إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

إن الذين يحبون أن يُركبوا… بقلم: د. عوض السليمان

Nori
تدهشني مواقف كثير من القادة العرب بلجوئهم إلى العدو لحلحلة مشكلات بلادهم الداخلية، أو بالأحرى لحل مشكلاتهم الشخصية الداخلية. ولا أعتقد أن التاريخ عرف حكومات أو قادة يسرعون إلى أحضان الأجنبي كما هو الحال بالنسبة لقادة بعض الدول العربية. وأعتقد أن الفرق بين دول مقاومة ودول راضخة، واضح وضوح الشمس. الأولى تصبر وتصمد وتتحمل الأذى، ويجوع شعبها ويحاصر، والأخرى يعيش حكامها ملوك بذخ وتبذير وتتناقل وسائل الإعلام صورهم وأحاديثهم وتصنع منهم نجوماً وخبراء سياسة بل وفلاسفة ومنظرين.
عندما حدثت تفجيرات الأربعاء في بغداد، سارع نوري المالكي وعلي الدباغ وغيرهم من مسؤولي المنطقة الخضراء، إلى اتهام الحكومة السورية بالوقوف وراء تلك التفجيرات. لم يقم أولئك المسؤولون بأي تحقيقات، ولا بتقديم أدلة، بل أطلقوا اتهاماتهم لسورية مباشرة بعد التفجيرات، حتى قال صغيرنا قبل كبيرنا إن التفجيرات ما حدثت إلا في سبيل اتهام سورية.
المشكلة لم تنته هنا، فقبل أن تحسم التحقيقات العراقية أمرها، طالب هوشيار زيباري مجلس الأمن بإنشاء محكمة دولية لتحاسب مجرمي الحرب الذين تسببوا بإبادة خلق كثير من الشعب العراقي العظيم. وقال إن بلاده ستواصل مسعاها لإنشاء محكمة دولية “تبحث شكوانا من الحكومة السورية”.
وبدأت تصريحات أهل المنطقة الخضراء بالوقوع بالتناقض والتدليس، فقالوا مرة إن السعودية هي المسؤولة عن تلك التفجيرات، ثم عادوا ليتهموا سورية، وبثت شاشات مرئياتهم، مقابلة مع موقوف أشار إلى أنه تدرب في سورية، قبل أن يعود مسؤول عراقي ليقول أن ذلك الموقوف كان في السجن قبل خمسة أيام من وقوع التفجيرات.
المشكلة في رأينا، ليست التفجيرات نفسها التي ندينها ونرفضها إذا كانت ضد الشعب العراقي الباسل، ولكن المشكلة تكمن في نفوس بعض الزعامات العربية التي لا تمثل جماهيرها والتي شُحنت كما تشحن البضاعة بالطائرات والسفن إلى بغداد، والتي جاءت أرض الرافدين على جثث آلاف الشهداء من الشعب العراقي. هذه القيادات، لا تستطيع إلا تكون في أحضان العدو الأمريكي والصهيوني، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً وليس لها خلفية سياسية أو شعبية تعتمد عليها، إذ يكرهها الناس وينفرون منها، ولهذا فإن هذه الطائفة من المسؤولين لا تحب إلا أن تكون مركوبة ولا تحب إلا أن تقدم ظهرها للعدو يعتليه كيفما يشاء.
المشكلة أن الذي تعود أن يركب، بضم الياء، ليس له من سبيل إلا أن يبقى مركوباً، ابتداء من اللحظة التي أصبح فيها منفذاً لكلمة العدو وبيدقاً في ألعابه القذرة. ولهذا السبب لم يقم المالكي ولم يحاول أن يقوم بتحقيقات أمنية توصله إلى الفاعل، بل اتهم سورية في اليوم الأول، وطالب في اليوم الثاني بتشكيل محكمة دولية لمحاسبة دمشق على إبادة الشعب العراقي.
من نافل القول أن الذي أباد الهنود الحمر بالملايين والفلسطينيين والعراقيين والأفغان وكثيرا من الأفارقة هو العدو الأمريكي الذي يلجأ إليه المالكي اليوم لينصفه من سورية.
لا أعرف إذا كان” نوري” يعرف أن الطائرات التي ألقت اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض هي التي أبادت العراقيين، وشردت نسائهم وقتلت أطفالهم. تلك الطائرات التي جاءت وشحنت ما يسمى بالقيادة العراقية الحالية إلى بغداد.
سورية، احتضنت مليوني عراقي، وقاسمتهم الطعام والشراب، وإن من أهلنا وعوائلنا في سورية من فتح أبواب البيوت على مصراعيها للإخوة العراقيين، ولقد حملت أرض سورية وقلوب السوريين ومآقيهم جميع الأشقاء من العراق الحبيب. ولو توجه أحد إلى الأعزاء العراقيين وسألهم كيف تم استقباله في سورية لعرف رقة وكرم الشعب السوري. ولكن لا حياة لمن تنادي، وإنه لمن الطبيعي أن يصف الرئيس بشار الأسد الاتهامات العراقية بأنها لا أخلاقية، فهي لا أخلاقية وإجرامية وتنم عن نفوس تحب أن تركب على الدوام وظهور تحب أن تمتطى.
في موضوع الركوب والظهور” جمع ظهر” فإن مافعلته حكومة المنطقة الخضراء لا يختلف البتة عما فعلته بعض القوى السياسية في لبنان إزاء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، إذ تمت الإشارة إلى سورية واتهامها قبل أن تخمد نار الانفجار وتم تشكيل المحكمة الدولية قبل أن تقوم الحكومة اللبنانية بأي تحقيقات أمنية ذات معنى، والمسألة هنا أيضاً هي حب أن يُركبوا من الغرب وأن يجلدوا ذواتهم، فهم لا يستطيعون العيش دون أن يحكمهم الأجنبي.
وفي الموضوع نفسه، فقد طالعتنا الأخبار هذا المساء، بدعوة علي سالم البيض الانفصالي اليمني بمراسلته الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى الغربية للتدخل في جنوب اليمن من أجل مساعدته على الاستقلال، ولا فرق بين مافعله هذا الرجل وما فعله من ذكرتهم من قبله وما تفعله بعض القوى السياسية المتعاملة مع العدو التي لا تنفك عن التظاهر أمام البيت الأبيض لتجلب الأمريكيين إلى بلادها.
ففي عصر التكتلات الإقليمية والوحدة الأوروبية ووحدة النقد، والمصالح المشتركة، يريد علي سالم البيض أن تتدخل القوى العالمية في بلاده فتقتل البرءاء من أبناء وطنه ثم تنصبه حاكماً، تماماً كما فعل نوري المالكي وأحمد الجلبي وجلال طالباني. وتماماً كما فعل العملاء من قبل كالغادري الذي طالب أمريكا باحتلال دمشق.
إن ما ذكرته فيما سبق لا يتعدى أن يكون أمثلة لبعض الذين يحبون أن يُركبوا وغيرهم في هذه الأمة كثير، فمنهم من يسمح بدخول الصهاينة إلى بلاده دون تأشيرة دخول بينما يضع الحواجز أمام العرب والمسلمين، ومنهم من يقبل بدولة يهودية على حدوده في الوقت الذي يتبجح فيه برفض دولة إسلامية مجاورة، ومنهم من يدفع الملايين للعدو لتمويل حملاته على أرض العرب والمسلمين.إنها زعامات تحب أن تكون مركوبة، لا أمل بها ولا أماني تعقد عليها، ولا شك أن الشعوب العربية تتعامل مع هذه الزعامات بوصفها خائنة للعروبة والإسلام، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تحاسب فيه وإنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.
دكتوراه في الإعلام – فرنسا
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد