إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

العرب وتهديد القيم والحضارة الغربية

العرب وتهديد القيم والحضارة الغربيةنضال نعيسة
كثيراً ما سمعنا في الخطاب العربي الشاكي الباكي من التآمر الغربي على العرب، ومحاولة تقويض أسس الوجود العربي، وأخلاقياته، ووجوده، وتراثه. غير أن الحقائق والمستجدات تكشف في كل يوم عن جديد في هذا الشأن، وعمـّن يحاول تقويض أسس الوجود الأخلاقي والغربي، ويجبر هذا الغرب ليس على التراجع، لا بل التنكر للكثير من القيم والمبادئ والمثل الغربية الديمقراطية والليبرالية والقانونية والحقوقية، التي بدأت صياغتها الثورة الفرنسية، واستكملت في عصر الأنوار، وصولاً إلى ما هي عليه اليوم.
 
 
 
فقد طغى الحدث الليبي في اليوميين الماضيين على هذا الصعيد بشكل كبير ومؤثر، حين أجبرت الدبلوماسية الليبية، حكومة اسكوتلندة، ومن دون معرفة ثمن ذلك الإجبار حتى اللحظة، على إطلاق سراح عبد الباسط المقرحي، “لأسباب إنسانية”. المقرحي الذي كان محكوماً بالمؤبد بتهمة تفجير طائرة البان آم الرحلة 103، فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية، في العام 1988. والطريف ما كان من تعليق أوباما، وهمـّه الأكبر، من الموضوع، هو ألا يتم استقبال المقرحي بشكل جيد، وأن يوضع تحت الإقامة الجبرية. ولم تكد طائرة المقرحي تحط في العاصمة الليبية، حتى طلع علينا، وفي سابقة غير معهودة، الرئيس السويسري هانز ردولف ميريز بتقديم اعتذار علني للحكومة الليبية عن احتجاز ابن الزعيم الليبي معمر القذافي هنيبعل القذافي لفترة وجيزة العام الماضي، من قبل شرطة جنيف، لأن هنيبعل انهال ضرباً على اثنين من خدمه إبان تواجده في سويسرا، الأمر الممنوع، والمحرم في الثقافة الغربية، على عكس الثقافة العربية التي تعتبر ضرب المرأة واجباً شرعياً. وقد هددت ليبيا، في حينه، بقطع إمدادات النفط عن الاتحاد السويسري، وسحب بلايين الدولارات من البنوك السويسرية، ما أجبر الحكومة السويسرية على الرضوخ والإذعان، وبالتالي التراجع عن كافة الإجراءات القانونية بحق “الولد” الليبي المدلل والبار.
 
  
 
فضيحة عربية، أخرى، بطلها هذه المرة النظام السعودي الذي يدير واحدة من أشد الأنظمة القرووسطية انغلاقاً وتزمتاً، وأبشعها ممارسة وتسلطاً. وهي لا تتعلق بالطبع بضرب وسوء معاملة الخدم، الجارية على قدم وساق في المملكة القروسطية، إنها فضيحة اليمامة الأشهر. ولكن من المفارقات المضحكة، في هذا السياق، أن هذا النظام هو على خلاف سياسي مع النظام الليبي، غير أن “القيم العربية”، المشتركة تجمع فيما بينهما في الكثير من العناوين العريضة، هذا النظام الذي “يتشرف أمراؤه”، أبطال الفضيحة أنفسهم، بغسل جدران الكعبة كل سنة، كان قد أجبر حكومة توني بلير، على وقف التحقيقات في قضية فضيحة اليمامة التي تعتبر واحدة من أكير فضائح العصر الإفسادية.
 
 
 
وتعقيبا على تلك الفضيحة، وفقاً لأحد المصادر، فقد تخلى مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة في ديسمبر 2006 عن مواصلة تحقيقات استمرت عامين في صفقة اليمامة، بعدما أبلغته الحكومة أن تلك التحقيقات تعرض للخطر “الأمن القومي والدولي”. أما السعودية فأشارت إلى أنها ستلغي العقد الدفاعي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات إذا استمر التحقيق بشأنه، وهددت بإلغاء صفقة جديدة لشراء مقاتلات “يوروفايتر”.
 
 
 
ويعتقد بأن العائلة الملكية السعودية هددت بإلغاء الجزء النهائي من عقد اليمامة لشراء 72 مقاتلة من طراز تايفون البالغ مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية ما لم توقف الحكومة البريطانية تحقيقات الفساد. أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فقد انتقدت القرار ، واعتبرت أنه يمثل انتهاكا للاتفاقيات الدولية حول مكافحة الفساد، فيما فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقا حولها.
 
 
 
كما أجازت وزارة الدفاع “دفع فواتير ربع سنوية” للأمير بندر بلغت إجمالا أكثر من مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل ملياري دولار، تقديراً “لخدمات الدعم” المتصلة بعقد اليمامة بين وزارة الدفاع السعودية وشركة الأسلحة البريطانية بي.أي.إي سيستمز.
 
 
 
وكانت صحيفة صنداي تايمز قد نشرت في 18 يونيو/ حزيران 2007 ، تصريحات لمدير وكالة سفر تدعى سفريات العالم، يقول فيها إن شركة السلاح البريطانية بي.أي.إي سيستمز، دفعت تكاليف رحلات أفراد في الأسرة الحاكمة بالسعودية. و كان ذالك في شهر عسل ابنة الأمير بندر بن سلطان، التي تزوجت الأمير فيصل بن تركي، ابن الأمير تركي بن ناصر في ديسمبر 1996. وقد بلغت كلفة الرحلة التي استمرت ستة أسابيع في سنغافورة وماليزيا وبالي بإندونيسيا وأستراليا وهاواي، 250 ألف جنيه إسترليني (نحو 370 ألف يورو).
 
 
 
وقالت صحيفة صنداي تايمز، في حينه، إن الحكومة السعودية هددت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا في حالة مواصلة التحقيقات في تجاوزات مالية ورشاوى دفعتها شركة بريطانية متخصصة بأنظمة الدفاع، ولها علاقة بصفقة اليمامة التي تعتبر من اكبر العقود العسكرية بين البلدين. وقالت الصحيفة إن دبلوماسياً سعودياً بارزاً قام بتسليم مكتب الحكومة إنذاراً نهائياً حذر فيه من مواصلة التحقيق، وأنه إذا لم يتوقف فان الحكومة السعودية ستقوم بقطع علاقتها مع بريطانيا، وتوقف كل أشكال التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
 
 
 
وإلى هذا المقتبس الأخير، حرفياً، من “الجزيرة توك” الذي يقول: (الجنس مقابل السلاح..أبطال الفضيحة أمير سعودي(لا يتوفر لدينا معلومات عن كم مرة تشرف سموه بغسيل الكعبة وخدمة حجاج بيت الله الحرام-الكاتب)، وعارضة ملابس داخلية وممثلة متهمة بحيازة الكوكايين..لم تكن شركة الأسلحة البريطانية بي إيه إي.. إحدي اكبر شركات الأسلحة في العالم.. تدخر وقتا، ولا جهدا ولا مالا عندما يصل الأمير تركي بن ناصر، قائد القوات الجوية السعودية الي لندن.. كانت الشركة تضع كل إمكاناتها.. وأموالها.. ومديريها تحت تصرف الأمير.. أهم عميل لديها في تاريخها كله.. لذلك..وبمجرد ان يضع الأمير تركي قدمه في طائرته المتجهة إلى لندن، كانت حياة مسئولي الشركة البريطانية تنقلب رأسا على عقب.. فالكل متأهب.. والكل ينتظر إشارة واحدة من الأمير لتلبية أوامره.. وأحلامه.. حتى يكون كل شيء معداً لراحة الأمير.. وكل من يحيطون بالأمير، كان كبار المسئولين في الشركة البريطانية يعرفون أن أمامهم مشواراً طويلاً للتأثير على الأمير تركي.. فهو رجل.. رأي من الدنيا ما لم يره غيره.. وذاق من لمحات رفاهيتها ما يحسده الملايين عليه.. إن الأمير تركي يمتلك، مثله مثل العديد من أفراد العائلة المالكة السعودية، عدة قصور فاخرة في العديد من مدن العالم.. والكل يشهق انبهاراً عندما يسمع فقط عن أسطول السيارات الرهيب الذي يمتلكه ويصل عدد السيارات فيه إلي ما يزيد علي 200 سيارة فاخرة.. إضافة إلى يخته شديد البذخ الذي يصل طوله إلي ما يقارب الـ 230 قدماً.. ويمثل ضيفاً دائماً على معظم مراسي اليخوت في أشهر وأجمل سواحل العالم.. وتأتي وفوقهم جميعا طبعا وسيلة تنقلات الأمير الجوية المفضلة: طائرة خاصة من طراز بوينج 707
بتلك الطائرة الخاصة، كان الأمير تركي بن ناصر يهبط مع حاشيته في مطار هيثرو في لندن عام 2001 ليضع الخطوط العريضة لأكبر صفقة أسلحة في تاريخ الشركة البريطانية.. واكبر فضيحة رشوة وفساد في تاريخ بريطانيا كلها هي فضيحة يعرفها العالم باسم فضيحة، أو صفقة اليمامة.. صفقة.. ما زالت تؤرق بريطانيا كلها.. وتفتح فيها عشرات الملفات عن فساد شركات الأسلحة.. وتواطؤ مكتب المدعي العام.. وخضوع رئيس الوزراء البريطاني للضغط السعودي.. إن صفقة اليمامة صفقة أسلحة وطائرات.. لكنها تشبه ملحمة طويلة، لا يعرف أحد متى تكون نهاية فصولها.. ملحمة بدأت منذ عام 1985 عندما وقعت شركة الأسلحة البريطانية بي إيه إي عقدا لتوريد طائرات من طراز هوك وتورنادو للسعودية.. كان من الممكن ان تكون مجرد صفقة عادية حتى وإن وصلت قيمتها إلي مليارات الجنيهات الإسترلينية.. وتحديدا.. إلي 40 مليار جنيه إسترليني.. لولا أن تفجرت ادعاءات عام 1992 تقول إن عددا من أفراد العائلة المالكة السعودية تلقي رشاوى وصلت الي ملايين الدولارات لتمرير صفقة الأسلحة مع الشركة البريطانية، واستمرار شراء الطائرات الحربية منها دون غيرها من الشركات المنافسة). انتهى الاقتباس
 
 
 
 هذه الأخبار، والممارسات تعني، في الحقيقة، أن هناك وحدة دبلوماسية وسياسية وثقافية، وتنسيقاً على مستوى عال، وتطابق في المواقف والأخلاقيات والعموميات بين ليبيا والسعودية، وإن أي كلام عن خلافات “جوهرية”بين البلدين، هو محض أوهام وتجن وافتراء.
 
 
ألا يبدو الخطاب العربي الباكي الشاكي والمرعوب من غزو ثقافي وعولمة تطيح بهويته الفريدة مبالغاً فيه، وغير صادق في مسعاه، ويفتقر إلى أدنى قدر من الشفافية والإقناع؟ فالخوف الحقيقي اليوم، هو من غزو واسع النطاق لقيم الثقافة العربية “المعروفة” لعمق الغربي الليبرالي والتنويري؟ وأن المنظومة القانونية والأخلاقية الليبرالية الغربية باتت مهددة، فعلاً، وتتآكل وتتراجع وتنصاع أمام القيم الدخيلة العوجاء القادمة من عمق الصحراء.
 
 
 
إنها أسئلة الحيرة المشروعة والمؤرقة، فمن يهدد من؟ ومن يبتز من؟ ومن يحاول القضاء على من؟ ومن يفرض قيمه وثقافته على من؟ ومن يغزو من؟ ومن ينشر الفوضى الخلاقة عند من؟ ومن؟ ومن؟ ومن وسط هذا الانصياع الغربي المهين والمشين لقيم الثقافة الإفسادية؟ وهل بدأ الشرق الأوسط يتوسع شاقولياًً باتجاه الشمال، بعد أن أمل بوش أن يتوسع أفقياً حتى يصل حدود إقليم شينغيانغ الأيغوري المسلم الصيني؟ وهل هي بداية القضاء على النظام القضائي والحقوقي الغربي؟ وبالتالي فالخشية، كل الخشية، فيما إذا استمر هذا “الزحف” القيمي والأخلاقي العربي على معاقل الغرب الأخلاقية وحصونه القانونية، أن يتحول هذا الغرب، المساوم والمقايض والمحابي والفاسد المراوغ، إلى مجرد نسخة أخرى عن منظومات الفساد والاستبداد وممالك القهر الشرق أوسطية، وأن تنتشر قيم النفاق والمقايضة، والانحطاط، والثقافة العربية، في قلب الغرب الأوروبي المتنور، فعند ذلك ستكون، ولاشك، النهاية الحقيقية للتاريخ، وبداية انهيار الحضارية الغربية، والطامة الكبرى، في نشر الفوضى العربية الخلاقة في عموم العالم.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد