إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الرأي .. والرأي الآخر

الرأي .. والرأي الآخرد / لطفي زغلول – نابلس
وصفت المجتمعات العربية بانها مجتمعات كبار ، وتنشئتها الأسرية بانها نمط تربوي سلطوي يعتمد اساسا على فرض الرأي ولا يفسح مجالا للرأي الآخر ، بل ويقف منه موقفا معاديا في كثير من الاحيان . وعلى هذه الخلفية فان الانسان العربي – وهو بطبيعة الحال نتاج هذه التنشئة – لا يعير الرأي الآخر وزنا ولا اهتماما ، وبمعنى اكثر تحديدا فان المساحة المخصصة للرأي الآخر في مجمل فعاليات تفكير الانسان العربي ضيقة للغاية كونها اساسا لم تشكل عنصرا من عناصر تنشئته الأسرية او المدرسية ، وبالتالي مسيرته المجتمعية .
 
ويرجع الذين يقفون وراء هذا الادعاء هذه الظاهرة السلوكية الى عدة اسباب تتصدرها طبيعة التنشئة الأسرية تحت ظلال ” السيطرة الأبوية ” التي تمنح الأب حق التفكير وابداء الرأي وحق رفض مناقشته كون هذا الحق يشكل اساسا من بنية رجولته وسيادتـه على الأسرة .
 
وثمة سبب آخر يخص الأسرة العربية التي تنتمي الى فصيلة مجتمع يسوده الكبار ويسوسونه ، وليس للابناء الذين ينظر اليهم في العادة على انهم ” اولاد “مهما تقدم بهم السن حق ابداء الرأي او الاعتراض حيث يفسر في احيان كثيرة انه خروج على العرف والعادة واصول التربية وتجاوز لما هو مسموح في اطارها يصل الى حد ” الوقاحة والتمرد او العقـوق “.
 
واذا كانت الأسرة هي حجر الاساس التربوي فان المؤسسات التعليمية بكل مراحلها ومن خلال مناهجها لا تفسح هي الأخرى مجالا لمنتسبيها في ابداء الرأي . فهي والحال هذه نهجا ومنهاجا تربية تلقينية . وتكمل الحياة الاقتصادية والسياسية في الوطن العربي اغلاق دائرة التربية العربية كونها اصلا تفتقر الى ابسط قواعد الديموقراطية واحترام التفكير المستقل او التعايش معه او السماح له بان ينمو ويترعرع ، وتحاول على الدوام ان تقمعه بشتى الوسائل .
 
في ظل هذه الاجواء تتشكل شخصية الانسان العربي الذي يعاني ضعفا في حاسة الاستماع الى الآخر ، ذلك ان مثله الأعلى وقدوته هما ذلك الأب المتسلط الذي ورث طباعه وسلوكاته وكذلك مدرسه الذي طبعه ببصمات ممارساته التلقينية ، وهو لا ينسى ايضا اوامر رئيسه في العمل ونواهيه . وبين هذا وذلك يظل الساسة الحاكمون بأمرهم الظل الظليل الذي يتفيأه ، والهواء الذي يتنفسه حتى النهاية .
 
ولم يكن الاعلام العربي بكل اشكاله المرئية والمقروءة والمسموعة الا انعكاسا لهذا المنهج التربوي . فساهم في تجسيد هذه الظاهرة كونه كان يطرح وجهة نظر واحدة في كثير من الاحيان بشأن قضية او اخرى ويتجاهل اية آراء معاكسة للرأي السائد والقائم في ما يخص الكثير من القضايا الهامة وحتى المصيرية .
 
وهذا الرأي بطبيعة الحال هو الصادر عن الأنظمة السياسية او الجهات المجتمعية المتنفذة وتتبناه وترعاه وتدافع عنه عبر قنوات وجهات ملاصقة لها وتدور حولها . ومن طبيعتها انها تضيق ذرعا بالرأي الآخر وتعتبره معاديا لها وفي كثير من الأحيان توجه له تهمة الخروج على الصف او ان وراءه جهات او تيارات مشبوهة .
 
وفي سنوات العقد الأخير من القرن المنصرم بدأت بعض القنوات الفضائية العربية بالذات – باعتبار ان الاعلام المرئي هو الوسيلة الأكثر شيوعا وتأثيرا في تكوين الاتجاهات او تغييرها – بتخصيص برامج لا تنطلق من رأي واحد وانما اكثر من ذلك . وهذه البرامج تتناول المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والأدبية ، وهي مجالات تهم كلا من العالم العربي بعامة والمواطن العربي بخاصة .
 
الا ان تزاحم الاراء وتدافعها وتداخلها بالتالي قد تكون في هذه المرحلة قد شوشت المواطن العربي الى درجة بدأ عندها يتأرجح بين الشك واليقين الامر الذي يخشى معه انه لم يعد يقف على ارض صلبة تجاه كثير من القضايا .
 
وبهدف ان لا يختلط الحابل بالنابل ، وحتى لا تضيع الحقيقة ويسود الشك بدل اليـقين ، فلا يعني الرأي الآخر بأي شكل من الاشكال افساح مجال للاصوات المعادية اصلا كي تصبح ندا يتمتع بالشرعية ويتطاول على ما لا ينبغي ان يتطاول عليه . ويفترض ان يكون هناك معايير وحدود وحتى محاذير لكل الآراء الاخرى .
 
وكمقدمة فلا يعني الرأي الآخر اختراقا لقداسة الرأي السائد او احترامه ، كما لا ينبغي له ان يحمل طابع الردة او التشكيك وبخاصة في مجالات التراث والقيم والتقاليد وفلسفة المجتمع السائدة . كما انه لا ينبغي لأصحابه ان يكونوا مسوقين لتيارات فكرية مستوردة من الخارج وبخاصة ان ثمة حملة واسعة النطاق هدفها الظاهر التحديث ومعايشة روح العصر .
 
ولكنها في كثير من الاحيان تختبىء خلف نوايا شريرة هدفها زرع بذور الشك في مجمل الثقافة العربية الاسلامية وزعزعة الثقة بها ، وبالتالي التمهيد لاحلال ثقافات اخرى مكانها تعمل على تسطيح العقلية العربية وفكفكة مواقف الانسان العربي وثوابته وافقاده كل عناصر المناعة الانتمائية التي ميزته طوال عصور الحضارة ، بهدف جعله مجرد انسان عديم التفكير متلق استهلاكي مقطوع الصلات والروابط بماضيه المجيد . وهي اهداف بدأها الاستعمار بكل اشكاله ، وتتبناها العولمة المعاصرة باعتبارها وريثة كل شروره وخطاياه وتجاوزاته ضد الانسانية .
 
كلمة أخيرة ، ان الرأي الآخر هو بمثابة اضاءة باهرة في فضاءات الفكر والتفكير العربيين المعاصرين ، ونقلة نوعية نحو آفاق جديدة ، وتجسيد لأسس الديموقراطية التي تقوم اساسا على التعددية في الرأي والرؤيا واتجاهات التفكير في ظل اجواء من التفاهم والاحترام المتبادل . وهو ما كان ينقص المواطن العربي ان يسمعه علانية او ان يعايشه كيما تصبح لديه القابلية لسماعه والاستقرار في وجدانه واحترامه دون الالتزام بالعمل به على اقل تقدير .
 
والرأي أيا كان هو نتاج تفكير لا ينمو ولا يؤتي اكله الا في ظل مناخات تشكل الحرية والمساواة بنيتها الاساسية . ويفترض به ان يكون من الرحابة واتساع الافق وبعد النظر بحيث يستطيع ان يتعايش مع الاراء الاخرى على قاعدة من الاحترام المتبادل بعيدا عن اجواء القمع والالغاء والطمس والتعتيم . واما الرأي الاخر فلا ينبغي له ان يكون تشكيكا بانتماءات قومية او التفافا عليها او تسويقا لفكرمشبوه مستورد . وما لم يكن يحمل في ثناياه بذور الانتماء ، فانه يصبح العبث ليس إلا .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد