إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

باب الحارة 4 وبيت جدي 2… قبضايات ونضالات متوهّمة

باب الحارة 4 وبيت جدي 2... قبضايات ونضالات متوهّمة
يمكن للمشاهد العربي أن يلاحظ أن المسلسلات التلفزيونية الدرامية على القنوات الفضائية تأتي في إطار الموجات، فتارة تدلف المسلسلات الصعيدية المصرية، وأخرى البدوية السورية كـ{الكواسر» و{الجوارح»، من دون أن ننسى المكسيكية والتركية.
 
لا تشذّ مسلسلات الحارة الدمشقية عن هذه القاعدة، فمنذ نجاح «باب الحارة» أصبح المشاهد العربي أمام موجة مسلسلات الحارات ونسائها ورجالها وأبوابها.
 
في الدراما الصعيدية تحضر بندقية الصيد والجلابية وعمليات الثأر التي لا تنتهي، أما في مسلسلات الحارة الدمشقية فيتصدّر المشهد الشروال والشماخ (الكوفية) والأشبهي القبضاي والنخوة بين أبناء الحي الواحد.
 
في واجهة الدراما السورية الرمضانية «باب الحارة4» و{بيت جدي 2»، وبين الأول للمخرج بسام الملا والكاتب مروان قاووق وكمال مرة، و{بيت جدي» للمخرج إياد نحاس والكاتب مروان قاووق، تقاطعات واسعة سواء في الممثلين أو حكاية الحارة الدمشقية التي أصبحت شهيرة كما الصعيد المصري، لكثرة المسلسلات التي تتناولها، إضافة الى «اللت والعجن» في قصّتين لا تحتاجان إلى أجزاء متتالية.
 
جعل المخرج من نجاح «باب الحارة1» «دجاجة تبيض ذهباً»، فعلى رغم أنه وصل إلى جزئه الرابع لا يزال المسلسل يحظى بجمهور كبير. ما السر في ذلك؟ يقول البعض إنه يعيد الناس إلى زمن النخوة، ويذكّر بالرجولة، ولا يتردد البعض الآخر في التأكيد على أن «باب الحارة» أفضل من «الشخلعة» في المسلسلات المصرية.
 
كذلك أغوى نجاح «بيت جدي1» مخرجه وكاتب قصته الذي لجأ الى الجزء الثاني، وأسماه «الشام العدية»، لكن معظم المحطات عرّف به على أنه «بيت جدي 2» الذي أدّى أغنية مقدمته الفنان عاصي الحلاني.
 
ابتكر المخرج أقرباء لشخصية أبو راشد الباغاجاتي، بل أدخل مشهد المواطن السوري العائد من فرنسا ضابطاً في السراي، بينما شقيقه هارب من الشرطة، كدلالة على نوايا الاستعمار والصراع بين الشرق والغرب. كذلك يحضر راعي الغنم والشيخ متعب والحسناء زينة مع بقاء صبري أفندي (بسام كوسا) على قيد الحياة على رغم أنه بدا ميتاً بعد طعنه من «أبو راشد» أثناء بحثه عن الذهب في دكان «أبو شريف».
 
بمعنى آخر، تفرّعت حكاية «بيت جدي» وصارت حكايات، وفيما بدأ «باب الحارة» على وقع حصار «حارة الضبع»، انطلقت دراما «بيت جدي» بنبأ بقاء مسؤول السرايا «صبري أفندي» على قيد الحياة.
 
يؤدي دور «أبو راشد» في الجزء الثاني الممثل صالح الحايك، والنافل أن ناجي جبر الذي كان النجم الأبرز في الجزء الأول توفي قبل تصوير «الشام العادية»، ما شكّل نقصاً واضحاً في المسلسل فهو المشهور بدور «القبضاي» و{الأشبهي»، وإن كان الحايك جديراً في التمثيل، إلا أنه ليس في مستوى جبر في هذا الدور، فرجولة الأخير خاصة لا تشبه غيرها، وقائمة على العفوية وراسخة في ذاكرة الجمهور. ربما يعود ذلك إلى أدائه شخصيّة «أبو عنتر» و{الشبرية».
 
أبو شهاب
 
إذا كنا افتقدنا الممثل ناجي جبر في «بيت جدي» ولاحظنا أنه ترك فراغاً، فلا بأس في القول إن بسام الملا كان محقاً في استبعاد شخصية العكيد «أبو شهاب» في الجزء الرابع من «باب الحارة»، خصوصاً أن الأخير أكل «البيضة والتقشيرة» في الجزء الثالث، حتى أن المشاهد أطلق على المسلسل عنوان «العكيد أبو شهاب»، والأرجح أن المخرج هذه المرة حرص إلى حد ما على أن يكون العمل بحد ذاته النجم، من ثم تنعكس نجوميته على بقية العناصر، تحديداً الشبابية. لكن المشكلة أن الجمهور يفتّش عن الرمز دائماً، ففي الجزء الرابع وإن بدا كل من الكاتب والمخرج مهتمين بشكل أو بآخر بشخصية «أبو العز» (وائل شرف) لوحظ أن معظم المشاهدين يريد أن يرث الأخير دور العكيد، على اعتبار أنه يستحق مسدسه ودوره، هكذا يريد الجمهور أن يتماثل مع النجم وحركاته وأفعاله.
 
لا شك في أن شخصية العكيد أصبحت رمزاً، وعزا المخرج غيابها إلى ضرورات درامية خشية من أن يقع الجمهور في حيرة بين شخصيتي «أبو شهاب» فيشاهدها بمواصفاتها الأخلاقية والإنسانية والوطنية في المسلسل، ثم يراها في إعلان! وقال في هذا الإطار: «سبق وصرّح سامر المصري أنه سيعتذر عن المشاركة في «باب الحارة» لأن المسلسل أصبح تجارياً وأعتقد بعد أن رأينا هذه الشخصية وكيف استُخدمت في الإعلان أصبحنا نعرف من حوّل الأمر إلى مشروع تجاري فليس من حقه استخدام شخصية في العمل هو شريك فيها وليس مالكاً لها. لكننا حتى الآن لم نقرر من سيؤدي دور «أبو شهاب» وسيكون اختيارنا مفاجأة».
 
لكنّ المصري ظهر في «بيت جدي» بدور رسلان «أبو حزام» وهو أحد الطفار الهاربين من شرطة الانتداب ومتّهم بقتل شقيق «أبو الموت» الذي كان يحاول الاعتداء على إحدى نساء الحارة، و{أبو الموت» يريد الثأر لشقيقه وهو يأخذ الإتاوة (الضريبة) من البائعين. كان المصري في «باب الحارة» رافعاً شاربيه إلى الأعلى، وفي «بيت جدي» ارتدى الكوفية السوداء والعقال وأطال شاربيه الى الأسفل، وللشاربين دلالتهما الاجتماعية والرجولية، وبين المسلسلين بقي النجم في الإطار نفسه: الادعاء في النظرات العنفوانية وحمل السلاح والرجولة والبطولة وصيحات «يا رجال»، والتمرد على السرايا والفرنسيين. إنه «روبن هود» الأخلاق والكرم وأشبهيات بائدة مع نساء مطيعات خنوعات يشعر المشاهد بالملل من لفظتهن «أمرك ابن عمي»!
 
لماذا لم يشارك المصري في «باب الحارة» وانتقل إلى «بيت جدي»؟ لا شك في أن عين الناقد ستلاحظ أن النجم وقع في لعبة تكرار الدور وهذا ليس في مصلحته، فنمطية الرجل القبضاي باتت رتيبة وليست في محلّها وإن كانت الموضة السائدة الآن، فالقبضاي أو «ابن الأصول» انتقل من مسلسل الى مسلسل ولكنه بقي في الحارة نفسها وفي الدور نفسه، وتردد أنه أراد المشاركة في «بيت جدي» لإفراغ «باب الحارة» من معناه، لكن حتى الآن ما زال «الباب» الأكثر حضوراً، ويبدو «البيت» كأنه قصة جديدة لم تتفاعل أحداثها، فلا نهاية جزئه الأول كانت مقنعة ولا بداية الجزء الثاني جاءت لافتة، على رغم أنه أقل افتعالاً من «باب الحارة» الذي يبدو أن المخرج طلب من ممثليه، لا سيما «أبو حاتم» (وفيق زعيم)، المبالغة في تعابير الوجه بجدارة، وهذا قد يتقبله العقل كأداء، لكن على خشبة المسرح. بل إن المخرج انتقل من لعبة الحارة وثرثرة النساء إلى بطولات حمل البندقية وأغنيات «حيوّا رجالك»، و{الشهداء» والحصار، وتبدو الحارة منتصرة حتى الآن، كأننا أمام مرايا الانتصارات العربية التي تتحدث عنها بعض وسائل الإعلام.
 
وحدة وطنيّة
 
بدأ «باب الحارة 4» على وقع حصار حارة «الضبع» من الاحتلال الفرنسي وعسكر «أبو جودت» رئيس المخفر، وخروج الناس إلى الشوارع للاحتجاج ومجابهة المحتلّ بكل ما يملكونه من أسلحة خفيفة وبدائية. الهم الأساس لدى الفرّان «أبو بشير» وبشير تأمين الخبز للسكان. والأبرز كان موقف «أبو النار» الذي كان على عداوة حتى العظام مع «أبو شهاب» وأهل حارة الضبع جميعاً، لكنه استحق أن يصفه ربعه بـ{معدنو أصيل ذهب عيار 24»، فهو يطبّق المثل القائل «أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب».
 
الحارة المحاصرة ربما هي غزة في ذهن كاتب المسلسل، ومجاري المياه التي استعملت لتمرير المؤن إلى الحارة ربما هي خنادق «حزب الله» في جنوب لبنان. كذلك لم يفت الملا اللعب على عواطف الجماهير، إذ لم يكن غريباً أن يذكّر حصار الحارة الفلسطينيين بحصار غزة من الجيش الإسرائيلي. ربما استوحى المخرج مشهد حصار الحارة الدمشقية من الحاضر وردّه إلى الماضي البعيد حيث الاستعمار الفرنسي مجرد استعارة لقول أمور عن الحاضر، ولعب أيضاً على أوتار الوحدة الوطنية والعروبة وما شابه، إذ تشارك منى واصف في المسلسل بوصفها امرأة مسيحية تدعى «أم جوزف»، تعلّق الصليب في عنقها وتكره الجيش الفرنسي، إمرأة يقولون عنها إنها «أخت الرجال»، وهي التي تتحدّى منطق الرجال والاحتلال الفرنسي من منطلق لعبة «الوحدة الوطنية».
 
كأن المخرج يحاول أن يجد «أوبريت تمثيلياً» يرضي أذواق الجميع. شيء ما يذكرنا ببعض المسرحيات اللبنانية التي كان مخرجها يختار الممثلين على أساس توافقي مع معظم الطوائف.
 
أعتق «باب الحارة 4» المرأة من الثرثرة والنميمة، فهي «أخت الرجال» وممرضة ويُقال إنها ستشارك في المقاومة ضد الاحتلال، لكن المحنة الدائمة في «بيت جدي» و{باب الحارة» طموح النساء الى إنجاب صبي. عموماً، تبدو مسلسلات الحارات الدمشقية ذكورية بامتياز، همّ المرأة الرئيس إنجاب صبي، بينما قتل «أبو راشد» (ناجي جبر) شقيقته في «بيت جدي» لأنه رآها تخرج ليلاً من منزل الجارة، قتلها لمجرد أنه شك فيها، وهي كانت تخدم الجارة العجوز، وعاش طوال المسلسل في إثم فعلته وهو يتحدث عن العرض… المسلسلات الدمشقية لعبة أعراض، عرض الحارة وعرض النساء وعرض المقاومة!
 
يبقى أن شخصيات ثانوية في الملسلسين نجحت في إثبات وجودها بقوة مثل شخصيتي «النمس» «وأبو بدر» الكوميديتين في «باب الحارة»، وشخصيتي «سلمو} و{زكو} اللذين يتعاطيان الحشيش في «بيت جدي».
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد