إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من حقي أن أعرف !


يوسف جـمـل :- من حقي أن أعرف
 
إن التعريف الشائع للمعرفة بأنها معلومات مخزنة عن حقائق ومفاهيم ومعتقدات وأحكام وتوقعات. والحق في المعرفة هو مطلق العلم بلا موانع وعقبات وقيود.
وطالما أنها معلومات مخزنة فهي ليست ذات منفعة وجدوى ولا يتم هذا إلا بتحريكها وخروجها وانتقالها من مخزن إلى مخزن آخر وهنا تتم التطورات وتبادل المعلومات واستغلالها واستعمالها. انظر أخي إلى سرية المعلومات وإلى خزائن المعرفة والأسرار وإلى الخلطات السرية وحقوق الملكية وإلى ( سر المهنة) كما يقولون, ألا ترى معي أن فيها من حب التفرد والتملك ونزعة السلطة والسيطرة وحب القوة, والبعض يرد ويقول هذا السر من حق من اكتشفه ويحق له أن يتفرد به ليستفيد من ثمرة تعبه وسهره ولكل مجتهد نصيب .
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل بدأ وانطلق هذا المجتهد من الصفر أم أنه استعمل واعتمد على أساسيات في المعرفة وفرها له من سلف من العلماء والباحثين والمفكرين من دون تفرد أو احتكار؟!
تلك النظريات والاكتشافات والاختراعات والمعلومات منذ القدم وعلى مر العصور ومختلف الحضارات متوفرة لكل من يسعى ويريد أن يعرف , هذا الكم الهائل من النظم والمخطوطات والكتب والموسوعات والمراجع تنادي كل من يريد أن ينهل ويبحث ليستزيد في علمه ومعرفته وثقافته بلا حدود ودون قيود , هؤلاء العظماء الذين سطروا التاريخ ووصلوا إلى العظيم من العلوم والجديد من المعرفة في مجالاتهم واختصاصاتهم وسهر الليالي والرحلة في طلب الحديث والكد والجد والشد والرد والتجارب والمحاولات وأحياناً في أصعب الظروف وتحت صراع مع السلطة ومجابهة السائد من ظروف العصر الذي كانوا فيه من جهل وسذاجة وتصلب وتحجر في المفاهيم والعقليات والعادات والمعتقدات والبعض منهم من لاقى سوء المصير والتقدير جراء ما توصل إليه من جديد !
لقد علّم الله الإنسان ما لم يعلم وما يعلمه البشر لا يكاد يماثل نقطة في بحر المعرفة فكم من العجائب والغرائب والتحديثات التي تتوالى علينا يوماً بعد يوم وكم من العلوم والنظريات والمستجدات تتلاحق في ركب العصور الحالية وكم سيتبعها فيما بعد ومع هذا ومع الرخاء الذي تجلبه يبقى الويل مرافقاً وملازماً في كل جديد وحديث لأن في كل جديد حدين حد الاستعمال للخير والازدهار والعمران والحد الثاني حد الاستعمال للشر والدمار والخراب وهذا التنافر إنما هو نتيجة لنزعات النفوس البشرية والاختلاف في ما بينها.
وفي حقبات من الزمن اقتصر التعليم وأفردت المعرفة لأبناء الذوات والنبلاء والإقطاعيين واشتغل السواد الأعظم في معركة الوجود والبحث عن اللقمة وصراع البقاء تحت أنظمة الطبقية والرق والعبودية والتعذيب والاستغلال وجيوش المرتزقة والسفر برلك والخدمة في نفوذ الأقوياء أصحاب العقول المستنيرة الذكية !
لكن على مر التاريخ والعصور تناقلت وتوارثت الأمم الحضارات وانتقلت الكثير منها من الأب إلى الابن ومن الإنسان إلى أخيه الإنسان ومن أمة إلى أمم أخرى فالخبرات والوصفات الطبية والتفاسير والمؤلفات كلها مرت عبر العصور بتوافق ورضى ودون نزاع بل كان الحرص أشد الحرص على نشر هذه المعرفة وحفظها وعدم اندثارها كان في عدم التفرد بها وتخبئتها وكتم السر فيها بل بانتقالها وتوزيعها وتعميمها لضمان بقاءها وحصول الفائدة منها .
كل هذا كان وعلى أنقاضه أو أطلاله توالت المسيرة, مسيرة النهضة والحضارة ووصل العالم اليوم إلى أعلى وأعظم المعارف والعلوم والاكتشافات والاختراعات فمن النار إلى المصباح وحجر الرحى والرافعة والمحراث والعربة وأوائل الاختراعات إلى الديناميت والمضخة ومولد الطاقة والطباعة والراديو والحاكي وأجهزة التسجيل والهاتف والسلكي واللاسلكي والغواصة والطائرة وإلى الذرة والأقمار الاصطناعية والحاسوب والانترنيت ناهيك عن التطورات في المجالات العسكرية والقدرات والتفوق وسبق التسلح فيها.
والمعرفة بلا حدود لكن الله ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا) (سورة البقرة الآية 269 ).
لكن في واقعنا اليوم هذه المعرفة يريدها من يمتلكها له وحده ويستغل هذه المعرفة لكي يتطور ويتجدد ويقوى وبتطوره وتجدده وقوته يزيد في معرفته ويحرص على أن يبقى غيره متأخراً عنه لا يمتلك من التكنولوجيا والمعرفة ما يملكه هو ويستغل معرفته في منع غيره من الوصول إليها إلا إذا رضخ وقدم ولاء الطاعة ووافق على امتلاك هذه المعرفة بالشروط التي يريدها المسيطر عليها وهي على الغالب شروط الاستعباد وسلب الإرادة والخيرات والاحتلال المهذب وإلغاء الكيان والعقيدة والوجود.
إنه منطق القوة الذي يؤمن بأن القوة هي الحل والأسلوب الأمثل في إدارة شئون العالم لكن القوة ليست للجميع ! وإذا كانت المعرفة قوة فهي ليست للجميع كما سبق وعرَّفنا أن الحق في المعرفة هو مطلق العلم بلا موانع وعقبات وقيود!
لهذا فلكي أعرف كما يعرف هو يجب أن أكون موازياً له بالقوة أو لا أكون أو لا أكون كما أريد بل كما يبغي هو ويريد عندها ماذا يكون جدوى المعرفة التي بلا حدود إذا وضعت تحت أثقال وشروط وقيود تلغي مني الكيان والوجود.
هل من حقي أن أعرف ؟ هل فعلاً من حقي أن أعرف ؟
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد