إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مشروع الدولة دمرنا جميعا

مشروع “الدولة” دمّرنا جميعا !

 

الدكتور عدنان بكريه

 

لقد صدق الشاعر محمود درويش حين قال “ما أصغر الدولة .. ما أعظم الثورة “

من حقنا أن نسأل.. هل نضبت بطون أمهات فلسطين حتى لا تلدن إلا أمثال هؤلاء المتزعمين ؟! وهل غاب الشرفاء حتى نسمح بجز رقبة القضية الفلسطينية بسكين “دايتون “؟!وتتحول الثورة الى مزرعة للمنتفعين والأوغاد ؟!

عندما يتحول الثائر والمناضل إلى مهادن وتاجر وطنيات وشعارات فعلى الدنيا السلام ! وعندما تتحول الثورة إلى بازار تجاري وسوق تصفوي فانها لم تعد ثورة ولا حركة تحرر ! فعن أي ثورة نتحدث ويتحدثون .. عن ثورة البورصة والدولار والاسمنت والموبايل …أم عن ثورة القمع والبطش والتجارة بالتاريخ وبدماء الشهداء ودموع الثكالى وآهات والأرامل ! الحق أقول لكم لم نعد ملائكة نضال بل شياطين أموال !

نمر هذه الأيام بحالة فلسطينية غريبة عجيبة لم يشهد مثلها التاريخ من قبل ..حيث يرتمي “المناضل” و”الثائر” في حضن المحتل!وحيث يتم اغتيال الحلم والطموح الذي يلازم فقراء الشعب الفلسطيني !وحيث تجز رقبة القضية الفلسطينية بسكين “دايتون “فلم تعد الثورة ثورة … ولم يعد المناضل السابق مناضلا  فانجرف خلف فتات وصدقة المحتل … نعم لم تعد قضيتنا مقدسة ولم نعد ملائكة كما كنا نظن ! لقد تحولنا إلى شياطين نتاجر باسم الثورة ونسرق باسم الثورة ونرتكب الموبقات باسم الشعب والقضية.. فارحموا القضية وارحموا الشعب .. ارحمونا من تلاعبكم وعبثكم .. لم نعد نحتمل أكثر !

 

الثورة يصنعها الثوار ويرثها الأوغاد

وتنازل البعض عن برنامج وأهداف الثورة التي انطلقت لتحرير الأرض والإنسان حرفها عن مسارها وحشر  نفسه في خانة السلطة الكسيحة معتمدا مشروع الدولة والكرسي حتى لو كلف الأمر التنازل عن الثوابت والمقدسات التي انطلقت من اجلها الثورة الفلسطينية .. هذه الحالة لم يشهد التاريخ مثلها وهي نتاج لثقافة البورصة والدولار التي ترسخت لدى البعض ..إنها حالة الردة والتراجع .. فهل سينهض الشعب الفلسطيني من جديد ليضع حدا لهؤلاء المنتفعين ؟!

منذ اتفاق أوسلو المشؤوم وبدلا من أن يتشبث الفلسطيني “بالمشروع الوطني” الشامل كحق العودة والقدس… حصر حلمه وطموحه بمشروع الدولة الهزيل والمبتور ! ارتاحت إسرائيل، لأنها استطاعت أن تقبر المشروع الوطني الشامل تحت فتات الدولة ! الدولة هي التي خلقت مساحة واسعة من التباعد بين فصائل الشعب ! فهل ستتعقل القيادة وتعود إلى رشدها وترفع المشروع الوطني الشامل… تعيد للقضية الفلسطينية هيبتها كقضية تحرر وطني وليس كقضية كيان ودولة ؟! “ما أعظم الثورة… ما أصغر الدولة “!!

ومن حقنا أن نسأل ما الذي جعل الفلسطيني يستبدل أغنية “طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا طل سلاحي ” وأنا يا أخي آمنت بالشعب المضيع والمكبل ” ؟ ما الذي جعل الفلسطيني يقتل أخاه الفلسطيني ؟ وما الذي جعل السجون تعج بالمناضلين الشرفاء بدلا من أن تعج بهم ساحات النضال والمعارك !

إن “مشروع الدولة” المطروح…عمق الخلاف وقسم الشارع الفلسطيني وشرذم القوى.. لقد دمرنا جميعا وحطم حلمنا وأضاع قدسية قضيتنا .. فلم نعد ملائكة النضال والكفاح كما كنا نظن .. بل صرنا شياطين المال والدولار  والغريب أن يرتمي الثائر السابق في أحضان المحتل .. فعن أي ثورة ومشروع ثوري تتحدثون ؟ عن الثورة  ضد المقاوم المؤمن بعدالة قضيته ومسيرة المقاومة أم عن ثورة البورصة والدولارات  والمعاشات والسرقات والفساد والاستئثار ؟ وعن أي كفاح ومقاومة تتحدثون .. عن الكفاح لسلب أموال الشعب أم مقاومة المقاومين الشرفاء ومطاردتهم وزجهم في السجون ؟!

 

من ملائكة نضال الى شياطين أموال ؟!

الحالة الفلسطينية الراهنة لم تنشأ من فراغ وليست وليدة الصدف والقدر ، بل هي نتاج لعوامل عديدة جلبناها بأنفسنا وقولبناها بأيادينا .. إذ ليس من العدل أن نتهم العالم وحده ونغطي عوراتنا بستائر من الاتهامات والشعارات لإخفاء دورنا الهدام .. لا يمكننا إنكار العهر السياسي الذي يلف العالم.. ولا يمكننا التغاضي عن تكالب العالم واستئثاره وتنكره لحقوقنا فنحن لا نتعامل مع عالم نظيف!! لكن قبل هذا وذاك علينا أن نعترف بالعهر السياسي الذي يلفنا ويلف بعض قيادات شعبنا علينا أن نُطَهر أنفسنا وإذا لم نتمكن فعلينا الاعتراف بأننا فشلنا في قيادة المسيرة ! فشلنا ولم نعد قادرين على تحمل أعباء المرحلة ولنترك الخيار للشعب يقرر ماذا يريد !

تلفت أعصابنا ، ولم نعد نحتمل الاتهامات الكاذبة التي تذنب الآخر وتذنب القدر.. تذنب الظروف الدولية والعوامل الإقليمية …  وتبرئ الساحة الشخصية…ولم نعد نحتمل هذا العبث اللامبرر وهذا التلاعب المخزي الذي لا تقبله قضيتنا ولا مصلحة شعبنا ولا أخلاقنا ! فكيف لنا أن نطالب بدولة مستقلة وعودة اللاجئين؟! حيث يزداد يوميا عدد لاجئي الضفة في (إمارة غزة) ولاجئي غزة في (إمبراطورية الضفة) !! وحيث تنتهك الحقوق الحياتية والمدنية للفلسطيني وتحت علمه الوطني!!

كيف نطالب بالقدس في حين تتألم المدينة تحت جرافات الاحتلال والهدم ويبكي الأقصى ولا نحرك ساكنا ؟!

كيف نرفع شعار المقاومة في حين يطارد المقاوم ويعتقل ويزج بزنازين “دايتون” ؟ إنهم يخدعونك أيها الشعب ! إنهم يستهبلونك !

اسرائيل لم تعد بحاجة لمطاردة المناضلين ما دامت تجد من يقوم بهذا الدور .. ولم تعد بحاجة للسهر على أمنها ما دام هناك من يقوم بهذا الدور ويحمي أمنها  ..ولم تعد بحاجة لحكام عسكريين في الضفة ما دام زعماؤنا يقومون بهذا الدور وعلى أتم وجه !

مضحك مؤلم ما وصلنا إليه !! من هنا، يجب أن ننتفض .. نقيم الدنيا ولا نقعدها …فإما أن تتراجع القيادة عن عبثها وتعود إلى رشدها السياسي وهذا الأمر بات صعبا وإما أن ترحل ،فهم يسيئون لقدسية القضية  … يغيّبون السياسة لصالح لعبة التناحر!لقد أصبح التخلص من الاحتلال الإسرائيلي مسألة ثانوية بالنسبة للقيادة مقارنة مع الحفاظ على الكرسي والسلطة… فهم يمزقون الجسد الفلسطيني إربا إربا ويغتالون أحلام فقراء فلسطين !

إن الخروج من المأزق الفلسطيني الداخلي المأزوم يتطلب وقف لعبة (القط والفأر) الجارية تحت مظلة التفاوض والخروج من دائرة الشعارات إلى دائرة العمل.. من دائرة التسول إلى دائرة المطالبة وبحزم .. من دائرة التردد إلى دائرة الإصرار … من دائرة العبث واللامبالاة إلى دائرة الجدية وهذا يتطلب أولا وقبل كل شيء إقصاء القيادة ومحاكمتها أمام الشعب ..فهل نضبت بطون أمهات فلسطين حتى لا تلدن إلا أمثال هؤلاء المتزعمين ؟!

يتطلب تكاتف كل القوى الشريفة في مواجهة القوى التي جزت القضية الفلسطينية بسكين دايتون ...وكما قال محمود درويش

“هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ونرى دمنا على أيادينا لنعرف بأننا لسنا ملائكة كما كنا نظن”

نعم سقطنا جميعا فنحن لسنا إلا عابري سبيل ثقلاء ظل !

 

كاتب من فلسطين ال 48

صاحب مجموعة (شبكة فلسطين ال 48 الاعلامية )

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد