عتب حول مفاهيم الأدب – شجاع الصفدي

0
 
 
 
” هذا كتابٌ ألّفناه يجمع ضروباً من الآداب ما بين كلامٍ منثور وشعرٍ مرصوف،ومثلٍ سائر، وموعظةٍ بالغة ،واختيار من خطبةٍ شريفة ورسالةٍ بليغة “
قدم الجاحظ لكتابه البديع ” البيان والتبيين ” بهذه العبارة لتضع مفاهيم الأدب بوضعها ومكانتها الصحيحة وقالبها الذي يناسبها . فالأدب معنى شمولي واسع يشمل شتى أنواع الكتابة ، بل يمكن القول أن الأدب هو حلقة الوصل بين الشعوب وتاريخها وحضاراتها وتقدمها وكذلك مستقبلها . لكن الالتباس الحاصل حول المسميات والتصنيفات الأدبية في هذه الحقبة الزمنية التي نعاصرها أفقد كلمة أديب معناها وأصبح ما يصبغ الألقاب على الكتّاب ليس أعمالهم ولا أدبهم بقدر ما هي علاقاتهم الشخصية مما أثر سلباً على المستوى الإبداعي وهذا أمر ينذر بالخطر على مستقبل الأدب العربي ، كونه وحده الذي يعايش هذه الأزمة دون سواه ، فالكاتب العربي غالبا أصابته تخمة الكتابة حيث تجده يعتني بالكثافة الكمّية دون أن يلتفت للكثافة النوعية إلا نادرا وهو بذلك يريد حضورا طاغيا وكأنما يقول : أنه لن يسمح بتغييبه عن الساحة ويجب أن يتفرد بها وإن لم يستطع فعليه أن ينال المساحة الأكبر من القسمة !.
ولذلك تجد كتّابا جلّ همهم أن ينشروا مقالا يوميا ويرسلونه لأكبر عدد من الصحف ومواقع الإنترنت حتى لو كان موضوع المقال مستهلك ولم يعد فيه ما يقال من كثرة من كتبوا في ذات الموضوع .
أما الشعراء إن صح اللقب فمعضلة أكبر ، فكاتب المقال حين يهتم بالكم لعدم الغياب عن الساحة فهذا قد يتأتى له لأن موضوع المقالات من الممكن جلبه من أي حدث عالمي أو محلى ، شخصي أو عام ، ولن يحار في تحديد موضوع يكتب فيه طالما يبحث عن الكم لا عن الكيف ، لكن الشعراء فالطامة الكبرى حين أصيبوا بعدوى الكثافة العددية وتناسوا النوعية ، وهذا مثار للدهشة والإحباط في آن واحد ، فاستحضار النص الشعري مسألة حساسة جدا ، وولادته لها مخاض موجع لا يمكن أن يتكرر بشكل يومي . ورغم ذلك تجد من يكتب وينشر نصوصا يومية تعج بها المواقع والصحف ولكن بمجرد قراءتها تشعر بمدى الانحدار الذي وصل إليه المستوى وتدرك أن مفهوم الأدب مغيّب تماما ، فالشعر لدى الكثيرين هو أن تصف تكوّر الأثداء وتتغزل في مؤخرات النساء فتكون شاعرا جريئا وأديبا فذاً حتى خلت ساحاتنا من الأدب الحقيقي إلا من رحم ربي ، وأصبحت المحافل الأدبية أشبه بصالات الاستعراض ، كلٌ يتعرى فيها بطريقته ويراه الآخرون مبدعا طالما أن الساحة خصصت لهكذا استعراض .!
وهذا يعني أن مستوى المنافسة الأدبية النظيفة انحدر تماما وأصبح هنالك خلل في مقاييس الشعر والأدب والإبداع ، فتجد  على سبيل المثال من يرفع راية المحافظ على الشعر ويرى في المنثور جريمة بحق المرصوف، ومن يحمل راية القصة القصيرة جدا ويرى الرواية أسلوبا مملا _ دقة قديمة _ حتى اختلط الحابل بالنابل ووصلنا إلى هذا الوضع المزري والذي يحتاج إلى ثورة تصحيح حقيقية تحدد معالم الرحلة وتتولى زمام المبادرة لتوضيح تطورات الأدب والشعر وفنونه وصنوفه بشكل محايد ، ولا نطالب بنصب مقصلة ومنصة إعدام لأي نوع من الإبداع وإنما على الأقل ننادي بضرورة فلترة الساحة الأدبية من الأعمال المترهلة وتصفية أذهان المبدعين الحقيقيين من عقدة البقاء في الساحة . فلا بد أن يدرك المبدع أن أعماله تفرض نفسها ولو غاب أعواما عن الساحة الأدبية سيبحث عنه قراؤه ويفتشون عن أعماله وينفضون عنها غبار الزمن ، فتكون مصقولة ولامعة كونها نصوصا ذهبية لا تؤثر فيها عوامل التعرية المعاصرة .
ومن ناحية أخرى تجد بعض الأدباء ذوي المكانة الكبيرة إعلاميا _ ولا يمكن ألا نقول عمليا _ يرتكبون جرائم إعدام بحق الكثير من الكتاب المغمورين ويغلقون الطريق أمام الاجتهاديين الذي يمكن تطويرهم لجعلهم كتّابا ذوي مكانة ، لكنهم يتعرضون للقمع إما بالنقد الأدبي اللاذع أو بالهجوم اللا مبرر بدلا من التوجيه نحو الطريق السليم ، مما يجعلهم  بين شقي الرحى ،وأمامهم خيارات قاتلة ، فإما أن يستسلموا للإحباط وتجدهم اختفوا ولم يعودوا للمحاولة مسلّمين برأي هذا أو ذاك ، أو تجدهم يعاندون ويصرّون على الكتابة دون توجيه فيقعون في شرك الأخطاء الفادحة والشهرة الكاذبة ويدخلون صالات الاستعراض من أوسع أبوابها ويعرضون مفاتن مبتذلة يجارون فيها الحضور الذي يصفق ويرقص في تلك الساحات .
ونادرا ما تجد من يدخل تحديا مع ذاته حين يصاب بالإحباط ويكمل طريقه بتطوير الذات وتهذيب الأسلوب وتحفيز المستوى التعبيري ، ويكون قد استوعب المعادلة وتجاوز الشعرة الفاصلة بين الإجهاض الأدبي  بالكتابة الهابطة و الإبداع الثري بالولادة ذات المخاض المؤلم و العسير .
إذن فالأدب بحرٌ واسع ليس مقتصرا على أسماء بذاتها ، وإنما هو بحر نظيف يلفظ الجيف ، ويحتاج لغواصين مهرة يجيدون جلب الدرر والبحث عن اللؤلؤ في المحار ، يتقنون الوصف والتوصيف ، يكتبون بليغ الكلام و بديعه لا الغث منه ، يميّزون بين الملحمة وبين الغناء ، بين المأساة والملهاة ، بين السيرة والنثر القصصي .
الأدب تاريخنا فدعونا نسطّره للأجيال القادمة بصورةٍ بهية يتناقلها أبناؤنا ويجدون فيها مجداً وحضارة تُحمَد لا تُذم ، تصان لا تهان ، تخلّد لا تموت .
 
 
شجاع الصفدي
مجلة الفصول الأربعة
العدد 114 –أغسطس 2009

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.