة النقدية تقدم المقاربات الوضعياتية Situationnelle لفعل الكتابة والسرد وتحاول محاورة الشبكة الإحالية ضمن الشكل التواصلي لجاكسون:
 
بـاث ←  [رسالة]  ←  متقـبل
شفرة       إحالة         قناة
 
يستعرض الدكتور محمد عبد المطلب هذه الصيغة مثنيا على النقاد:
 
« أما رولان بارت فإنه يتحدث عن النص بوصفه جيولوجيا كتابات وقراءة التوسيم Althusius على هذا النحو تصبح فنا لكشف ما لا ينكشف في النص نفسه، بتحديد علاقته مع نص حاضر لغياب ضروري في الأول ويعلن ستاروبانسكي أنه بالرجوع إلى قوانين ديي سوسير يتبين أن “كل نص هو إنتاج منتج” ويذكر جان جوزيف أن الإنتاج التنامي يثير من جديد مصطلحا آخر ساذجا هو مصطلح المرجع Référant إذ الكتابة لا تربط بمرجع ولكن بكتابة أخرى كتابة تعتمد العلامات الاجتماعية الكلية كوسيلة استشهاد لها. » [12]
 
ولا يمكن أن نغض الطرف عن هذه المقاربات اللسانية التي تضفي على منظومة التواصل مصداقية وشفافية مثلما نجد لدى اللساني جورج كلايبر من مقاربات زمانية مكانية للحوار في مستوى الدلالة Déictiques فلا نصل بالضرورة إلى تحديد المعنى الأولي لجملة تساؤلية أو تقريرية إلا حين تبحث عن المقاصد المضمنة والمقاربة الوضعياتية ونجد مثل هذه القراءات اللغوية لدى النحاة العرب القدامى في كتابات الاسترباذي والجرجاني وغيرهم ممّن أدرج النحو في المنظومة البلاغية التي هي في نظرنا أشمل من المنظومة الأسلوبية.
في ضوء هذه الرؤى النقدية نتبين أن الكتبة الروائية في العالم الشرقي قد تأثرت بالإبداع الغربي إذ هو أضحى إنسانيا بالرغم من تشربه بالألوان المحلية على تنوعها وتداخلها بصفة متباينة ومتألقة في آن واحد.
نلاحظ أن اتجاهات الرواية والسرد في العالم العربي مثلا لا تخرج عن مسارات ثلاثة قد يكون من التجني أن نسوقها ولكنه عمل إجرائي واجب الحدوث حتى نتمكن من التصنيف بطريقة منهجية:
أ. الرواية التراثية ذات السند التقليدي مع الإحالة إلى طرائق الكتابة الكلاسيكية.
ب. الرواية الرمزية ذات البعد الإنساني والإحالات التناصية.
ج .الرواية الواقعية النقدية المستندة إلى إيديولوجيا لا نظامية.
د. الرواية التجريبية الضاربة في بويتيقا الشكل.
 
من الأمثلة العامة في عالمنا العربي تجربة الروائي حنا مينة الذي مثلت تجاربه السردية منعرجا في فن القص بالنسبة إلى معاصريه تشبثه بصور البحر وتيه “الأنوت” المضمرة في كتابته الضاربة في عمق الوجدان أضحت أكثر وثوقا .حين صرح في إحدى اللقاءات حول أدبه الروائي بأنه يعيش ما يكتب و أنه عمله ليس مخبـريا داخل المكاتب بل هو صراع أبدي مع عناصر وشعور بالذل والحرمان بعد تعدد الوظائف التي كان قام بها في حياته.
في الحقيقة نحن لا نخفي إعجابنا بالمسار السردي لحنا مينة بيد أن الدراسة الممتفنة لعملية الخلق والإبداع لا تفترض بالضرورة عيش المغامرة حتى يتم التعبير عنها بطريقة واقعية جدا ولكنه عامل مهم ورئيسي في إرساء عقد القراءة البناء. في حياة طه حسين المشبعة بالسجن والمغامرة والغضب والتوق والثورة أكبر لكتابة الأيام ولكن هذا المثل يمكن أن لا ينطبق مع أمثلة أخرى لا علاقة لها مباشرة مع البحث السردي والمسار الروائي الذي انخرطوا فيه. نحن نعلم أنئذ أن النقد البيوغرافي والانطباعي يقع دوما في مطبات الأحكام المسبقة والآراء السريعة الاستنتاجات.
حين نعود إلى الباحثة جليلة الطيرطر في رؤيتها لأدب حنا مينة نجد أنها تضف على دراساتها البعد السيميائي الضروري. ومقالها: في شعرية الفاتحة النصية L’incipit “حنا مينة” نموذجا، أطنب في تحليل المقام السردي:
 
« إننا نرى أن إشكالية تعيين حدّ الفاتحة النصية من أهم القضايا التي يمكن طرحها في مثل هذا الاختصاص الذي يُـعنى بأسلوب الكتابة السير ذاتية ذلك أن هذه القضية إلى جانب كونها تمثل في الحقل الروائي مبحثا نقديا هاما يتصل بالتركيبة الوظائفية للسرد وكيفيات تفكيكها إلى بنى دلالية دنيا فهي بالنسبة إلى الخطاب السير الذاتي تتجاوز هذا المستوى وتحيل على قضية يرتبط فيها البناء السيميائي والدلالي للسرد بقضية الوجود الذاتي الباحث في هذا المشروع عن إنشاء نقطة سردية مركزية منها ينبع المشروع كلها وإليها ترد تفاصيله والتصور الذي عليه يقوم. »[13]
 
إن القراءة النقدية التي ذهبت إليها الباحثة جليلة الطريطر تثير قضية هامة في نظرنا لأنها قد تشبعت بالرؤى السردية التي دعا إليها جيرار جينت وبتقنيات الوصف التي أسس لها فيليب هامون Philippe Hamon في كتابه Du descriptif أي “في فن الوصفي”.
ولكن الذي يمكن أن نضيفه في هذا النطاق هو اعـتماد النقاد السالف ذكرهم إلى مرجعيات معينة ذات بعد إقليمي محدد حاولوا من خلالها أن يستنبطوا قراءتهم النقدية، فهل يمكن المرور إلى التطبيقات على نماذج الرواية العربية دون اعتبار لمطلب الخصوصية ولا لسمات الإبداع الشرقي. الواضح في كل هذا هو أن المباحث النقدية قد انبنت بالضرورة على أسس الإبداع الذي يكون في أغلب الأحيان الباعث للمباحث المختلفة و الصانع للمفاهيم المحددة و الضامنة لكل الاعتبارات النظرية.
إن التنظير ينبني على أسس التجارب العديدة وينطلق من المنحى الوصفي حتى إلى تبيان القواعد الممكن إتباعها والسماء الممكن إقرارها في هذا الخضم.
والسند يخضع عادة لهذه الفترة الزمنية التي تضمن شهرة الأثر وتمثيلية حتى يصبح للعمل الروائي إجماع في مستوى التلقي ولنا في مثال أحد الأعمال في مستوى التلقي ولنا في مثال أحد الأعمال الأولى في مخيلة العرب وهو كتاب “ألف ليلة وليلة” والذي يجعـل عناصر القص وماشرب التأويل في الأغراض الأولـــى التــي هـي فـي الأصل شكل مخيال Archétype عـلى حســب اصطــلاح جيـلبــار دوران Gelbert Durand يمكننا ذكر بعض الترسبات السردية:
التدرج الزمني في الحكي.
اعتماد أسلوب التشويق.
ارتباط عنصر اللذة بالموت.
تميّز العنصر النسائي وتفوقه.
رمزية شهرزاد وشهريار وتقابلهما.
 
في غير هذا المجال نجد الرواية المغاربية قد قربت أكثر إلى المنظومة الغربية للسرد وذلك لاعتبار الوضعية الاستعمارية السابقة وتوسخ الثقافة الفرنكوفونية في تشكلات كتابة المثقـفيـن والمبدعين الذين تميزوا في تحدّيهم لربقة الاستعباد بيد أن أغلبهم سقط في فلسفة الردّ بالسرديات دون أن يكون لهم سند شرقي بيّـن كالمقامات وفن الترسلل العربي والسريدة الشعرية (نشير هنا إلى أطروحتين متميزتين للدكتور ومحمد بن عياد وللدكتور فتحي النصر من الجامعة التونسية) والنهضة الواضحة للحكى العربي كالمسار المحفوظي والتوجهات اللبنانية والسورية في الرواية وغيرها.
المثال الأول الذي يحسن بنا إيراده هو مثال الطاهر بن جلون وهو الذي برر استعماله للغة الفرنسية بالعسل المرّ وهو ملاذه الاستيطيقي في “ليلة القدر” و”طفل الرمل” حيث عالج سمات الموطن بعين الغريب.
في المثال الثاني هو للروائي رشيد بوجدرة في رواياته المتعددة: ضربة شمس، الانقلاب حيث سكن ثورة المتحدي لكل القيم.
والمثال الثالث هو للروائية خناته بنونة التي أضحت تجربتها مرتبطة مع روحها الفريدة في استنطاق الذات ونبشها.
متشعبة في فلك جنا مينة تؤكد جليلة الطريطر من منظور المقاربات الحديثة:
 
« أما المزية الثانية فضاربة بجذورها في أرضية السرد، معمقة لدلالته ومطوّرة لطبقاته المعنوية المخيلة على تمشهد الاغتراب والضياع والفاقة والعجز في لوحة الحياة المتردية
لذلك فإن الوصف هنا لا يصح عليه رأي فيليب هامون Philippe Hamon من أنه بالأخص ذاكرة النص وضميره اللغوي. أي أنه ذلك الحيز الذي تتجلى فيه خاصة كفاءة المؤلف اللغوية وقدرته على اختزان اللغة وتوليدها في قوائم أقرب إلى التوثيق والتصنيف منها إلى الدلالة على معرفة معمقة بالعالم والأشياء وهو ما يعبر عنه بالوصف الكمّـي »[14]
 
إن الوصف في البنية الحكائية عنصر وجود وليس ديكورا مكملا للشخصيات وللأحداث فمن يعتبره صفحات يمكن الاستغناء عنها فقد حاد عن سبيل القص وجانب الحقيقة لأن الوصف يُـضمن أبعادا سردية استشرافية.
يمكننا أن نتسائل عن إنشائية الأدب المقارن ووجود داخل المنظومة النقدية:
 
« فهل في الإمكان أن نفكر في “إنشائية مقارنة ” (Poétique comparée) تدعم مثل هذه الوجهة في التناول الجامع بين معالجة الأدبية داخل الروايات، ومقارنتها بما ينشأ من أدبية أخرى ،أو أدبيات مغايرة، داخل النماذج الروائية الأخرى؟
فمثل هذا المنهج المستند إلى منطق الاختلاف والباحث عن التعرض إلى الازدواج وإبرازه هو الكفيل بالغوص في الرواية في هذا الطور من أطواره تاريخها فالدراسة مدها بما يسهم في البحث عن عناصر القوة التي تكتسبها كل من المدونتين المقارن بينهما بالاستناد إلى المدونة الأخرى. يمكن هذا من توظيف التقاطع الملاحظ بينهما لخدمة غاية أخرى قائمة على دعم كل منهما للأخرى، والتماس مبررات جديدة لوجودها وازدهارها. هكذا يكون التناسب العكسي بين المدونتين من الجسور المؤيدة على دعم وجودهما ونمائهما. »[15]
 
تعبر الرواية مساحات النقد طي مسارها السردي وهي في ذلك الشأن شديدة الالتزام بخطها النقدي للواقع ويكون الخيال في حالات عديدة المكان المثالية والذي ينبثق منه أمل المؤلف. وفي نطاق بحثنا عن هدف ممكن للروائي وسمة تجعل منه فاعلا داخل البنية الخيالية التي شيدها
يقول الدكتور صلاح الدين بوجاه بهذا الخصوص:
 
« فأغلب الروائيين في مدونتنا قد التزموا بالتخييل، أو بالزج بالواقع في أطراف المخيال. والتخييل يقتضي جانبا من الحياد وعدم المباشرة في تناول الأغراض ، والالتزام بالإشارات الخفية والمحمل البعيد. وتجمع الروايات التي عالجنا على عدد من القضايا من أولاها بالإشارة أن كتابنا ينشدون ابتداع بديل للحاكم المطلق. والآله المطلق، والجسد المطلق، والمعرفة المطلقة، بديل يبتسم بالنسبية والسلاسة وعدم التسلط. »[16]
 
وكلما نقرأ رواية تخرج من هذه المنظومة التي تعجعل الطرح الايديولوجي قائما داخل مساحة التخييل. إن في تداخل الكتابة السردية بمرجعيتها الشرقية وسندها الغربي تذهب في أبعاد الكتابة الفكرية وتعدى شعريتها.
هل من ضرورة تدعو الناقـد للتصنيف حسب الجنس الأدبي والمدرسة؟ قد تكون الإجابة السلبية أيسر لكن المهم في كل هذا هو انبثاق النقد من الأثر نفسه.
في منظور د. محمود طرشونة تكون القضية في هذا النحو:
 
«إن الفن هو الذي يميّز كاتبا عن آخر، إذا اشتبهت السبل وتشابهت المعاني، وهو الذي يُـمكن من تصنيف المؤلفات إلى حملة من المدارس، وإن كان التصنيف أحيانا يستعصي لتعايش الأساليب المتباينة في الأثر الواحد، وعند الكاتب الواحد» [17]
 


[1] د. حفناوي بعلي. عالم الفكر – 35 يونيو 2007 – ص.13.

[2] د. فضل تامر- كتابات معاصرة.

[3] نفس المصدر – ص.7.

[4] روجيه فايول – أي نقد اجتاعي لأي أدب – كتبات معاصرة (8) 1990 –ص.30.

[5] د. سعدي ضناوي – المقدس والمدنس – كتبات معاصرة – 23 – 1995 – ص.31.

[6] د. مصطفى الكيلاني – كتبابات معاصرة – 23 – 1995 – ص.67.

[7] د. مصطفى الكيلاني – كتبابات معاصرة – 23 – 1995 – ص.70.

[8] عبد المالك أشهبون – علامات في النقد – ج58 –م 15 – ديسمبر 2005 – ص.280.

[9] عبد المالك أشهبون – علامات في النقد – ج58 –م 15 – ديسمبر 2005 – ص.280.

[10] ثامر الغزي- الخطاب القصصي… علامات – ج58 –ديسمبر 2005 – ص.422.

[11] الدكتور مذر عياشي – اللغة والأشياء علامات النقد – ديسمبر 1991 – ص.90.

[12] محمد عبد المطلب – التنامي عند عبد القاهر الجرجاني علامات النقد – 3 مع1 – 1992 – ص.59.

[13] جليلة الطريطر- في شعري الفاتحة النصية علامات 29 – سبتمبر 1998 – ص.147.

[14] جليلة الطريطر – في شعرية الفاتحة – علامات – ج29 – 1998 – ص.168.

[15] صلاح الدين بوجاه، في الألفة والاختلاف، بين الروائي العربية والرواية المكتوبة بالفرنسية في تونس، منشورات ك أ ق ودار الجنوب للنشر تونس 2005 ص.420.

[16] صلاح الدين بوجاه، ص414.

[17] محمود طرشونة، من أعلام الروائع في تونس، مركز النشر الجامعي، 2002 ص.71.
 

اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات