إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قصيدة النثر المصرية ومشهدها الراهن

قصيدة النثر المصرية ومشهدها الراهن د. أحمد الصغير
لاشك أن قصيدة النثر المصرية تقف الآن موقفاً صامداً إزاء الآراء الرجعية التى تحاول النيل منها ومن شعرائها الحقيقيين ، الذين حملوا على عاتقهم النهوض بالنص الشعرى من حالة الركود ، إلى حالة التجريب والحركة الدائمة .
ولذلك فإن قصيدة النثر حالة خاصة ولون من ألوان الأدب ، هذا اللون له سماته ومعاييره المنطقية التى يجب أن نحتكم إليها ، وأن نتعايش مع هذه النصوص معايشة القارىء الحكيم الذى ينظر إلى جواهر الأشياء وبواطنها لا إلى أنماطها وأشكالها الخارجية فقصيدة النثر هى عالم بلا حدود لاتقبل الحواجز، أو المعايير المزيفة المسبقة التى ألفها النقاد التقليديون ، فالكتابة فى نوع أدبى جديد هى نوع من المغامرة والتمرد على السائد والمألوف ،وكسر حاجز التبعية العقيمة ، بل هى التجاوز الفعلى لحركات الواقع ، بل هى رصد دقيق لعوالم واسعة ، تحتاج إلى من يطفو بها على سطح الكتابة.
ويبدو المشهد الراهن لفصيدة النثر المصرية مشهداً مفعماً بالنتاج الشعرى الهائل الذى يتصدر المشهد الراهن فى مصر على الرغم من كثرة المعارضين والدعاة إلى التقليدية والتشكيك فى أصولها ومنابعها الحقيقية ، ولهذا فإننا نحاول فى هذه الدراسة أن نقدم رؤية بانورامية عن بعض شعراء قصيدة النثر فى مصر ، وعن إنجازاتهم الشعرية ، وأنواع كتاباتهم فى قصيدة النثر ، ومن ثم فإن هذه الدراسة تبدأ من السؤال وهو لماذا كتب هؤلاء الشعراء قصيدة النثر ؟ وكيف كتبوها ؟ ومن هم الشعراء الذين تصدروا المشهد الشعرى الراهن فى مصر ؟
مما لاشك فيه أن شعراء قصيدة النثر كثيرون يملأون الساحة الشعرية المصرية من خلال نصوصهم ، يطرحون أنفسهم من خلال الدوريات المصرية والعربية ، ومن خلال دواوينهم الشعرية التى يؤثر البعض أن يطبعها على نفقته الخاصة رافضاً دور النشر التابعة للمؤسسة التى تقوم بتهميش شعراء قصيدة النثر ، ويٌعد جيل الثمانينيات وجيل التسعينات من أهم الأجيال التى طرحت نفسها بقوة من خلال قصيدة النثر وآمنوا بنصهم الجديد الذى أثار كثيراً من الإشكاليات والمعارك الأدبية ، وأثار سُخط التقليديين (التفعيليين) وأثار غيرة المحافظين الذين يخشون المغامرات أو المجازفة .
صحيحُُ أن شعراء قصيدة النثر بصفة عامة ينقسمون إلى ثلاثة أجيال السبعينيات ، والثمانينيات والتسعينيات ، لكن الجيل الأول (السبعينيات) هو الذى عبَّد الطريق للجيلين التاليين فلم يستمر منه إلا نفر قليل كتبوا قصيده النثر وهم (رفعت سًّلام ، حلمى سالم ، محمد صالح ، محمد آدم ، عماد أبو صالح) .
أما الشعراء الذين جاءوا بعدهم انفتحوا على الخطاب الشعرى الحداثى انفتاحاً لاسقف ولا حدود له ، ممزقين الحواجز الماضوية منطلقين فى سماء الشعر معبرين بشكل أو بآخر عن اتجاهاتهم ومنطلقاتهم الفكرية والفنية ومن أهم الشعراء (عماد فؤاد ، فتحى عبد الله ، محمود قرنى ، عزمى عبد الوهاب وعلى منصور ، مصطفى فتحى ، فارس خضر ، محمود خير الله ، إيمان مرسال ، ياسر الزيات ، الراحل أسامة الديناصورى ، جرجس شكرى ، عاطف عبد العزيز ، فاطمة قنديل ، فتحى عبد السميع ، أحمد يمانى ، ومحمد أبو زيد ، غادة نبيل ، إبراهيم داوود ، كريم عبد السلام ، علاء خالد ، رنا التونسى ، وأشرف يوسف ،عيد عبد الحليم…………إلخ)
إن هذا الحضور القوى لشعراء قصيدة النثر يمثل مجموعة من الرؤى المتضامة التى جمعها هم واحد ورؤى مشتركة ولون أدبى يخشاه المحافضون ، فقد اختاروا لأنفسهم طريقة للسباحة تختلف عن السابقين لهم من الشعراء .
ومن الأمانة العلمية – فى حقيقة الأمر – أن نجيب عن السؤال الذى طرحناه فى مقدمة الدراسة وهو لماذا كتب هؤلاء الشعراء قصيدة النثر ؟
إن الكتابة فى نوع أدبى بعينه ورفض الأنواع الأخرى ، هذا لايخلو من دلالات متعددة مفادها أن هؤلاء الشعراء أرادوا أن يسهموا بشكل أو بآخر فى الحياة الثقافية المصرية بخاصة والعربية بعامة ، وأن يكون لهم الإضافات الحقيقية فى الساحة الشعرية ، ومن ثم فقد تكمن فى أرواحهم الشاعرة تقنية الرفض أى أن الرفض والتمرد صفتان رئيستان عند شعراء قصيدة النثر أنهم رفضوا الرؤى التقليدية السابقة عليهم ، محاولين بشكل أو بآخر التكريس لرؤيتهم التى يؤمنون بها من الناحية الفنية والجمالية . فهؤلاء الشعراء الذين سبق ذكرهم يمتلك كل واحد منهم مشروعاً شعرياً له سماته الخاصة له ، وهذه السمات تصب فى نهاية الأمر فى قالب فنى واحد ألا وهو قصيدة النثر ، ولذلك فإن مشروع قصيدة النثر فى اللحظة الراهنة مشروعٌ يحتاج إلى الكثير من الإضاءات النقدية التى تتصف بالمغامرة اللا نهائية ، حيث إن التنظير الحقيقى لنوع أدبى / شعرى جديد ينبثق من النص الشعرى نفسه.
وأعود للشق الثانى من السؤال وهو : كيف كتب هؤلاء الشعراء هذه النصوص ؟ إن هذا السؤال يحتاج إلى الكثير من الدراسات العلمية الجادة كى تجيب عليه ، لكننا نشير هنا إلى مجموعة من الإشارات السريعة حول جماليات الكتابة / جماليات قصيدة النثر عند الشعراء المصريين السابق ذكرهم .
يبدو أن مشروع قصيدة النثر مشروع مخاتل ، يبحر فى غموض المعنى ، وغموض الدلالة ، يمتزج الشكل بالمضمون ، فلا تستطيع أن تدرس كل واحد على حدة ، ومن ثَّم فإن الطرائق التى سلكها شعراء قصيدة النثر فى مصر متعددة ومتغايرة ، تعتمد فيما تعتمد على الجنوح والاترياح اللغوى والدلالى ، وخلق البلاغة الجديدة من خلال الصور الشعرية البكر ، والسياقات اللغوية التى تصدم القارىء (سياقات مربكة) تجعل المتلقى يراجع نفسه مرات ومرات لحظة تلقى العمل (قصيدة النثر) .
ولاشك أن خطاب قصيدة النثر يعتمد على الرؤية الذاتية بالنسبة للشاعر منطلقاً من الذات بوصفها مركزاً للإنسانية ، ومنتهياً إلى العام (الهم العام) فقد كتب هؤلاء الشعراء نصوصهم مبتعدين عن اجترار السابقين من الناحية الفنية والدلالية ، صانعين بذلك تراكيباً لغوية جديدة ، ينبثق عنها دلالات لغوية وبلاغية أكثر حداثة ، خالقين عوالمهم الشعرية بطريقتهم الخاصة ،ومن ثم فقد ارتكز شعراء قصيدة النثر على مجموعة من الارتكازات الفنية العامة وهى ما يلى :
أولاً : إعادة صياغة اللغة الشعرية والخروج بها من النمطية إلى التجريبية ، من خلال الابتداع والإبداع المعتمدين على الانحراف والعدول .
ثانياً : التكثيف الشديد الذى يصل بالمتلقى إلى الغموض ، والبحث وراء المعنى الفوضوى والدلالات اللانهائية .
ثالثاً : كسر الثوابت والحوائل التى تحول بينهم وبين المسكوت عنه فى الثقافة العربية والمصرية بخاصة.
رابعاً : الانفتاح على الثقافة الإنسانية بصفة عامة والمصرية القديمة والحديثة بصفة خاصة، وهو أن يمتح الشاعر من نبع الحضارات القديمة؛ لأن قصيدة النثر نوع شِعرى عالمى / إنسانى ، يتيح للشاعر فى أي زمان ومكان أن يكتب ما يريد ويرفض ما يشاء فى ظل الثقافة ذات السماء المفتوحة .
خامساً : كسر المقدسة الصغيرة [التفعيلة] والخروج على قانون الخليل بن أحمد ، لأن الشعراء هم الذين يصنعون إيقاعاتهم الخاصة التى تناسب نصوصهم ، وقصيدة النثر تميل إلى خلق إيقاعها الخاص بها الذى يميزها عن بقية الأنواع الأخرى . فقد تعتمد على الإيقاع الداخلي من خلال التراكيب اللغوية غير المعهودة / المألوفة كالتكرار والثنائيات الضدية / والتراكيب الطويلة أو القصيرة00000 وغيرها.
وتعتمد أيضاً على الإيقاع البصرى الذى يستبدل الأذن بالعين ، لأن هناك مجموعة من النصوص تحتاج إلى الرؤية البصرية (حاسة البصر) لا حاسة السمع.
سادساً : الاتكاء على صياغة المشاهد الشعرية من خلال استخدام الأنماط السردية الشعرية التى تختلف عن مناطق السرد فى الرواية والقصة القصيرة أو المقال.
سابعاً : استخدام تقنيات فن السينما فى صياغة قصيدة النثر من حيث الصورة السينمائية فى الشعر كالتقطيع (المونتاج) اللقطة / الفلاش باك أو تداخل الأحداث والأزمان والأماكن.
ثامناً : اعتماد شعراء قصيدة النثر على الاحتفاء باليومي والحياتى والمعيشي ، والفوضى وجماليتها المتعددة داخل النص الشعرى الواحد .
تاسعاً : الاعتماد على تقنية تعدد الأصوات داخل النص الشعرى الواحد ، حيث إن الشاعر يقوم بخلق شخصيات متعددة هذه الشخصيات تسهم إسهاماً قوياً فى بنية النص نفسه . وعليه فإن هذه الإشارات النقدية حول مشروع قصيدة النثر العربية هى قليل من كثير. فجل واحدة تحتاج إلى دراسة علمية بمفردها ، لكننا لجأنا إلى الاجتزاء، لأن منهج الدراسة يفرض علينا آلياته .
 
 
 
2- مفهوم النوع الشعرى ( قصيدة النثر)
إن مصطلح قصيدة النثر من أكثر المصطلحات التى أثير حولها الكثير من اللغط فى حياتنا الثقافية المصرية والعربية ” ولا أظن أن هذا الجنس الأدبى  (قصيدة النثر) بحاجة اليوم إلى تسويغ ، فقد أصبح ظاهرة لها حضور قوى فى مصر فى السنوات الأخيرة ، بحيث أصبح من الصعب انكاره أو دحضه . دعك من أن له حضوراً أو مثولاً فى الشعر العربى أو فلتقل فى الساحة الأدبية العربية منذ أربعين عاماً على الأقل وفى الشعر الغربى منذ القرن التاسع عشر”[1] ومن ثم فإن هذا الحضور القوى ، أسهم فى ترسيخ قصيدة النثر إسهاماً كبيراً ، وجعلها جزءاً واقعياً يجب الاعتاد به والانصات له ، ومعرفة سماته وطبائعه ، وتشير سوزان برنار فى كتابها قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا إلى “الولادة الحقيقية لقصيدة النثر من خلال تمردها على الاسعتبادات الشلية التى تحوةل دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ، والتى تضطره إلى أن يصب مادة جملة اللدنة فى قوالب جاهزة …. بيد أن قصيدة النثر قد أنكرت على نحو تام قوانين علم العروض. ورفضت بإصرار أن تنقاد للتقنين . وتفسر الإرادة الفوضوية الكامنة فى أصلها تعدد أشكالها كما تفسر الصعوبة التى يواجهها المرء فى تحديد هويتها ومعالمها ؟”[2] 
نحن إذن أمام مصطلح إشكالى يثير الكثير من الجدل القائم الذى لاينتهى، لأنها تحدد نشأتها من خلال تمردها ورفضها للقوانين المسبقة ، ومن ثم فإن ” مصطلح قصيدة النثر نفسه قابل لكثير من المفهومات المتنوعة ! ولكننا نستطيع فى الأقل البدء بإقصاء جميع قصائد النثر “اللاإرادية” التى يمكن للمرء أن يستأنس (وغالبا ما يستأنس بقصها من الرسائل والمفكرات اليومية”
تريد قصيدة النثر الذهاب إلى ما وراء اللغة ، وهى تستخدم اللغة وتريد أن تحطم أشكالاً وهى تخلق أشكالاً ، وتريد أن تهرب من الأدب وها هى ذى تصبح نوعاً أدبياً مصنفاً . إن هذا التناقض الداخلى وهذا التباين الجوهرى هو الذى يعطى قصيدة النثر طابع الفن الأيكاروسى[3]
وقد واجهت قصيدة النثر الكثير من الرفض المتمثل فى جمهرة التفعيليين فيقول الدكتور محمد عبد المطلب : “قصيدة النثر قد أصبحت حقيقة فرضت نفسها على الخطاب الأدبى ، ولانجاوز الحقيقة إذا قلنا إنها أصبحت صاحبة السيادة فيما ينشر مفرداً أو ما يطبع على شكل دواوين ، برغم أنها تكاد محاصرة من جمهرة التفعيليين أولاً ومن جمهرة النقاد ثانياً وبرغم أن هذا الحصار يمكن أن يكون نابعاً من طبيعتها الإبداعية ، بوصفها نوعاً نافراً عن الشافهة ، وغير قابل للتلقى العجل السريع ، واحتياجها إلى قدر واخر من القراءة المتأنية المتأملة التى تتابع السطوع والأعماق والخارج والداخل ، فلا فرق فيها بين سطح وعمق ، ولا فرق فيها بين داخلها وخارجها فالعلاقة الجدلية بينهما لاتعطى لطرف أهمية على الطرف الآخر”[4].
يتجلى الحضور القوى لقصيدة النثر فى مصر من خلال الإشارات الواضحة التى حاول الدكتور محمد عبد المطلب أن يرصدها من خلال اللحظة الراهنة ، فقد جابهت قصيدة النثر كثيراً من الرافضين لها ولوجودها فى الثقافة العربية والمصرية على وجه الخصوص ، وعلى الرغم من كثرة هؤلاء الرافضين فإنها حققت وجوداً قوياً على الساحة الثقافية فى مصر من خلال الدوريات التنويرية مثل جردية أخبار الأدب ، الثقافة فى الجديدة ، ومجلة الشعر المصرية ، وإبداع….. وغيرها.
ومن الملاحظ أن شعراء قصيدة النثر يزداد عددهم يوماً بعد يوم ، ويدل ذلك على الحضور القوى والوعى التام باحبس الأدبى ، بمعنى أن هؤلاء الشعراء لم يقدموا على الكتابة فى هذا النوع الأدبى الإشكالى إلا بعد المرور بالانواع الأدبية الأخرى لأن الكتابة فى قصيدة النثر مغامرة كبرى غير محسوبة النتائج ، لايبقى إلا الأصلح الذى آمن إيماناً قوياً بما يكتب لايزحزحه القارىء أو الجماهير الغفيرة التى حشدت لقصيدة التفعيلة.
ولا أظن – فى حقيقة الأمر – أن الحشود الغفيرة هى التىتجعل شاعراً يطفوا على السطح دون الآخر ، لأنها لاتمثل المعيار الحقيقي للفن بصفة عامة .
ويمكن لنا أن نقول إن قصيدة النثر حققت مالم تحققه القصيدة الكلاسية ، التفعيلية لأنها تخاطب القارىء الخاص / المثقف الذى يُهمه الامر الجاد والباحث عن التجارب الشعرية الجديدة ، وقد اتكأت الدراسة التى نحن بصددها على الرؤية الاستشرافية لعوالم قصيدة النثر من خلال رصد الملامح الفنية عند شعراء قصيدة النثر وهم : “محمود قرنى ، فتحى عبد الله ، غادة نبيل ، عاطف عبد العزيز ، فارس خضر ، محمد أبو زيد ، ياسر
 
الزيات ، فتحى عبد السميع ، مصطفى فتحى ، وأشرف يوسف ، أحمد يمانى ، محمود خير الله…) وإبراهيم داوود ، وأسامة الديناصورى .
لاشك أن الإنتاج الشعرى فى قصيدة النثر غزيرُُ حيث إن شعراء قصيدة النثر قد تصدروا المشهد الشعرى من خلال نصوصهم المتعددة التى تتراوح بين النصوص الطويلة والقصيرة من حيث الشكل ، أما المضمون فقد تضمن بعض الظواهر التى تجلت داخل قصيدة النثر ومن هذه الظواهر تداخل الذات الشعرية فى العوالم الاخرى ، والاتكاء على التراث بشتى أنواعه ، استخدام الرمز الشعرى.
استدعاء الشخصيات التراثية والمعاصرة بصفة خاصة . وستطرح الدراسة قراءة لبعض دواوين قصيدة النثر ، هذه الدواوين التى يجمعها سمات فنية مشتركة
أولاً : الذات / الآخر :
تتجلى الذات الشاعرة داخل نصوص قصيدة النثر بصورة كبيرة ممتدة ويتجلى ذلك فى أعمال الشاعر محمود قرنى فيقول فى ديوانه الأخير قصائد الغرقى فى قصيدة بعنوان أبناء الله :
” ذات يوم
سنمر من هنا
وسوف يتحدث أناس غيرنا
عن آثار أقدامنا
سيقولون :
آه من هذا الموجع الدرامى….. ” [5]
من الملاحظ فى المقطع السابق أن الذات الشاعرة جاءت فى صورة الذات الجماعية ، وكأنها تتحدث بأصوات الآخرين ، مستشرفة آفاق المستقبل القريب كما أنها تتحدث عن أحوال الوجع الدامى الذى يسرده الآخرون فيما بعد.
ونلاحظ أيضاً فى نصوص محمود قرنى تقنية تعدد الأصوات الشعرية داخل النص الشعرى الواحد منقول فى النص نفسه :
            قالت الجارية :
                        آه … إنها المياه المقدسة
تلك التى جرت ذات مساء
قال الأمير :
إنها السلالة
فرقتها الخطيئة
على مرابع الأوباش
قال الأطفال
            نحن أبناء
            أبناء المخادع المسروقة
            وصافرات الانذار
وقال الموت :
            رأس تؤلمنى
            ثم لى من فعل شىء
            ثم نعسق غراب ” [6]
إن هذه الاصوات الثلاث تعد تقنية مهمة فى شعر محمود قرنى ، فتنحو منحاً ميتفيزيقياً من خلال استنطاق الموت والجارية والامير ، والاطفال فكل صوت يعبر عن شخصياً ورؤيته الحالمة فى الوجود ، ومن ثم فإننا ازاء مجموعه من الاصوات التى تتداخل فيما بينها ، لتنسبح صوتاً جماعياً بدلاً من الصوت الفردى ، لأن قصيدة النشر هى صوت الجماعة الرافضة أو المتمردة إن جاز القول .
ومن الملاحظ أيضاً فى ديوان قصائد العزقى لمحمود قرنى استدعاء بعض الشخصيات التراثية مثل “عنزيرة ، امرؤ القيس ، وقد تجلى ذلك فى نصب بعنوان “ويجب ناقتها بعيري يقول :
                        لزَّنىِ كنفُ ُ عار
                        فانتبهت إلى نافورة من البياض
                        سألتنى إن كنت أعرف الطريق
                                                إلى خدرها
            فحسبتها ” عنتيرة “
            وحسبتنى ” امرأة القيس “
            قلت لا بأس
            من أن أترك – أنا الآخر –
            دمَ أبى يضيع هدراً
            وأتغافل عن قاتليه
            فهى نزلة جميلة
            اصطفتها الأحراش
            وطارتها القبائل
            وأنا نزل على مشارف الصحراء
            أدمن التوجع والخمر
            وأملاً قصائدى بالعبرات ” [7]
ونلاحظ فى النص السابق استدعاء الشاعر العربى المنخل البشكرى من خلال التناهى الواضح فى عنوان النص (ويجب ناقتها بعيري) واستدعاء المحبوبة (عنتيرة) والشاعر الجاهلى (امرؤ القيس) إن جل هذه الاستدعاءات تحيلنا بشكل أو بآخر إلى الانفتاح على التراث الشعرى العربى بصفة عامة ، ومن ثم فإن هذا الاستدعاء يمثل انفتاح قصيدة النثر نفسها على التراث الشعرى وترد على الذين يزعمون أن قصيدة النثر تقطع علاقتها بالتراث ، فأين تكمن القطيعة ، والشاعر محمود قرنى يستدعى / تينامى مع المنحل البشكرى / و امرىء القيس ، وشخصية عنيزة وهذا يدل على ارتباط الشاعر الحداثى (شاعر قصيدة النثر) بتراثهِ لحظة واحدة ، لأن قصيدة النثر تمتلك بنية مفتوحة على الأنواع الأدبية الأخرى ، .
2- ياسر الزيات :
يطرح الشاعر ياسر الزيات ديوانه (أحسد الموتى) بنية متغايرة حيث إنه احتفى ببنية الهدم ، فقد خرج على التقاليد الفنية فى القصيدة التفعيلية وأرس قواعده وهو فى قصيدة النثر ، .
ولذلك نلاحظ أن ياسر الزيات يحاول أن يقدم مجموعة من النصوص التى تشتمل على تجربة الموت فىشعره.
اختار الزيات هذه النصوص تحديداً التى كتبت فيما بين عامى 96 ،97 ونلاحظ ايضاً أنه أغفل النصوص التى كتبت قبل 1996 وما بعد 1997 . ويبتدى هنا سؤال مهم هو لماذا جمع الزيات هذه النصوص الشعرية وأصدرها فى ديوانه؟
أظن أن الزيات حاول أن يطرح هذه النصوص التى تشتمل على موضوع متجارب / تجربة تشترك أجزاؤها فى بعد دلالى واحد ، وتشترك فى الزمان والمكان ؟ لأن نصوص الزيات تقع فى دائرة المغامرة ، والمراوغة . ولأن هذه النصوص أيضاً نصوص مخاتلة تطرح خطاباً فائزاً شديد الخصوصية غائر الرؤية ، مهموم بقضايا الإنسانية فى كليتها ، ويمطلق الزيات من الهم الخاص إلى الهم العام ، من قضايا الذات الشاعرة التى تنوء يحمل الآخر البغيض . وأعود مرة أخرى للإجابة عن السؤال الأهم : لماذا كتبت الزيات هذه النصوص وجمعها فى ديوان واحد ؟
أظن أن الزيات فطن إلى أن الديوان الشعرى هو عبارة عن مجموعة من القصائد الشعرية الملتحمة بعضها ببعض ، أو بمعنى آخر أن الديوان يشتمل على تجربة كلية تتجزأ إلى جزئيات صغيرة هذه الجزئيات ينتج عنها رؤية محددة ، وقضايا متشابكة / متواشجة ، وهذا ما أدى بالزيات إلى أن يغفل القصائد القديمة والقصائد التى كتبت بعد 1997 .
وقبل الولوج إلى عالم الديوان ، لا نستطيع أن نغفل الإشارة الدلالية الأولى وهى عنوان الديوان (أحسد الموتى) يتبدى من خلال العنوان الذى يأتى بطريقة لاتخلو من السخرية ، فكيف يكون هناك إنسان يحسد الموتى ، على الرغم من البشر جميعاً يكرهون الموت.
لكننى أظن أن فكرة الموت / الموتى لدى الزيات تسيطر بشكل كبير على متن الديوان ، لأن الموت هو الخلود اللانهائى والهروب إليه هو ملاذ الذين يزهدون فى العيش وسط الزيف والفساد والهلاك المبين ، وهو ملاذ الذين يحملون هموماً وأحلاماً ، يريدون تحقيقها ، فلا يصلون إليها .
ومن الناحية اللغوية ، يتبدى لنا أن عنوان الديوان جاء فى صيغة الجملة الفعلية المكتملة الأركان (فعل + فاعل + مفعول به) ، قليلة هى العناوين التى تأتى بهذه الصيغة ، لأن الاسمية هى الطاغية على معظم عناوين دواوين قصيدة النثر . ، ولذا فإن هذ العنوان يحمل دلالة مفادها أن الشاعر فى حالة من الحركة المستمرة ، فى بحثه عن الموتى ، لأنه القائم بحسدهم على توحدهم مع الموت . وتأتى إجابة الشاعر نفسه فى ص14 يقول :
 
            الأمر معقد بالفعل ،
            لكننى أحسد الموتى ،
            لأن شيئاً لن يتغير فى حياتهم
            ولأنهم يمتلكون دماءً سهلة
            وأسماء لاترغب فى الحياة “[8]
تتجلى الأسبابُ التى جعلت الشاعر يحسد الموتى من خلال المقطع السابق ، لأنهم لايتغير شيىء فى حياتهم ، ويزهدون فى الحياة والموت هنا ليس هو الموت فى معناه المباشر ، لكنه الموت المعجون بتجربة الواقع / الموتى / الأحياء (إن جاز القول) الذين لايشعرون بشىء ولا يغيرون ولا يتغيرون.
وقد جاء الموتى ، الثانى : حذاء معلق – مقلوباً – على باب القبر الثالث بعد أن انتهى كل شىء ، الرابع : زهور ميتة داخل المشهد.
جاء القسم الاول فى سته نصوص هى : نهاية طويلة ، على الجسر ، آلام حادة ، موت كثير ، نهاية بحر ، ذباب) وهذه النصوص تحمل بعداً رؤيوياً متبايناً ، البطل فيه عائش فى الميتافيزيقا أى أنه يحلم بالحيوات الأخرى التى نهاية لها. ويطرح الزيات من خلاله الأفكار الملحة عليه وهى أفكار الموت ومفرداته .
أما الثانى : فقد طرح الزيات هموماً متعلقة بالحياة اليومية فاستخدم المفردات التى تدل على الهامش والمعيش والتداولى وهذه المفردات روج لها بكشل أو بآخر فى قصيدة النثر وهو الشكل القمِىء فى قصيدة النثر ، لأننى أرى أن قصيدة النثر أعمق بل أعظم من هذا كله.
وتأتى بعد ذلك قصائد الغربة [التى كتبت فى الدمام تحديداً] وقسمها الشاعر إلى ثمانية مقاطع ، يمكن للمتلقى أن يستنبط ما وراء هذه التجربة التى غُلِفت بغلاف الغربة ، ثم يختم الشاعر ديوانه بالموت فى عنوان كلى هو (زهور ميتى داخل المشهد) وهى بائع الزهور البارمان العجوز ، ثلاثة أشخاص ، طفلان ، فى الجنازة) .
تيكىء ياسر الزيات على اللغة اتكاءً شديداً مبالغاً فيه لأنه يضع من اللغة أشياءً وتقنيات متعددة ، كالتقديم والتأخير ، والحذف والاعتراض ، والفصل والوصل….الخ من التقنيات اللغوية ، كما أنه يصنع ايقاعاً بصرياً يقف نداً للإيقاع الموسيقي من خلال التراكيب اللغوية فيقول فى نص بعنوان (نهاية طويلة) ص7
 
            لابد من مبرر – أحياناً – للموت
            على الأقل لهؤلاء الذين سيعيشون ،
            الذين سيتحدثون كثيراً عن حادث مفجع ،
            الذين سيأكلون ويشربون وينذكرون
            لابد من شبهة بطولة ، نجعل النهاية طويلة ،
            ولابد من أشخاص يشفق عليهم آخرون ،
            آه : هؤلاء الآخرون
ياسر الزيات هنا يوظف كل تقنيات الكتابة الشعرية وتحديداً إصراره الشديد على علامات الترقيم ، فهو يستخدمها بحرفية عاليه يضع الفصلة فى مكانها ، لتعطى بعداً دلالياً ما ، والفصلة المنقوطة ، وعلامات التعجب ، فالإيقاع البصرى يتجلى هنا تجلياً واضحاً . وأظن أن الجملة الأخيرة هى التى يتفق عنها هذا لايقاع فيقول آه : هؤلاء الأخرون ! ويضع علامة تعجب فالشاعر إذن يعانى ويكابه ويسخر من هؤلاء الآخرين الذين يمصمصون شفهاهم فى وقائع الموت وأثناء الجنازات تحديداً.
نأتى إلى تعنية أخرى اتكأ عليها الزيات وهى قصيدة اليوميات التى تجلت بشكل كبير عند شعراء الستينات وبخاصة عفيفي مطر ، والسبعين عموماً وبخاصة حلمى سالم ، وشعبان يوسف ، وحسن طلب ، ورفعت سلام . هذه القصيدة التى تحتفى بالزمان والمكان فيها عنصران جليان يسهمان اسهاماً ___ شرفى وقائع النص الشعرى الثمانيني وخاصة ياسر الزيات ، وهذه الظاهرة اليومية احتفى بها شعراء قصيدة النثر فى عالمنا العربى سيف الرجى ، عيد الحجيلي ، محمد حبيبي ، سعدى يوسف ، ميسون صقر …الخ
وتجلى الاحتفاء الزمانى والمكانى فى القصائد التى كتب فى الدمام قيصر ياسر على ان يكتب التاريخ والمكان الذى كتبت فيه وهناك نصوص كتبها الشاعر بنفس التاريخ الذى رونه للقصيدة السابقة فى مقطع 1 ، 2 ، 3 ص32 ، ص33 34 ، 35 ، وكأنها حالة شعرية واحدة ، بل هى حالة بطبيعة الحال لاتنفصل أجزاؤها.
وعن تقنية الصورة الشعرية ، يميل الزيات إلى الصورة المركبة وكأنها آربيسك يلتحم بعضه ببعض فيقول فى قصيدة بعنوان آلام حادة ص11
            وفقاً لحتمية تاريخية ،
            سيصاب قلبى بآلام حادة .
            وعندما يصرخ يقفز جسدى
            متجاوزاً الحياة
            عندها
            سأكون قد تعلمت ترويض الآلام.
مصطفى فتحى
الشاعر مصطفى فتحى من شعراء جيل الثمانينات فى مصر ، صدر له ثلاثة دواوين شعرية هى (مواسم الأوز والدخان 1997) و (قيامة الأعضاء 1998) وإقامة الكائن فى البياض 2008) ونشر الكثير من النصوص فى الدوريات المصرية والعربية.
من الملاحظ ان الشاعر مصطفى فتحى من شعراء قصيدة النثر الحقيقين الذين آثروا الزهور والتقشف متأثراً بالمتصوفة الكبار ، بهو يعيش متوحداً مع ذاته ، أخلص للشعر إخلاصاً كبيراً ، فقد طرح فى دياونه الثانى قيامة الأعضاء مجموعة من النصوص التى تلتحم ببطولة الشاعر وعناده إزاء الواقع فيقول فى الإهداء :
            إليها دائماً
            التمرة و الجمرة ،
            ديمومة الوجد ،
            وكينونة الوصل
            وارتقاء الارتقاء
            وملكى الذى لاينبغى
                                    لِيساوى [9]
إن الحس البطولى فى هذا الإهداء ، يجعلنا أن نلاحظ أن الشاعر مصطفى فتحى ينسج خيوطاً جلية بينه وبين الذات الشاعرة التى يهديها هذا الديوان ويتجلى ذلك فى السطر الأخير (ملكى الذى لايبتغى لسواى) فالشاعر له ملكه الخاص بل عالمه الذى يعيش فيه ويحدد أبعاده وجوانبه ، فقد ارتقى لحظة من لحظات الارتقاء العليا التى يصل فيها إلى العوالم الأخرى التى لاتحكمها نتؤات الواقع القمىء.
ويقول فى مفتح الديوان :
            إلى أصدقاء قدامى
            كنتُ أعرفهم
            كلهم كبروا ،
            ونسيت !
            أطوبى لكم
            فقد خسرتموا ،
                        لِتَرْبَحَ الهزائم “[10]
 
لا أظن أن النص الشعرى هنا ، يحتاج إلى تأويل مغاير ، لأنه يحمل فى طياته الهزائم التى لحقت بهؤلاء الأصدقاء القدامى الذين دهستهم علات المدينة وراحوا ينسجون خيوط الخيام المزيفة ، وبقى الشاعر وحده ينسج عوالمه الشعرية ، من خلال المفارقة التى ضعها فى نهاية النص.
وقد جاء ديوان (قيامة الأعضاء) فى أربع وعشرين قصيدة هى (قصيدتان لإيمان وحدها ، مقامة الذى رأى ، قافية لأجل التداعيات ، البياض ، قيامه جديدة لموت أخير ، له أن يغيب…. لها أن تفسر وأكشف نورس للبحر ، غيمة لشتاء وحيد ، مساجلة الوقت ، قصيدة التعب، تأويل ، قيامة الأعضاء ، اعتراف أخير ، واو – عين – خاء ، مفتتح أخير ، حالتان من الوجد (فيض – نضوب) اللحطة المناسبة تخول ، حالان ، باب فى المحبة ، من أقوال الشيخ ، خاتمة) .
لاشك أن النص الشعرى لدى مصطفى فتحى يتكىء على استدعاء الذات الشاعرة من العالم الباطن الذى لايدنوا منه إلى المحبون ، فشعر مصطفى فتحى ذو طبيعة خاصة يحتاج إلى إقامة الألفية اللانهائية بين المتلقى والنص ، فيقول فى قصيدة بعنوان البياض :
            أستطيع اكتمالى
            وأجلس منتظراً إياى – فى شارع –
                        لله يمر فيه سواى
            ولله يتعقبنى فيه غيرى
            أحددنى
            فى اللحظة التى أعبر طلى
            لن يكون علَُّى أن أصوغ الجزر المأهولة
                                                            ولا الخاوية
            ساكتفى بما اكتشفته من البياض
            لذا ، سأغيب عليكم طويلاً
            ولن أكون بحاجة إلى أحد [11]
يطرح المقطع السابق مجموعة من الأسئلة المهمه هى : لماذا اختار الشاعر أن يعيش فى البياض ؟ وماذا يعنى البياض عنده ؟ يبدة أن الذات الشاعرة تسيطر على الجانب الأكبرفى نصوص مصطفى فتحى ، ومن ثم فقد جاء المقطع السابق ليدل على ذلك من هلال استخدام الأفعال المضارعة المتكررة ، لتعلن حضوراً معيناً لصوت الذات داخل النص الشعرى نفسه مثل (أستطيع ، أحبس ، يمر ، يتعقبنى ، أغيب ، سأكتفى ، سأغيب) .
إن استخدام هذه الأفعال بصورة واسعة يحيلنا فى صورة مباشرة إلى العنوان الذى صّدره الشاعر (البياض) إنه يالف العيش فى البياض على حد قوله :
سأكتفى بما اكتشفته من البياض ، لذا سأغيب عليكم طويلاً . لكننا نطرح هذا المفهوم (البياض) للتأويل ، هل هذا البياض هو عالم الشاعر الذى يحلم بان يغيب داخله ، فيشعر فى هذا العالم بالأمان والتوحد والاطمئنان فالشاعر إذن لايحتاج إلى أحد ، فالبياض هو العالم الحقيقى الذى يعيش فيه الشاعر دون أن يترقبه أحد أو يعد عليه أنفاسه ، إنه يريد أن يخلق عالماً ميتاً فيزيقياً يغيب فى اكتشاف هذا العالم طويلاً ، هو إذ يعلن الغياب ، لكنه حضور وتتجلى للذات فى لحظات ارتقائها ودونها من الحضور والغياب . إن الشاعر مصطفى فتحى يتكىء على الحس الصوفى الزاهد فى الحياة الدنيوية ، اراغب فى حياة الخاصة بل خاصة الخاصة .
تتجلى تقنية التناص فى ديوان (قيامة الأعضاء) بصورة كبيرة فيقول مصطفى فتحى فى قصيدة بعنوان قيامة جديدة لموت أخيراً .
            أنا الشقى لاتقربوا قربى
            ولا تصلوا صلاتى
            غبت فى “الأبيض المتوسط” خمساً
            كات “جهر سالم” المقاطعة والقطيعة
            واشتبك الأبيضين على “فقه اللذة”
            حدثتها عن “الغبار أو إقامة الشاعر”
            فأدارت ظهرها
            بينما كان “رفعت سلاّم” يصل الخيط بالخيط
            والشعرة توشك تنقطع
            لماذا إذن كان (محمد آدم)
            يحكى لملكية عن عبد الله ؟
            هل ورط الولاة ” عفيفى مصر؟!
            كنت أسأل أنسى الحاج
            كيف (أستعير عاشقاً من أذنى) ؟ [12]
لاشك أن التناص تقنية أتاحت لشاعر قصيدة النثر أن ينفتح على عوالم الآخرين ، حيث إنه يخلق حواراً ما مع نصوص هؤلاء الشعراء الذين استدعاهم فى نصه ، واللافت للنظر أن مصطفى فتحى محمد قد قام باستدعاء الأسماء التى يخلو استدعاؤها من دلالة مصل حلمى سالم ، رفعت سّلام ، محمد آدم ، عفيفي مطر ، أنسى (الحاج) وهم يمثلون أقطاب شعر الحداثة فى مصر والوطن العربى ، جيل السبعينات الذى يحضر بقوة داخل ذاكرة مصطفى فتحى بسبب تجازاته واشتباكه المتعدد مع الكيانات المهيمنة على الذائفة التقليدية ، ومن ثم فإن الشاعر مصطفي فتحي واحد من شعراء قصيدة النثر الحقيقين الذين يكابدون الكثير من أجل النص الشعري الجديد..
د:تور/أحمد الصغير
ناقد وشاعر مصري


 [1] إدوار الخراط : شعر الحداثة فى مصر ، دراسات وتأويلات ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة كتابات نقدية ، عدد (97) ، ص587 ، القاهرة ، 1997
[2] سوزان برنار : قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا ، ترجمة زهير مجيد مغامس ، آفاق الترجمة ، الهينة العامة لقصور الثقافة ، 1996 ، ص12 .
[3] السابق ، ص14 .
[4] محمد عبد المطلب : (قصيدة النثربين القبول والرفض” ، قوس قزح ، مجلة ثقافية فصلية ، مستقلة غير دورية ، العدد الأول ، ص63-64 ، القاهرة ، 2003
[5] محمود قرنى : قصاءد الغرقى ، دار التلاقى ، القاهرة 2008 ، ص9
[6] السابق ص10-11
[7] السابق ، ص 44 -45
[8] ياسر الزيات : أحسد الوتى ، الدار للنشر ، 2008 ، ص14
[9] مصطفى فتحى ، قيامة الاعضاء ، سلسلة ابداعات ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 1998 ، ص5 .
[10] السابق ، ص 7
[11] السابق ، ص39
[12] السابق / ص43
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد