إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مهرجانات التسوق العربية

مهرجانات التسوق العربيةد / لطفي زغلول – نابلس
آخر هذه المهرجانات كان مهرجان الخليل الصناعي الذي يبشر بنواة اقتصادية صناعية على مستوى الوطن الفلسطيني ، برغم التحديات الصناعية الآتية من الخارج ، وبخاصة من الصين التي اكتسحت صناعاتها الأسواق الفلسطينية . وتذكيرا هناك المئات من الحواجز العسكرية التي تحاصر الإقتصاد الفلسطيني ، وتحد من انطلاقه نحو آفاق أرحب . ومما لا شك فيه أن الصناعة الإسرائيلية هي الأخرى تحتل مساحة مرموقة من الإقتصاد الفلسطيني الذي يعاني الكثير من الأزمات . إن العلامة التجارية صنع في فلسطين تثلج الصدر ، وتبشر بمستقبل واعد للصناعة الفلسطينية ، ونحن أحوج ما نكون إليها في هذه الظروف .
 
في حديثنا عن الإقتصادات العربية ، ثمة ظواهر تحمل في باطنها غير ما يبديه ظاهرها او ما يروج لها . ومن هذه ظاهرة مهرجانات التسوق العربية الاخذة في الانتشار في كثير من الاقطار العربية وبخاصة الغنية منها . وفي افضل صورة لها هي تفعيل الى اقصى الحدود لعمليات الشراء في اطار احتفالي تسوده اجواء البهرجة والبذخ والترف والادهاش والتفنن في عرض البضائع ضمن اساليب تسويقية حديثة منها توزيع بطاقات الشراء التي يجرى عليها السحب على امل الفوز بالجوائز السخية والمتمثلة بسبائك من الذهب اوالسيارات الفخمة الفاخرة اوغيرها .
 
ويدعي منظمو هذه المهرجانات انهم ينشطون الحركتين التجارية والسياحية في البلد المقامة فيها ، وانهم يحدون من تدفق الاموال الوطنية الى الخارج . ومن حيث المبدأ فليس ثمة أي اعتراض على اية مهرجانات تقام في اقطار العالم العربي يكون هدفها الحقيقي زيادة وتيرة النمو والتطوير والتغيير نحو الافضل واستخدام كل الموارد المتاحة بغية ترسيخ قاعدة انتاجية على كافة الصعد تعمل بكل الوسائل على الحد من تسرب رأس المال الوطني الى الخارج دون ان يكون له أي مردود سوى الانفاق الاستهلاكي عديم العائد .
 
اضافة الى كل ما ذكر فثمة هدف توعوي لا ينبغي الاغفال عنه يتمثل في ترشيد المواطن العربي وتسليحه بقيم المواطنة الصالحة النابعة من تعزيز ايمانه وثقته بقدرته على العمل والابداع والانتاج وعدم الاكتفاء بالاعتماد على انتاج الآخرين ، ونزع كل رواسب عقد النقص وعدم الثقة بالنفس والانتاج المحلي . يدفعنا الحديث الى التذكير بان من اخطر الأزمات التي يعانيها المواطن العربي تحت ظلال انظمته السياسية نمطين من المعاناة يتمثل الاول بالفقر والجري وراء رغيف الخبز والدواء والكساء وذلك في البلدان الفقيرة .
 
وتمثل البلدان الغنية النمط الثاني ، ويبدو جليا في تقزيم طموحاته واهدافه وقوقعتها في قمقم استهلاكي يتصف في كثير من الأحيان بانه غير منطقي ولا عقلاني ولا يخضع لمعايير او محاذير ، لاهثا وراء المنتجات المستوردة التي سيطرت على تفكيره فانزلها منزل القداسة والايمان المطلق بها دون سواها . وباختصار الحد من استفحال الثقافة الاستهلاكية التي دمرت مساحة كبيرة من طاقاته وموارده وجعلته مجرد مخلوق محكوم لشهواته يأخذ ولا يعطي ولا يفهم المال الا انه وسيلة لشراء الحاجيات الرفاهية والكمالية التي بدأت تصبح جزءا لا يتجزأ من حياته .
 
في ما يخص الادعاء بان هذه المهرجانات تعمل على استبقاء الاموال داخل اقطارها ، فهو الى حد كبير ادعاء ينقصه التفكير المنطقي ، او انه من ناحية اخرى مخادع يلتف على الحقيقة . ان هذه المهرجانات لا يمكن ان تمنع الذين اعتادوا السفر الى الخارج لقضاء اجازاتهم والتسوق هناك .
 
على العكس من ذلك  تظل حركة السفر الى الخارج بقصد السياحة والتسوق مظهرا من مظاهر بذخ الطبقات العربية الغنية والمترفة . ومن ناحية اخرى فان هذه المهرجانات تعتمد اساسا على الترويج للمنتجات المستوردة وتسويقها . فهي في الحقيقة مهرجانات تسويق بضائع مستوردة في اغلبها وتعمل على زيادة حجم المشتريات وامتصاص اكبر قدر من الاموال الوطنية وضخها الى الخارج ، وتوجيه المستهلك العربي وتحديد خطاه في مسارات الاقتصاد المستورد ، وافقاده اية بادرة ثقة بالانتاج المحلي كونه لا يمكن ان يصمد امام المد التسويقي المستورد والمحاط بهالات الاجلال والاكبار والدعاية والاعلان والقدرة الهائلة على المنافسة ، مضافا الى كل ذلك ما يتمتع به من مواصفات جودة عالية وتراث من الخبرة والشهرة والاسماء والعلامات التجارية العريقة .
 
وحري بنا هنا ان نعود بالذاكرة الى الوراء بهدف استكمال صورة الاوضاع الاقتصادية العربية الحالية . فمنذ ان وطىء المستعمرون تراب العالم العربي ، كانوا يحملون في جعبتهم مجموعة اهداف منها على سبيل المثال لا الحصر استغلال الخامات والموارد والمصادر العربية بهدف تشغيل آلتهم الصناعية ، وبالتالي اعادة المنتوجات المصنعة مرة اخرى لاستهلاكها في الاسواق العربية .
 
وما اشبه الليلة بالبارحة فلا يزال المشهد ذاته ، والسيناريو الخاص به يتكرر رغم مرور مدة زمنية طويلة تمكن الاستعمار الاقتصادي خلالها من غرس مخالبه في العالم العربي ، وتسلل الى العقليات والذهنيات فعطل مساحة كبيرة من قواها الابداعية وجعلها اتكالية ، وهذا هي حال العالم العربي الذي حيل بينه وبين بلوغ الحد الادنى من تطلعاته واهدافه .
 
في ظل العولمة وريثة الاستعمار بكل اشكاله تصبح الصورة اكثر وضوحا وابرازا للحقائق المرة . فهي تريد دون ادنى شك السيطرة على موارد العالم ومصادره وخاماته واسواقه والتحكم في السلوكات الاستهلاكية للشعوب ومنها العربية ، وجعلها تعيش على هوامش الحضارة المزيفة والرقي الاجوف والتنميات التظاهرية خدمة لها ودورانا في افلاك مصالحها .
 
خلاصة القول ان مهرجانات التسوق المقامة في كثير من اقطار العالم العربي في شكلها الحالي ما هي الا مجرد اسواق هدفها تصريف المنتجات المستوردة  ، وبخاصة لتلك الدول التي تقف وراء تيارات العولمة التي لا ترى في العالم العربي اكثر من اسواق استهلاكية . ان هذه المهرجانات وغيرها ما هي انتاج ثقافة استهلاكية خدماتية استشرت في ظل غياب المشروعات الاقتصادية الانتاجية الاستثمارية الحقيقية والتي يفترض ان تتناسب وحجم الامكانيات العربية الهائلة .
 
إنها في المحصلة لا تعمل الا على خلق اقتصادات عربية متنافرة هزيلة وهشة ، تلتف على كل الآمال في ايجاد سوق عربية مشتركة ، تقف في وجه تحديات التكتلات الاقتصادية العولمية الكبرى أمثال الثمانية الكبار . اضافة الى انها تزيد الاغنياء غنى ، والفقراء فقرا ، وما اكثرهم في العالم العربي ، وتزرع في نفوسهم الحسرة ، بل انها اكثر من ذلك تقسم العرب عربين .
 
ان العالم العربي بحاجة الى ازالة الأمية الاقتصادية التي تتمثل في ترشيد انفاقه غير المعقول سواء في حجمه او اتجاهاته او سبله . وهو بحاجة الى تعلم ابجدية جديدة حروفها الثقة بالنفس والاعتزاز بالمحليات الوطنية وعدم التفريط والافراط في الثروات الوطنية كي لا يقعد بعدها – لا سمح الله – ملوما محسورا .
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد