إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

القضية سرقة وطن وحياة شعب وليست قضية سرقة أعضاء فقط

بقلم: محمد أبو علان:

http://blog.amin.org/yafa1948

 

خلال ثلاثة أسابيع من الحرب المدمرة على قطاع غزة سرق الاحتلال الإسرائيلي حياة ما يقارب (1450) شهيد فلسطيني، منهم حوالي آل (417) طفل و (108) نساء، و (120) مُسن و (14) مسعف، وخلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الثانية سرق الاحتلال حياة أكثر من ستة آلاف شهيد فلسطيني، ناهيك عن مئات المجازر طوال سنوات الاحتلال للأراضي الفلسطينية الذي تجاوز عمره الستة عقود من الزمان، هذه المجازر الإسرائيلية رغم حداثتها إلا أن الوقائع على الأرض تقول أنها باتت تاريخ؟،  والسبب انشغال القيادة السياسية في شقي الوطن بتثبيت أركان الحكم والسيادة ولا وقت لديها لمتابعة الاحتلال وجرائمه بغير الإدانات والشجب والاستنكار، في الوقت التي باتت المقاومة والرد على جرائم الاحتلال شعارات تستخدمها فصائل “المقاومة” لأغراض داخلية فقط.

ولكن مع صدور تقرير صحيفة “أفتون بلاديت” السويدية حول سرقة جيش الاحتلال الإسرائيلي للأعضاء البشرية من شهداء فلسطينيين حتى قامت الدنيا ولم تقعد بعد، الضجة المثارة تعطي الانطباع للوهلة الأولى أن هذه الجريمة هي الوحيدة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني على مدار ستة عقود من الاحتلال للأرض الفلسطينية،

 كلامي هذا لا يهدف التقليل من قيمة التحقيق السويدي، أو القول أن الاحتلال لم يقترف مثل هذه الجريمة أسوةً بعشرات ألوف الجرائم والمجازر الأخرى التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني بكل فئاته من شيوخ ونساء وأطفال، ولكن السؤال لماذا ننتظر حتى تأتينا صحيفة أجنبية أو صحفي غربي لنتلقف ما يقول عن قصص وأحداث عشناها نحن الفلسطينيين على جلود أطفالنا وآبائنا وإخوتنا ونسائنا ؟، وتعامل البعض منا معها وكأنها اكتشاف جديد لنوع آخر من جرائم الاحتلال، فمثل هذه القصص كان عامة يعربون عن تخوفهم من وجودها منذ عشرات السنين، بمعنى آخر الصحفي السويدي لم يأتي بجديد في هذا المجال وإنما عاد وذكرنا نحن قبل غيرنا بوجود مثل هذه الجرائم.

قد يقول البعض أن أهمية القضية تعود لكونها جاءت في تحقيق صحفي سويدي مما يعني أن تأثيرها وردة الفعل عليها ستكون أكثر وأكبر على اعتبار أن السياسيين والإعلاميين العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص باتوا يعانون من فقدان الوزن السياسي والإعلامي خارج إقطاعياتهم وإماراتهم إسلامية كانت أم ملحدة، وهنا قد نتفق مع من يسوق هذا المبرر، ولكن أهمية هذا التحقيق السويدي ستذهب أدراج الرياح لغياب الاهتمام الرسمي الفلسطيني والعربي بمثل هذه الجريمة، والهبة الفلسطينية المرحبة بهذا التحقيق هي هبة نخبوية ستختفي بعد أيام في دهاليز الانقسام الفلسطيني وزواريب الحوار.

إلا أن النقطة الأهم في هذا المجال والذي يحاول الكل تجنبها أين الإعلام الرسمي الفلسطيني من جرائم الاحتلال التي لا تعد ولا تحصى؟، أين الإعلام الفلسطيني المحلي من العمل على كشف وتوثيق جرائم الاحتلال بشكل دائم ومستمر وليس بشكل موسمي ويتعامل مع ردات فعل فقط ساعة الحدث، أين كُتاب الأعمدة وكُتاب المقالات اليومية من هذه الجرائم، يصرفون جل وقتهم وجهودهم الإعلامية في قضايا وتحليلات سياسية لا تغني ولا تسمن من جوع، والسؤال الأكبر لماذا كل هذه الجهات الإعلامية ومن بها لا وزن لهم خارج وسائل إعلامهم رغم حجم الدعم الحكومي لبعضهم، والدعم الأوروبي للبعض الآخر، أم أن البقاء خارج دائرة التأثير هو شرط الدعم والتمويل في الحالتين؟

جرائم الاحتلال هي جرائم مهما صغر أو كبر حجمها، ويجب أن تلقى جمعيها نفس المستوى من الاهتمام الإعلامي والسياسي من كل المستويات الرسمية منها والشعبية، بالتالي يجب عدم قصر الاهتمام على نوع دون غيره من جرائم الاحتلال.

فإحدى الجرائم التي نمر عليها، وتمر عليها حتى الجهات الرسمية والشعبية مرور الكرام موضوع استخدام السجناء الفلسطينيين كحقل تجارب للعقاقير الطبية التي تنتجها مختبرات دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن الحديث عن هذا الموضوع بقي في إطار أحاديث إعلامية وسياسية دون البحث عن دلالات واضحة وقاطعة في هذا المجال، فلماذا لم نقرأ تقرير أو تحقيق صحفي أو طبي من جهات فلسطينية حول هذا الموضوع؟.

 

 

وهناك من سبق الصحفي السويدي بسنوات في توثيق جرائم الاحتلال الإسرائيلي بشتى صنوفها وألوانها وأشكالها والتي فاقت بشاعتها مسألة سرقة الأعضاء للشهداء الفلسطينيين، كتاب “حقول الموت” للصحفي الفلسطيني محمد دراغمة وثق (90) قصة صحفية وهي تشكل جزء بسيط من عملة الصحفي في المدن والقرى والمخيمات أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهذه القصص الصحفية تصلح لأن تكون شهادات حية يمكن بواسطتها محاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي السياسيين منهم والعسكريين في محاكم دولية كمجرمي حرب مع سبق الإصرار والترصد.

فتجد في قصص انتفاضة الأقصى/ حقول الموت امرأة تلد في العراء  ويقطع الزوج الحبل السري بحجرين،  ومسن يرمي الجنود ولده بالرصاص أمام عينيه، وعروس بثوب ابيض تسير وسط الدبابات وطفلة تولد يتيمة بمقتل والدها الذي كان يحاول إيصال أمها إلى المستشفى، وعائلات فلسطينية أبيدت بأكملها وبقيت أيام تحت ركام منازلها، قصص وحالات إنسانية كهذه قد تفوق أهمية سرقة الأعضاء البشرية باعتقادي.

ناهيك عن عشرات الكتب والدراسات التي وثقت جرائم الاحتلال الإسرائيلي منها روايات وثقت بأيدي يهودية، ومجزرة “الطنطورة” التي نفذت في 23/أيار 1948 وحفر فيها الشهداء قبورهم بأيدهم قبل قتلهم كانت إحدى هذه الروايات التوثيقية التي نال عليها “تيدي كاتس” شهادة الماجستير.

ظاهرة سرقة الأعضاء البشرية، وحتى الاتجار بالبشر هي صفة من صفات المجتمع الإسرائيلي المزروع بالعنصرية تجاه بعضه البعض، فكيف نتوقع أن يكون سلوكه تجاه مجتمعات “الغويم” من غير اليهود، فمن يتابع درجة العنصرية ومستوى الجريمة المنظمة في المجتمع الإسرائيلي يجد أن هذه القضايا قد تكون مسألة جينية خاصة بالمجتمع الإسرائيلي أكثر من كونها قضية اجتماعية.

في نهاية الأمر القضية أكبر بكثير من قضية سرقة أعضاء بشرية، القضية قضية سرقة أرض وحياة شعب بأكمله تعداده تجاوز العشرة ملايين أكثر من نصفهم لاجئين، والمجازر وجرائم القتل ضد والشيوخ والأطفال والنساء التي ترتكب بدم بارد تفوق بشاعتها سرقة أعضاء بشرية.

[email protected]

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد