إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

لماذا العتب على جنبلاط؟

لماذا العتب على جنبلاط؟نضال نعيسة
أثارت خطوة وليد جنبلاط المفاجئة كماً من التعليقات والمواقف المتضاربة حيالها. وكانت تلك المواقف الناقدة، قد أتت من أوثق حلفائه في ما كان يسمى بفريق الرابع عشر من آذار الذي يعتبر الآن في حكم الموات السياسي.، كما من تلك الأقلام التي كانت معجبة، كثيراً، ذات يوم، بالرقص الجنبلاطي الساخن، على إيقاع تصريحات العم الأمريكي.
 
 
 
 وفي الحقيقة لم تشكل خطوة حنبلاط أي أثر في إضعاف هذا الفريق، كما لم يشكل وجوده سابقاً فيه أية قوة لهذا الفريق الذي اتسم عموماً بالضعف والحيرة والارتباك، والذي لم تنفعه الموازنات الهائلة التي بذلت في طريقه وعجز عن تحقيق أي هدف سياسي، أو معنوي آخر. فهذا الفريق الآذاري لم يكن له أي قوة فاعلة، عملياً على الأرض، لا بوجود وليد بيك فيه، ولا بخروجه منه. وربما أدرك جنبلاط هذه الحقيقة، “المرة”، من زمان، وأكثر من غيره، وعرف بحسه السياسي أين تكمن مواقع القوة، والقرار اليوم، كما الأمس في لبنان، ومن هو الذي يسيطر فعلياً على الأرض؟ كما أن فريق الرابع عشر من آذار لم يستطع، وبالرغم من حجم الدعم الإقليمي، والدولي الهائل له، من إحداث تلك المكانة التي كانت مأمولة منه على المسرح السياسي، ناهيك عن العسكري الذي لا يكاد يذكر، وهو ما يعول عليه في النهاية في عالم السياسة الذي لا يعترف إلا بالأقوياء. وظل أداؤه مرهوناً دائماً بتقلبات الطقس السياسي الخارجي، إقليمياً ودولياً. وكان مشروعه السياسي مرتبطاً عملياً بهذا الخارج. ومن هنا كان انهياره المريع وتضعضعه الفظيع، مع انهيار المشروع الإقليمي والدولي، وأفول حقبة بوش الصغير. على عكس الفريق اللبناني الآخر الذي استمد شرعيته وقوته على الأرض بالتصاقه بحقائق الجغرافيا والتاريخ، وتمسكه بالمصلحة الوطنية العليا للبنان، التي بنى جل إستراتيجيته عليها.
 
 
 
قد يكون من المفيد تماماً، العتب، ولوم جنبلاط جراء تحركه الأخير، لو كان الأمر سيشكل فعلاً تحولاً نوعياً في مكامن قوة الفريق الآذاري، ولكن طالما أن الأمر سيان فإن هذا العتب غير مفهوم، بقدر ما هو غير مبرر. ولأن سوريا، أيضاً، وهو الأهم، لم تكن بحاجة لمواقف من أي كان لتدعيم موقفها، وتقويته. كما أن التحول الجنبلاتي كان قد أتى بعد وقت طويل من استرخاء سياسي عام بات السمة المميزة، راهناً، للحال السوري. بمعنى آخر إن تحرك جنبلاط الأخير لم يقو البتة موقف سوريا مثقال ذرة، كما لم يساهم اصطفافه ذات يوم عامل في إضعاف الموقف السوري، وإن كان يعزز، من وزاوية أخرى، من مصداقية وصوابية هذا الموقف إلى حد كبير، بقدر ما يؤكد، في نفس الوقت، على الحقائق الجيوسياسية الساطعة التي تموضعت في المنطقة، مؤخراً.
 
 
 
فما يستنبط فعلاً من مواقف جنبلاط الأخيرة، وهو على أية حال، أمر غير خفي، ومؤشر ملموس إلى حد كبير ، هو المكانة الإقليمية البارزة التي خرجت بها سورية من الأزمة الأخيرة، وقد جاءت حركة جنبلاط الأخيرة لتعزز، بشكل ما، وتكرس تلك الحقيقة، ليس إلا، لكنها لم تصنعها، ولم تساهم بصنعها، بأية حال.
 
 
 
 ولكن بنفس الوقت، والحق يقال، لا يمكن إنكار البراغماتية السياسية العالية الظاهرة في التحول الجنبلاطي، والتي تتطلب دائماً الوقوف بجانب المنتصر والقوي. وهنا أيضاً، وبنفس السياق، لا يمكن لنا أن ننسى اصطفاف جنبلاط السابق، في صفوف التيار “اليميني والرجعي” العربي، حسب خطاب جنبلاط الأخير، متناسياً في حينها الموقع الطبقي لحزبه الاشتراكي. غير أن الواقعية، بل لنقل بسفور أكثر، “الانتهازية” السياسية هي التي كانت تتطلب ذلك، في ذروة الهجمة البوشية الماكرة ضد الوطن السوري، والتي أوحت، في حينها، لغير المتبصرين، بانهيار وسقوط وشيك للنظام. وهذا حق طبيعي لجنبلاط، فكما نعلم جميعاً، أن لا ثوابت في السياسة، فلا مبادئ، ولا أخلاق فيها أيضاً، لأن المصلحة وحدها، هي من يتحكم بالقرار السياسي، والرجل بكل بساطة “عم يشتغل” سياسة، وهو ليس مصلحاً اجتماعياً، ولم “يفتحها تكية”، أو جمعية خيرية. ومن حقه، ومن مصلحته، أيضاً، أن يقف في المكان الذي يريد، أو يلوذ بالفريق الذي يعتقد أنه يؤمن الحماية له، وأن يجد له، ولو مكاناً قصياً ومظلماً في الترتيب الإقليمي الجديد. وهذه من بدهيات أي عمل سياسي، ويبدو أن البعض لا يدركه ولا يعيه.
 
 
 
كما بات واضحاً، على جهة أخرى، ومن خلال التطورات، ومآلات الوضع اللبناني، بأن لا عيش ولا تنفس، ولا هواء لهذا البلد من غير سورية، وأن أي كلام و”هلوسات”، عن ما يسمى استقلالاً عن الوطن الأم الحاضن، هو ليس سوى عملية انتحار سياسي لكل من يتبنى هذا الخطاب الطوباوي. فإلى اليوم، مثلاً، لم يتمكن اللبنانيون، من تلمس طريقهم واستكشافه، ومعرفة كيف سيعيشون، بعد خمس سنوات من قرار سورية السيادي، بترك لبنان وشأنه. ففي ظل هذا الغياب السوري “الجائر”، لم يستطع لبنان “الاستقلال”، حتى اليوم أن يشكل مجرد وزارة وطنية واحدة، أو الخروج من الدهليز الطويل الذي وضعه فيه من صدقوا خدعة بوش الكبرى، بالثورات المخملية، والبرتقالية، والبنفسجية، التي لم تكن سوى واحدة من أراجيفه التي انتهت إلى غير رجعة، ولم تكن الغاية منها خدمة أحد، باستثناء المصلحة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
 
 
 
خلاصة القول، موقف جنبلاط لن يقوي من موقف سوريا، بحال، وإن كان سيقوي من موقفه هو بالذات، ويدلل ويؤكد، في ذات الآن، على كثير من المؤشرات. كما أنه لن يضعف فريق الرابع عشر من آذار، لأن ذلك الفريق لم يكن في أي يوم من القوة التي يحسب لها أي حساب. ومن هنا، ثمة عبثية، ولا طائلية من كل ذلك العك والجدل، والقيل والقال، الذي يطال الرجل الذي يمارس السياسة، بحق، على نحو رفيع، وعال، سواء اتفقنا أم اختلفنا معه، لكن اللوم والعتب على من لا يدرك أبجديات السياسة. فإن أي سياسي آخر، في موقع جنبلاط، قد يتمكن من قراءة الواقع بعمق، وإدراك، فإن ذلك لن يقوده إلا إلى نفس قرار جنبلاط ، حتى لو كان المرشد الروحي، أو زعيم فريق الرابع عشر من آذار، بالذات.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد