إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

القومية العربية : بين التأزم والتأويل

القومية العربية : بين التأزم والتأويل

بقلم: مأمون شحادة
تخصص دراسات اقليمية
الخضر – بيت لحم – فلسطين
ان مفهوم القومية العربية يرتبط بمفهوم الامة الواحدة التي لها هوية سياسية تجمع بين افرادها روابط خاصة وفق وحدة تكوينية تضم اللغة والثقافة والمصالح المشتركة والتاريخ والمصير المشترك الواحد ، والقومية العربية التي تجمع بين ابناء الشعب العربي الواحد، تهدف الى تحقيق استقلال الامة العربية وتحقيق وحدة الوطن العربي وبعث الحضارة العربية. وهي تستند الى عناصر الوحدة الموجودة عند العرب في المشرق والمغرب.
 ومن اجل احياء القومية العربية ظهرت عدة مدارس قومية مختلفة مثل المدرسة الاقليمية، والمدرسة البعثية، والعلمانية، والتكاملية وسط اختلاف وتشابه في الاراء حول بلورة معنى وحدة التكوين العربية، حيث نادت القومية الاقليمية بالعودة الى الاصل التكويني للشعوب، كالمناداة بالفينيقية والكنعانية والفرعونية كالدعوة الى احياء الامة السورية كما رأى انطون سعادة ضمن معنى الهلال الخصيب، باعتبارها منفصلة عن الوطن العربي وبان تاريخها يتجاوز التاريخ العربي على اعتبار ان القومية هي الجغرافيا والتاريخ والشعب, ليتبين من ذلك ان هنالك تناقض مع وحدة التكوين العربية التي تعتبر ان الشعب السوري احد شعوب الامة العربية، في حين ان مدرسة القومية البعثية التي دعت الى التحرر قبل الوحدة القومية كما جاء على لسان ميشيل عفلق مبررا في ذلك ان حالة الضعف العربي امام الهجمة الاسرائيلية تحتم عليها التحرر قبل الوحدة القومية داعيا الى دمج عنصر الدين ضمن وحدة التكوين العربية، مبينا ان الاسلام عنصر من عناصر القومية العربية باعتباره التعبير الروحي للمنطقة العربية . اما مدرسة القومية العلمانية ممثلة بساطع الحصري والتي دعت الى التحرر ثم الوحدة القومية، معتبرة ان اللغة والثقافة اعمق بين الامم من فوارق الدين ويجب فصل الدين عن الدولة والابقاء على وحدة التكوين عربية خالصة، منتقدة بذلك المدرسة القومية الاقليمية التي اعتبرت ان تشكل القومية يكون من خلال الجغرافيا والتاريخ والشعب , في حين انها وجدت توافق ما بينها وما بين مدرسة القومية البعثية  من حيث التحرر قبل الوحدة لكنها اختلفت معها في دمج العنصر الديني ضمن وحدة التكوين العربية , وفي ظل فشل المدارس السابقة في بلورة القومية العربية ظهرت مدرسة جديدة تسمى المدرسة التكاملية والتي انطلقت بعد حرب 67، حينما ادركت ان المفاهيم القديمة لبلورة القومية لم تعد صالحة لبناء وحدة التكوين العربية، حيث ركزت على ارجاع الاراضي المسلوبة الى المنطقة العربية وما حرب الاستنزاف وحركة التحرير الوطني الفلسطيني الا تجسيدا لهذه المدرسة وفق شعار ” تحرير فلسطين هو الطريق الى الوحدة العربية ” وان تلك المدرسة قريبة من المدرسة البعثية، و العلمانية من حيث الدعوة الى التحرر وسط اختلاف في عدة امور جوهرية وخاصة عنصر الدين .
من الملاحظ ان عنصر الدين ووفق تجارب الماضي الذي حاول ان يضم الشعوب ضمن دائرة واحدة، الا  ان الاستيقاظ الفكري القومي وقف امامه حاجزا حينما استيقظ الشعور القومي لدى شعوب السلطنة العثمانية الاخرى رغم رابطة الدين التي وجدت ما بين العرب والاتراك ذلك لان الاسلام ركز على القيم الكلية الشاملة واهمل القومية ، ليتبين ان دمج الديانة ضمن احد عناصر القومية العربية يسوده نوع من الاختلاطات كونه يضفي عليها صفة الطائفية ومثالا على ذلك لبنان والعراق .
ووسط هذا الزحام حول امكانية ادراج الدين ضمن عناصر القومية العربية، ظهرت عدة مدارس اصلاحية تدعو الى الفكر الحر وعدم التقيد بصنمية النصوص وجمودها، ومنها مدرسة علمنة الاسلام ومدرسة المجددون وجماعة العصور , حيث دعت تلك المدارس الى محاربة صنمية النصوص وجمودها في الفكر الاسلامي و تحرير العقل من النظرية التقليدية وعدم الوقوف بما هو مكتوب تاريخيا وفق تحكيم العقل بعدمية الايمان بالغيبيات، داعية الى ممارسة الديمقراطية والحريات ومنددين بانماط الفكر الديني التقليدي، مبينين ان مبادئ الديمقراطية ارقى من مبادئ الاسلام ويجب تغييرها منتقدين بذلك مدرسة الهيام التاريخي( القديمة ) التي تمجد الماضي امثال مصطفى صادق الرفاعي الذي وصف انه ينتمي فكريا الى القرن الخامس عشر، ومن اشهر شخصيات تلك المدارس الاصلاحية طه حسين وعلي عبد الرازق واسماعيل مظهر .
يتبين من ذلك مدى جدلية العامل الديني ممثلا بالاسلام ضمن وحدة التكوين القومية والتي تشكل حالة من الصراع في الفكر العربي حول دمج عنصر الدين ومدى عملية تقبله ضمن تلك الوحدة، وهذا يتضح من خلال ظهور المدرسة التوفيقية بقيادة عبد الرازق السنهوري التي رفعت لواء الدعوة الى اسلوب جديد معتدل، يجمع ما بين الفكر الغربي والفكر الاسلامي كعملية توفيقية من اجل حلحلة جمادة نصوص الشرع الاسلامي، وجعله مقبولا ضمن عناصر القومية العربية، وعدم اثارة الطائفية ما بين ابناء الوحدة التكوينية، وهذا ايضا ما دعا اليه خالد محمد خالد في دعوته الى فردانية العلاقة مع الله والغاء مرجعية الدين وجعلها علاقة مباشرة معه، مقلدا بذلك مارتن لوثر في صراعه مع الكنيسة .
يتضح من ذلك ان المنطقة العربية خاضت وما زالت تخوض مشروعها القومي ضمن حلقة مفرغة لتجميع عناصرها القومية من الناحية  النظرية وليس التطبيقية في ظل عدم ادراك كل المدارس القومية والاصلاحية ان القومية لن تتشكل ضمن إطارها الوحدوي بدون إدراك الفروقات الاجتماعية ما بين الشعوب العربية، حيث تبين ذلك قديما ما بين الشام والعراق ( في ظل الخلافة )، مسببا حالة من العدائية بين الشعبين، و ما حدث ايضا ما بين مصر وسوريا ايام الوحدة ، وهنالك عامل اخر هو التغلب على الصحراء العربية التي تفصل بين اجزاء كبيرة داخل الوطن العربي بما يعادل 80 % من المساحة العربية، جاعلة من تلك المنطقة مترامية الاطراف، وهذا ما ادركته الولايات الامريكية في بداية تكونها حينما قامت باتفاقية العقد الاجتماعي و بناء سكة حديد تجوب كل الولايات من اجل ربطها مع بعضها البعض، لكي لا تكون مترامية الأطراف، ففي ظل عدم وجود عقد اجتماعي للمنطقة العربية فكيف بالقومية العربية ان تشكل حلقة وصل ما بين الشعوب والطبقة الحاكمة من اجل انشاء وحدة التكوين القومية، كما فعلت اوروبا في جعل القومية عامل اتصال ما بين الشعب والحكومة، من اجل صهر ذلك العامل ليتحول شيئا فشيئا الى رابطة مدنية تجمع ابناء المجتمع وهذا ما نشاهده اليوم، ليتضح ان هنالك امور داخلية يجب علاجها كالعامل الديني والاقليات والصحراء والفروقات الاجتماعية، وان التخلص من الاستعمار ليس هو الطريق الوحيد للوحدة القومية بين الشعوب العربية.
أن المنطقة العربية التي لم تتفق على عناصر وحدتها القومية بين مختلف المدارس القومية والاصلاحية، فكيف بها ان تنتقل الى الرابطة المدنية بدون المرور بالرابطة القومية في ظل البعد العربي عن تعريف التاريخ للموافقة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد