إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من حقي ان اغضب

من حقي ان اغضببقلم : خالد منصور
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
شاءت الأقدار ان تتعطل سيارتي على الطريق بين نابلس ورام الله، مما اضطرني لأنقلها محمولة الى احد مراكز تصليح المركبات في إحدى قرى محافظة نابلس الجنوبية، كان الجو حارا لدرجة لا تطاق ويتصبب العرق من جسمي وكأنني استحم، ومزاجي كان متعكرا لأبعد الحدود بسبب عطل سيارتي من جهة ولضياع يوم عمل لي كان بإمكاني ان أنجز فيه الشيء الكثير، طال انتظاري لعدم توفر القطعة المطلوبة لإصلاح سيارتي.. وأمضيت الوقت ارقب السيارات المارة على الطريق، ولفت انتباهي العدد الكبير من دوريات جيش الاحتلال، وسيارات المستوطنين ذات اللوحة الصفراء المارة من أمامي، وهو ما يشير الى ان الاستيطان أصبح يفرض حضوره علينا في بلادنا بقوة ويفرض ايضا علينا التعايش مع وجوده، وخيل لي وكأن المستوطنين أصبحوا جزء فعلي من نسيج بلادنا وتركيبته الديمغرافية.. تصارعت الأفكار في داخلي واحتقنت بالغضب من إمكانية ان يصبح وجود المستوطنون أمرا واقعا لا خلاص لنا منه، وما هي الا دقائق معدودة الا ومركبة ذات لوحة صفراء تدخل الكراج الذي أنا فيه، ويترجل منها مستوطن يهودي شاب ( متدين يلبس طاقية المتدينين ويربط على وسطه خيوطا تتدلى الى الأسفل )، نزل ذلك المستوطن وتقدم من الميكانيكي صاحب الكراج بثقة كبيرة، وبدا يتحدث معه باللغة العبرية– فهمت من حديثه انه يريد إصلاح مركبته– فوافق الميكانيكي على ذلك بدون تردد، وباشر فورا بإصلاح مركبة المستوطن.. كان يبدو على المستوطن الهدوء والاطمئنان التام، ولم يكن يحمل سلاحا يحتمي به، ووقف داخل الكراج ينتظر كأي زبون عادي، وتنقل داخل الكراج بلا خوف ولا وجل وكأنه في بيت أبيه، أو في داخل مستوطنته التي اغتصب الاحتلال أرضها عنوة من أصحابها الشرعيين.. أذهلني الامر جدا، وأذهلتني إجابة الميكانيكي صاحب الكراج عندما سألته عن أعداد المستوطنون الذين يأتون الى كراجه فقال لي: ان معظم زبائنه من المستوطنين وانه معتاد عليهم.. حينها أدركت لماذا يكتب البعض من أصحاب المحلات التجارية وورش تصليح السيارات ومقدمي مختلف الخدمات في هذه البلدة أسماء محلاتهم وورشهم باللغة العبرية.
    غضبت كثيرا وكدت ان انفجر، وقلت في نفسي بمرارة.. من المؤكد ان هذا المستوطن يكون قادما من مستوطنة يتسهار القريبة من هذه البلدة، أو من مستوطنة براخا أو تفوح أو ألون موريه أو يتمار ( وهي المستوطنات التي يعيش فيها اكثر المستوطنين تطرفا وكرها للعرب واستعدادا لممارسة أبشع الجرائم ضد كل ما هو عربي على هذه الارض ) وقد يكون هو نفسه عضوا في التنظيم الارهابي الذي شكله المستوطنون في هذه المنطقة، والذي ينفذ يوميا اعتداءات إجرامية بحق سكان القرى في المنطقة– ويقومون بحرق الكروم والحقول ويقطعون الشجر ويطلقون النار على المساكن ويقطعون الطرق وينشرون الرعب والإرهاب.. فكرت بالأمر كثيرا وتساءلت بألم: كيف يستقبل سكان هذه البلدة ومثلها العديد من القرى في مناطق قلقيلية وسلفيت والقدس والخليل وأريحا هؤلاء المستوطنون المجرمون وهل تحل المنفعة المادية محل الكرامة والمشاعر الوطنية..؟؟ أين هو الكبرياء الوطني وأين هي النخوة..؟؟ وكيف نقدم الخدمات الى من لا يتورع في أي لحظة تتاح له الفرصة للتنكيل بنا..؟؟ وتساءلت ايضا عن دور القوى الوطنية ودور السلطة ومؤسسات المجتمع المدني في مقاومة هذا التعايش المرفوض وطنيا، والذي يتسلل الى نمط حياتنا بسرعة، ليكسر الحواجز بين الغاصب المجرم المحتل– وبين ابن البلد الأصلي الضحية المنتهكة حقوقه صبحا ومساء.. وكانت الإجابة المتوفرة عندي لحظتها :  ان قوانا الوطنية مهترئة ومتهالكة ومشغولة بذاتها– وان مؤسساتنا مغمضة أعينها عما يجري– وان سلطتنا تدفن رأسها بالرمل– ولا يستفز الجميع مثل هذا المشهد الذي أغضبني، والذي اعتقد جازما ان من العار السكوت عنه.. لان تحوله الى ظاهرة ينسف كل أسس المقاومة الشعبية التي نحاول ان نبنيها، ويقضي على حالة الرفض للاحتلال وكل إفرازاته التي نحاول ان نرسيها، والتي ضحى من اجلها آلاف الشهداء..
مخيم الفارعة – 21/8/2009
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد