إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سيد القمنى والعشوائية الفكرية فى مصر

سيد القمنى والعشوائية الفكرية فى مصرفرانسوا باسيلي
 
    منح جائزة الدولة التقديرية للمفكر المصرى سيد القمنى، وردود أفعال بعض الأفراد والجهات الدينية والاعلامية المستهجنة لهذا المنح والتى أصدرت فتاوى تكفيرية لأفكار وجمل مقتطعة من أعمال القمنى، وخشية بعض المثقفين أن يكون هذا تمهيدا لإهدار دم الرجل، هومشهد يقع فى اطار العشوائية الفكرية التى تعشش على الثقافة المصرية اليوم. وهو أمر يتسق مع حالة العشوائيات الاخرى التى تتخبط فيها كافة منظومات الحياة فى مصر والتى تشهد حالة من العشوائية المجتمعية العامة (هى فوضى!!) التى نجد عليها نظم التعليم والصحة والمرور والاسكان والسياسة والاعلام والفنون بأنواعها، ولذلك فمن الطبيعى فى هذا المناخ أن نجد العشوائية متفشية أيضا فى المناحى الفكرية والدينية فى مصر اليوم. ونجد عراكا صاخبا متشنجا بين فريقين، واحد يهاجم القمنى والآخر يدافع عنه، فى حالة من الهياج والصخب دون أن نصل إلى فهم دقيق لأساس المشكلة. وبالتالى لا نصل إلى حلول تمنع تكرارها.
 
وهكذا يتكرر المشهد العبثى المؤلم والدموى أيضا، من فرج فودة ونجيب محفوظ إلى نصر حامد أبو زيد إلى سيد القمنى، لدينا هنا خلل أساسي لا يحاول أن يفهم طبيعته أحد، ولذلك سيتكرر هذا المشهد مرات ومرات. خلل أساسيى فى تعامل مجتمعاتنا مع قضية الكفر، أو المروق الدينى، ومع منطق التكفير، مع غياب آليات التعامل مع المكفرين. فنحن لا نعرف ماذا نفعل بالكفار والمكفرين، ولذلك نتصرف بعشوائية كلما واجهتنا قضية تتطلب منا التصرف إزاء أعمال تتصف بالكفر، وإزاء أعمال مضادة تقوم بتكفير الآخرين.
 
فماذا نفعل بالكفار والمكفرين؟
 
    فى عصور الجهل والظلام – وهى عصور ما تزال قائمة فى عقول البعض فى يومنا هذا- كانوا يحرقون ويصلبون الكفار من كل ملة ودين. والكفار هم من يخالفونك فى المعتقد ، كل من لا يؤمنون بالإله الذى تؤمن به أنت وبنفس الطريقة والأسلوب بل والكلمات التى تؤمن بها أنت، كان كل أتباع دين يعتبرون من لا يتبع دينهم “كفارا” حتى ولو استخدموا تعبيرا مغايرا. وهكذا صلب اليهود السيد المسيح وصلب العرب الحلاج وحرقوا كتب إبن رشد- وحرق المسيحيون المئات من “المهرطقين” والكفار إثر محاكم التفتيش فى أسبانيا- وحرقوا “الساحرات”! فى أمريكا بينما وقف رجال الدين – رجال كل دين- ضد العلم والعلماء على مدى العصور وحاربوا من اكتشف أن الارض ليست مركزا للكون وأنها كروية وليست منبسطة وبعضهم يحارب كل اكتشاف علمى جديد حتى اليوم وإن كان بدرجات متفاوتة من الاستحياء والتهيب بعد أن خسروا معاركهم مع العلم فى كل مرة.
 
     تاريخ البشر فى التعامل  معمن ينعتونهم بأنهم كفار “أو مهرطقين” – أى يقولون كلاما مخالفا للتفسيرات السائدة للنصوص – هو تاريخ أسود لا يشرف أحدا فى الشرق ولا فى الغرب. ولكن المشكلة أننا فى الشرق- وفى مصر على التحديد اليوم- نتعامل مع هذه القضايا الإنسانية والفكرية والاجتماعية والدينية الخطيرة وكأن ما نواجهه منها أمر يحدث للبشرية لأول مرة، فنتجاهل أن ما يحدث لنا اليوم قد حدث فى الغرب منذ خمسة قرون، وأن مسيرة التقدم الحضارى مسيرة إنسانية شاملة بدأت فى مصر القديمة ثم انتقلت إلى الحضارة الاغريقية ثم الرومانية ثم إلى الحضارة الإسلامية التى حافظت على المعارف الإغريقية وترجمتها وأضافت إليها، ثم إلى الحضارة الغربية التى أحدثت طفرة نوعية هائلة انتقلت بالإنسان – عبر عصور التنوير والنهضة الأوربية ثم الثورة الصناعية ومؤخرا ثورة المعلومات والتكنولوجيا- إلى مراكز بالغة السمو والتألق فى المفاهيم والممارسات على حد سواء مما ارتقى بمعيشة الانسان خطوات عديدة باهرة، دون أن ننسى إسهامات الحضارات الاخرى فى الصين واليابان والهند.
 
عبر هذه المسيرة الحضارية المثيرة بما صاحبها من صراع دموى بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة وكذلك بين المؤسسات الدينية والأفراد المبدعين من العلماء والمفكرين، توصلت البشرية فى مجتمعاتها المتقدمة حضاريا إلى ترتيبات قانونية وتعارفية وضعت حدا للتدخل الدموى لرجال الدين فى الطروحات والكشوفات العلمية والفكرية التى يطرحها المفكرون والمبدعون من العلماء والفنانين، واستطاعت المجتمعات الغربية المتوثبة تحرير رقابها من سلطان وطغيان المتحدثين زورا باسم الألهة، فانطلقت أكبر وأجمل حركة حضارية تقدمية فى كافة مجالات الابداع الانسانى واستمرت بلا انقطاع عبر الخمسة قرون الماضية حتى أوصلتنا إلى اللحظة الحضارية الحالية المبهرة.
 
حرية فردية مقدسة
 
تحقق هذا الانجاز الانسانى الضخم نتيجة لتقنين عدد من المفاهيم التى تحولت مع الوقت، وبقوة القانون، إلى ممارسات وقناعات فردية وجماعية تضمن للانسان الفرد حريته الكاملة إلى الحد الذى لا تتعدى فيه على حرية الآخرين، وبمقتضى هذه المفاهيم نزعت القداسة عن تقولات وتفوهات وتهديدات رجال الدين التى كانوا يتسلطون بها على البشرية ومنحت هذه القداسة لكل فرد فى شكل حرية فردية مقدسة ومصونة لا تمس من قبل إنسان آخر تحت أى عذر، ولا تسحب من أى فرد حريته المقدسة هذه إلا بمقتضى القانون وبآليات عادلة وشفافة وعلنية لتطبيقه على الفرد إذا ما أعتدى على حرية أو حقوق أى فرد آخر.
 
 شكل هذا الانتقال لهالة القداسة من حول رؤوس رجال الدين (ولاحظ أنهم دائما رجال فى غياب فاضح للمرأة التى هى نصف البشرية!) لتحط حول رأس كل فرد فى شكل حرية فردية مقدسة إنقلابا هائلا فى حياة معظم البشر فى المجتمعات الأوربية والأمريكية التى استفادت منه، فقد أحدث انطلاقا وانفجارا هائلا فى كافة الطاقات الانسانية التى كانت مكبوتة ومكبلة ومرتعدة تحت نير التسلط الدينى المتزمت، وراحت تبدع وتفكر وتكتشف وتجرب وتحطم الاسوار فى كافة المجالات، فإذا بحضارة باهرة بالغة الاثارة والجمال والفتنة تقوم “قومة إمراة واحدة”! فى أوربا الغربية ثم أمريكا الشمالية، وإذا بكمية المعارف والفتوجات المعرفية المتحققة فى القرن العشرين وحده تعادل كل المعارف الإنسانية السابقة منذ فجر التاريخ.
 
تحت المفاهيم والقوانين الحامية للحريات الفردية لم يعد باستطاعة أحد أن يقوم بتكفير إنسان آخر ولا الاعتداء عليه فعليا بالصلب أو الحرق أو الاعدام ولا معنويا بالتشهير والمعايرة، إذ قامت هذه القوانين والأعراف بحماية حق الفرد فى أن يؤمن أولا يؤمن، فى أن يصلى ويتعبد أو لا يفعل هذا ، ولضمان قداسة الحرية الفردية قامت هذه المجتمعات المتحضرة بتحريم عمليات التكفير للآخرين، باعتبارها عدوانا على حرية الإنسان المقدسة، وصدرت قوانين تحرم التحريض على العنف بأى شكل من أشكاله فكل الأفكار وأشكال التعبير عن الأفكار مسموح بها ماعدا تلك التى تنادى وتحرض على العنف ضد الآخر – فهذه جريمة .وهكذا تحمى القوانين الحضارية حق الإنسان فى أن يكفر، ولكنها لا تمنحه حق تكفير أى إنسان آخر، بل تعاقبه إذا فعل. وهذا هو عكس الحال فى المجتمعات العربية، إذ لا يستطيع الفرد المسلم أن يجاهر بكفره دون التعرض لمن يقوم بتكفيره وهدر دمه. بينما لا قانون ولا أحد يعاقب من يقومون بتكفير وإهدار دم الآخرين بل هناك غطاء اجتماعى ومباركة جماعية للقائمين بالتكفير، بل وقوانين مثل قانون الحسبة تمنح الشرعية لأعمالهم العدوانية ضد تفكير الآخرين.
 
أوضاع مقلوبة
 
الأوضاع إذن مقلوبة فى مجتمعاتنا العربية، ولذلك نجد الدولة المصرية التى قامت بمنح جائزتها التقديرية لسيد القمنى تقف صامتة أمام دعاوى تفكيره المعلنة فى الصحف ووسائل الاعلام على ملآ الاشهاد. وتكفير سيد القمنى يأتى بعد أسابيع قليلة من هيجان التكفير الجماعى الذى قام به عدد من الكتاب والصحفيين  لآلاف العائلات البهائية فى مصر، وقام صحفى متشنج بتكفيرهم والتحريض العلنى على العنف ضدهم فى برنامج “الحقيقة” على قناة دريم، وهو صحفى يتصور فى نفسه بطولة من يهاجم أعداء الدين من الكفار والمهرطقين المارقين، فسيادته لا يعترف بالبهائية التى يؤمن بها ملايين من البشر ومادام هو لا يعترف بالبهائية فلا يجوز أن يؤمن بها إنسان  -لقد نصب هذا الرجل عضو نقابة الصحفيين المصرية من نفسه متحدثا باسم السماء، مانحا نفسه صلاحيات وسلطان الحكم على معتقدات وإيمان الآخرين، إنها محاكم تفتيش علنية نشاهدها جميعا على شاشات التليفزيون المصرى وعلى صفحات الجرائد المصرية والدولة غائبة عن الوعى ومتغابية عن الواقع! لو كانت هذه دولة فى وعيها لقامت بمحاكمة هذا المتحدث الإلهى المزور بتهمة التحريض على العنف ضد الأبرياء، فقد خرجت الجموع فى قرية فى الصعيد وأحرقت بيوت البهائيين وروعت أطفالهم بعد ذلك التحريض الإجرامي- وليس أخطر على المجتمع من أولئك المتشنجين المصابين بلوثة التوهم أنهم المدافعون عن أديانهم ضد الكفار!
 
إن قداسة الحرية الفكرية والفردية فى الغرب لا تؤدى إلى ظهور البعض فى محطات التليفزيون لاعنين أو هازئين من معتقدات الآخرين. إن الولايات المتحدة وهى المجتمع الأكثر إحتراما للحرية الفردية ، لا تسمح لأى فرد بالاستهزاء أو تحقير معتقدات الآخرين الدينية بل وحتى الثقافية والاجتماعية فى الإعلام العام. وعندما يفعل هذا مقدم برنامج يفقد وظيفته على الفور، وإذا فعلها سياسي يضيع مستقبله الانتخابى، وذلك لأن هذا المجتمع فصل بين المجال العام والخاص. ولم يعد المجال الوطنى العام يقبل الحديث فى الأديان. فهذه لها مجالات إعلامية وأكاديمية متخصصة، يمكن فيها تقديم دراسات جادة فى الأديان. وتحتمل النقد الفكري الرصين، ولكن فى مجتمعاتنا العربية يحدث العكس، إذ تطارد وتصادر الدراسات الأكاديمية الرصينة فى الجامعات ويضطهد أصحابها (نصر حامد ابو زيد مثالا) بينما يمتلآ الفضاء الإعلامي العام بالمتطرفين والمتشنجين الذين يلوثون أسماعنا بهجوم فج واستهزاء صبيانى بمعتقدات الآخرين، ويجب أن يكون هذا مرفوضا فيما يخص جميع الأديان والمعتقدات، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بهائية أو غيرها. هذا العبث واللغو الدينى فى مجتمعاتنا العربية يكشف مدى الخلط فى المفاهيم والممارسات السائدة، فى غياب قيادة سياسية وثقافية واعية كان عليها أن تمنع هذا العبث وترسم القواعد والقوانين لترشيد المجتمع.
 
حالة هياج دينى
ان التكفير هو أحد مظاهر حالة الهياج الدينى المرضى الحادة المصابة بها مجتمعاتنا. ولا يوجد مجتمع آخر متحضر اليوم يضيع وقتا فى قضايا تكفير وهجوم ودفاع فى أمور تتعلق بمعتقدات وأديان، و حدها مصر والمجتمعات العربية تستهلك نفسها فى مثل هذه الأمور التى لا تفيد الإنسان أقل فائدة بعد أن أصبح التدين الجماعى العلنى لديها حالة نفسية مرضية مستفحلة تتطلب علاجا سريعا، لقد غرقت المؤسسات الحكومية والمدنية والسياسية والتعليمة والإعلامية فى مصر فى مستنقع أصبح فيه التدين جزءا من منظومة الفساد والعبث والعشوائية والبلطجة والفهلوة وعدم العمل وتدنى الانتاج وعدم بالمسئولية والمحاسبة على الخطأ وقد تحول أغلبية الناس إلى دراويش لا يفعلون بل ينفعلون ويفعل بهم – يقبلون الظلم والفساد والعبث والاستهتار بمفاهيم الاتكال على الله والرضا والصبر الجميل ويرتكبون كل إثم تحت غطاء من الورع الزائد والتقوى المفتعلة. وقد منحوا عقولهم عطلة طويلة وسلموا أمورهم للفتاوى التى تحكم خطواتهم وخلجاتهم، وبهذا كله تتحول مصر الحضارة إلى مجتمع فاشل خامل تضربه العشوائية والتسيب، ومآله ،هو ومجتمعات عربية كثيرة تحذو حذوه،  هو الوصول إلى حد الحكم على صحفية ترتدى البنطلون بالجلد أربعين جلدة !
 
    
كاتب من مصر يقيم في نيويورك
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد