إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تاريخ اليهود واغتصاب فلسطين / ذ. بنعيسى احسينات

تاريخ اليهود واغتصاب فلسطين

ذ. بنعيسى احسينات

من حين لآخر، يتطلب منا العودة إلى التاريخ، من أجل التذكير بما جرى، حتى لا يصيبنا النسيان والجهل في صفوفنا وصفوف ناشئتنا. فمحنة الوطن العربي منذ زرع الكيان الصهيوني بأراضيها، لا زالت مستمرة في ضعفها وتأخرها وتشرذمها إلى يومنا هذا. وهذا ناتج كما يعلم الجميع، عن أسباب ذاتية وموضوعية داخلية وخارجية. لكن للتذكير فقط لابد من العودة إلى البداية، مستقرئ الماضي لمعرفة الملابسات التاريخية لتاريخ اليهود من ما قبل الشتات إلى دور الحركة الصهيونية واحتلال فلسطين وقيام الدولة الإسرائيلية بقلب الوطن العربي.

لم تتعد الدراسة العلمية للتاريخ اليهودي بعد، مرحلة الارتجال المثالي. لقد ظلت المسألة اليهودية من المواضيع القليلة، التي تمكن فيها الفكر المثالي من فرض نفسه، ومن الاستمرار على هذا الشكل مدة طويلة، في إطار تمجيد “المعجزة اليهودية الشهيرة”.

لقد فسر المؤرخون جميعا محافظة اليهود على نفسهم، كنتيجة لما برهنوا عليه من إخلاص لدينهم أو لقوميتهم عبر القرون. ولم يظهر التباين هنا في الآراء إلا لدى تحديد “الهدف” الذي من أجله حافظ اليهود على دينهم، والسبب الذي من أجله قاوموا الاندماج. ينطلق بعض المؤرخين المثاليين من وجهة نظر دينية، متحدثين عن الأمانة المقدسة لديهم. في حين ينطلق البعض الآخر مدافعين عن نظرية “التعلق بالفكرة القومية”. تقول الموسوعة العامة، موفقة بين مختلف وجهات نظر المؤرخين المثاليين: “علينا أن نبحث عن أسباب ظاهرة المحافظة التاريخية للشعب اليهودي، في قوته الفكرية القومية وفي قاعدته الأخلاقية وفي مبدأ التوحيد”. لكن إذا كان بالإمكان التوفيق فيما بين النظريات المثالية، فإنه لمن العبث البحث عن التوفيق بين هذه النظريات من جهة، والقواعد الأساسية لعلم التاريخ من جهة أخرى. فعلى علم التاريخ أن يرفض بصورة قاطعة، الخطأ الجوهري الذي ترتكبه جميع المدارس المثالية، باعتبارها مسألة صيانة اليهودية، القضية الأساسية للتاريخ اليهودي.

إن دراسة الدور الاقتصادي لليهود هو الذي يساهم، لا غيره، في توضيح أسباب “المعجزة اليهودية”. وكل تحليل للمسألة اليهودية في المرحلة الحالية من تطورها، يستلزم معرفة جذورها التاريخية. ففي مضمار التاريخ اليهودي، كما في ميدان التاريخ العام، يرشدنا فكر ماركس إلى منهج نتبعه. يقول في كتابه “المسألة اليهودية”: “يجب ألا نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل فلنبحث عن سر الدين في اليهودي الواقعي”. هكذا أوقف ماركس المسألة اليهودية على قدميها. علينا أن لا ننطلق من الدين لتفسير التاريخ اليهودي، بل على العكس، علينا أن نفسر المحافظة على الدين أو القومية اليهوديين انطلاقا من “اليهودي الواقعي”، أي من دور اليهودي الاقتصادي والاجتماعي، إذ ليس في الاستمرارية اليهودية أية معجزة؛ يضيف ماركس أنه: “لم تستمر اليهودية بالرغم من التاريخ، بل بحكم التاريخ”.

يتعرض الهيكل العام للتاريخ اليهودي حسب المدرسة المثالية المسيطرة على هذا الشكل تقريبا، حين نقول: إن الأمة اليهودية لم تختلف عن غيرها من الأمم المتكونة طبيعيا حتى تدمير القدس، وأدت الحروب بين الرومان واليهود إلى تشتيت الأمة اليهودية في أنحاء العالم. وفي الشتات قاوم اليهود بضراوة الاندماج القومي والديني.

لكن هناك عدة وقائع مهمة تكذب هذه الصورة. منها أنه لم يشتت اليهود إطلاقا منذ سقوط أورشليم (حرب بين الرومان واليهود)، إذ أن الغالبية العظمى من اليهود، كانت قد تبعثرت في العالم قبل هذا الحدث بعدة قرون. وما يمكن أن نؤكده أن أكثر من ثلاثة أرباع اليهود، كانوا خارج فلسطين قبل سقوط القدس بمدة طويلة. وكحجة على هذا، قال الملك “أغريبا” اليهودي قبل سقوط القدس بقترة وجيزة: “لا يوجد شعب في العالم إلا ويحتوي على ذرات من شعبنا”.

لم يكن الشتات إذن وليد الصدفة أو وليد العنف. لذا يتوجب علينا أن نبحث عن السبب الرئيسي للهجرة اليهودية في الوضع الجغرافي لفلسطين.

لقد كان اليهود القدماء يقطنون جزء ضيقا في فلسطين، وكان يتميز هذا الجزء بكونه أرضا جبلية جرداء، قليلة المياه وشحيحة العطاء. وعندما وصل يهود فلسطين إلى وقت لم تعد فيه بلادهم تؤمن لهم حياة ممكنة الاحتمال كحياة جيرانهم، وجدوا أنفسهم مجبرين على الاختيار بين النهب والهجرة. ولقد اتخذوا بعد عدة صراعات فيما بينهم ومع جيرانهم، الطريق الثاني، أي الهجرة.

وهكذا قذفت موجات متلاحقة من اليهود إلى عواصم الإمبراطوريات القديمة في بداية الأمر، كمرتزقة يمارسون التجارة والصيرفة والربا.. من هنا نجد أن هذه الأعمال لا ترتبط، بحكم طبيعتها ومستلزماتها، بأرض معينة، وإنما يتوقف وجودها على طبيعة نظام اقتصادي معين، يسمح بانتقالها من موضع لآخر، وتحركها طبقا لمستلزمات ومؤثرات وشروط ذلك النظام في فترة زمنية معينة.

فلقد ساهمت كل تلك العوامل السابقة الذكر في قذف موجات متلاحقة من اليهود في العالم، وذلك منذ أواسط القرن 10 ق.م.

وهكذا أقام اليهود موطنا لهم في بلاد بابل وفي الإسكندرية وغيرهما نظرا لحاجة تلك البلدان إلى من يؤدي تلك الوظيفة الاقتصادية التي كانوا يقومون بها. وحينما أخذ اليهود يهاجرون من فلسطين، استطاعوا عن طريق سيطرتهم على القطاع الاقتصادي والنشاط التجاري والمالي في البلدان التي كانوا يحلون فيها خلال حقبة زمنية طويلة، ابتداء من أواسط القرن 10 ق.م، وحتى القرن 12 م، استطاعوا أن يحتلوا أمكانة بارزة ومتميزة في تلك البلدان، سواء في عهد الإمبراطورية الفارسية أو اليونانية أو الرومانية. كما أنهم كانوا يشكلون ركيزة اقتصادية أساسية في النظام الإقطاعي في أوروبا. وكانوا حتى القرن 12 يعتبرون جزء من الطبقة الحاكمة.

إلى هنا لم تشاهد الحركة اليهودية في العالم أي مشكل.

أما مشكلة اليهودية التي تتجلى في الاضطهاد والطرد، لم تبدأ إلا ما بين القرن 12 و15 م. في الجزء الغربي فقط من القارة الأوروبية، ما عدا هولندا، وذلك نتيجة لولادة طبقة جديدة من التجار الأوروبيين المسيحيين الذين أصبحوا يمارسون نفس المهام التي كان يقوم بها اليهود. في حين أن العديد من الأقطار كانت تفتح أحضانها لاستقبال كل قادم جديد من اليهود، نظرا إلى أنها تمر بمرحلة تطورية، ما تزال في حاجة إلى الخدمات التي يستطيع أن يقدمها التاجر والمصرفي والمرابي اليهودي الفرد. وخلال تلك الفترة، وحتى أواخر القرن 19، كان اليهود في أوروبا الشرقية يتمتعون بكل الامتيازات التي يمكن أن يوفرها النظام الاقتصادي لأي من الركائز التي تدعم وجوده وتجعل بقاءه ممكنا. ومن هنا فإنه لم يكن من الغريب أن ينتخب في روسيا وبولونيا ملوك من اليهود في القرن 9 و16م.

وخلال العقود الأخيرة من القرن 19، وحين برزت موجة معادية للسامية في فرنسا وألمانيا كنتيجة جانبية للهزة السياسية الرجعية العامة المناوئة للديمقراطية في فرنسا، وصعود البورجوازية في ألمانيا وفي روسيا، كنتيجة حتمية لانهيار النظام الإقطاعي، فإن اليهود كانوا في المناطق الأخرى من أوروبا – الغربية والوسطى – قد ساروا في طريق الاستيعاب والاندماج الكلي الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

لقد نتج عن العداء للسامية الموجهة لليهود في بعض أقطار أوروبا عدة ردود فعل:

– فقد اختار عدد كبير من اليهود الهجرة نحو الغرب.

– من جهة أخرى اختارت التنظيمات اليهودية الجماهيرية المجتمعة ضمن الحركة الاشتراكية معالجة جذور المشكلة، وذلك بمحاربة القوى الرجعية التي لم تكن اللاسامية إلا أحد مظاهرها.

– أما الحركة الصهيونية الناشئة التي ظهرت في أواخر القرن 19، قدمت حلا آخر وهو التركيز على القومية اليهودية، في ظرف كانت تنهار فيه مقوماتها الاجتماعية والاقتصادية، واحتوائها من جديد وتعيين هدف لها الذي هو غزو أرض وإنشاء دولة قومية لهم.

إلى جانب هذا وذاك، كانت هناك النداءات والكتابات اليهودية قبل تبلور الحركة الصهيونية تهدف إلى الاستيلاء على بعض الأراضي العربية قصد تكوين دولة يهودية، وذلك بمساعدة بعض الدول الكبرى الصديقة.

فلنبدأ أولا بالنداءات والكتابات اليهودية الرائجة قبل بداية الحركة الصهيونية.

ففي سنة 1800 طالب اليهودي الإنجليزي “جيمس بيشينو” الحكام الإنجليز بأن يستخدموا نفوذهم لدى الباب العالي كي يتخلى الأتراك عن فلسطين ويمنحوها لليهود. لكن لم تتم الاستجابة إلا بعد ذلك بفترة طويلة.

وفي 11 غشت سنة 1840 أرسل ” بلمرستون ” وزير الخارجية البريطاني إلى سفيره في تركيا يطلب منه السعي لدى الباب العالي ( حاكم تركيا ) كي يصدر قانونا بدعوة اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين. ويبدو أن السلطان لم يوافق على هذا المطلب البريطاني، مما جعل وزيرها يجدد طلبه في العام التالي إلى سفيره في تركيا، في محاولة لإقناع السلطان بإباحة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

لم يتوقف الأمر عند حد مطالبة الباب العالي بالموافقة على الهجرة اليهودية، بل أن ” إدوارد لدوينش منفورد “في كتابه “نبدأ باسم الأمة اليهودية” الصادر في عام 1845، لم يتورع عن مطالبة الحكومة العثمانية بترحيل العرب الفلسطينيين إلى مناطق زراعية في آسيا الصغرى، حتى تتمكن جموع اليهود المنتشرة في شتى بقاع العالم، من أن تحل محلهم.

وفي عام 1898 طاب أحد اليهود الإيطاليين من جموع اليهود في العالم، بالتعاون وتكريس الجهود للاستيلاء على بعض الأراضي العربية، وأن تساعدهم فرنسا أثناء وجود الحملة الفرنسية في مصر في ذلك العام في تحقيق ذلك. وأن يضم مشروع هذه الدولة اليهودية، مصر السفلى بالإضافة إلى منطقة تمتد حدودها على خط يسير من عكا إلى البحر الميت، ومن الطرف الجنوبي للبحر الميت إلى البحر الأحمر. وذلك حتى يتسنى لهم الحصول على مركز استراتيجي يتصل بالعالم بأكمله للتحكم في التجارة العالمية آن ذاك.

وواضح أن المطلب اليهودي ليس مطلبا يرتكز على أسس دينية، كما يدعي اليهود دائما بالنسبة لمسألة وطنهم القومي، بل هو مطلب يعتمد بالضرورة على أسس اقتصادية بالدرجة الأولى.

وواضح أن اليهود كانوا، ولا زالوا حتى الآن، مقتنعين بأنه لا يمكن لهم أن يحققوا أطماعهم إلا بالارتكاز على قوة كبرى تساعدهم في ذلك. وهكذا نجد أن “طوماس كلارك” في كتابه “الهند وفلسطين” عام 1861، يربط بين مصالح الإمبراطورية البريطانية ومصالح اليهود، فيقول: “إن احتلال اليهود لفلسطين تحت الحماية البريطانية هو مسألة حيوية، لأنه إذا كانت بريطانيا تعتمد على تجارتها كحجر زاوية في عظمتها، وإذا كان أقرب مجرى للتجارة وأفضله يمر عبر محور القارات الثلاث القديمة، وبما أن اليهود يؤلفون شعبا تجاريا بامتياز، فليس هناك أفضل من زرعهم على طول ذلك الطريق العظيم للتجارة القديمة”.

لكن اليهود لم يكترثوا بهذه الآراء والمقترحات في بداية الأمر، وأعاروها آذانا صماء، حتى أن “بيتي سمو لنكن” عاب على اليهود في عالم 1875 عدم شعورهم بقوميتهم، ودعاهم إلى الهجرة الجماعية إلى فلسطين، وإقامة المستعمرات الزراعية هناك. إلا أن “ليو بنعسكر” في كتابه “التحرر الذاتي” لم يتمسك بفلسطين كوطن قومي لليهود، بل أوضح أن الهدف هو الحصول على قطعة أرض لليهود.. أية أرض وفي أي مكان، لأن العالم في رأيه، يحتقر اليهود لأنهم لا يشكلون أمة. والحل الوحيد لهذه المشكلة هو خلق قومية يهودية يعيش فيها الشعب اليهودي في وطنه الخاص.

وهكذا أنشئت الحركة الصهيونية كحركة سياسية، تهدف إلى تحويل اليهودية من مجرد دين إلى قومية تتجسد في دولة تجمع كل يهود العالم في وطن قومي خاص. إلا أن هذه الدعوة غريبة تماما على اليهود حتى أواخر القرن 19، حيث أنهم يعتبرون اليهودية ديانة سماوية لا رابطة سياسية. وتري هيئة هؤلاء أن حل المسألة اليهودية هو اندماج اليهود كمواطنين في المجتمعات التي يعيشون فيها.

ولقد ظلت الحركة الصهيونية في حيز الكتابات الحالمة المتناثرة حتى استطاع “تيودور هرتزل أن يخطو بها أولى خطواتها العملية في الأعوام الأخيرة من القرن 19، حين أصدر كتابه “الدولة اليهودية” في عام 1895. وقد بدأ “هرتزل ” منذ أيام تخيلاته الأولى للدولة اليهودية، وقبل أن يقرر فلسطين مكانا لهذه الدولة، يفكر بوجوب الاتصال بالدول الكبرى.

وهكذا قرر “هرتزل” التفاوض مع كبار حكام أوروبا في ذلك الوقت. فبدأ في اتصال رسمي له مع المسئولين في أوروبا. وكانت محاولاته هذه مع المسئولين من ألمانيا والنمسا وروسيا وروما وانجلترا. هذه الاتصالات في الواقع بمثابة التمهيد للاتصال بالسلطان العثماني عبد الحميد، والتي كانت فلسطين تقع ضمن ممتلكاته الأسيوية، قصد الحصول على فلسطين، ولو أدى ذلك إلى شرائها منه. ولقد قدر “هرتزل” ثمنها ب 20 مليون ليرة تركية، يقدمها للسلطان عبد الحميد. لكن في النهاية أصاب “هرتزل” فشلا ذريعا في كل هذه المحاولات.

وإذا تعرضنا لوضع فلسطين في مخطط ” هرتزل “، فهو لم يقل في بادئ الأمر أن فلسطين هي البلد الذي يجب أن تقوم فيه الدولة الصهيونية التي دعا إليها. وأنه بعد ذلك بسنوات، وبعد تأسيس الحركة الصهيونية، وعقد عدة مؤتمرات سنوية لهذه الحركة، كان “هرتزل” لا يزال يرحب بإنشاء الدولة اليهودية في أي مكان، وحتى لو كان هذا المكان في إفريقيا الشرقية. إلا أن هذا كله لا ينفي أن “هرتزل” فكر في فلسطين منذ أن فكر في إقامة هذه الدولة اليهودية. لقد فكر فيها أول الأمر كأحد الأمكنة، ثم كأفضل الأمكنة، إلى أن أصبحت بعد وفاته وفي عهد خلفائه المكان الوحيد المفضل. وعلى هذا الأساس، أخذوا يرفضون أي مشروع آخر لا يسمح لهم بالاستيلاء على فلسطين.

وفي مجال تقسيم فلسطين كأرض للدولة اليهودية، أوضح ” هرتزل ” في 1895 أن “هناك بعض الأمور ليست في صالح فلسطين، مثل قربها من روسيا وأوروبا، وضيق مجال التوسع فيها وطقسها الذي لم نعد معتادين عليه”.

إلا أنه من انحلال السلطة العثمانية وضعفها الشديد (الرجل المريض) اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بالإضافة إلى طمع دول أوروبيا المختلفة في أراضيها، أسهم مع عوامل أخرى في أن يصرف ” هرتزل ” نظره عن أميركا الجنوبية ويتجه نحو فلسطين. لكن “هرتزل” لم يكن يفكر في فلسطين فقط كأرض لدولته، بل كان يفكر فيها كفلسطين كبرى، تكون الحدود الشمالية السورية. أما الجنوبية فقناة السويس. وهكذا أخذ “هرتزل” بعد سنة واحدة من بدء دعوته، يسلط نظره على فلسطين بشكل خاص.

وفي 29غوشت سنة 1897 عقد “هرتزل” المؤتمر الأول للحركة الصهيونية، مؤتمر “بال” الشهير الذي وضع الحجر الأساسي للدولة الصهيونية. وقد انتخب المؤتمر ” هرتزل ” رئيسا له، كما وضع برنامج الصهيونية الذي انحصر في تأسيس وطن قومي، له الصفة القانونية والعلنية لليهود الذين لا يريدون أو لا يستطيعون الاندماج في أماكن إقامتهم الحاضرة.

وكان مخططه بعد انعقاد المؤتمر وقيام هذا الكيان المعنوي للدولة اليهودية في فلسطين، إنشاء الجهاز الذي يتولى شراء أراضي فلسطين (البنك اليهودي الاستعماري) لتسهيل الهجرة.

فدراسة الحركة الصهيونية هي في الواقع بحث في الهجرة اليهودية. إذ أن الصهيونية وجدت لتجعل من وجودها شعارا وسبيلا لتحقيق هذه الهجرة. وتنسب الحركة الصهيونية إلى ” تل ” من تلال مدينة القدس اسمه ” صهيون “. وقد شاء اليهود أن ينسب حركتهم السياسية الكبرى إلى تل من جبال القدس، حتى ليجعلوا لدعوتهم طابعا قوميا يربط بينها وبين فلسطين.

أما هدف الصهيونية فيوضحه أحد كتاب اليهود الكبار، وهو “طرنفلد” في كتابه “الصهيونية 1920 “. إذ يقول: “إنها الحركة التي ترمي إلى إعادة جميع اليهود الذين يريدون الهجرة أو لا يقدرون على الإقامة في البلاد التي يعيشون فيها، والذين يبلغ عددهم عشرة ملايين، إلى التوجه إلى فلسطين لينشئوا دولة يهودية فيها على أن تمتد هذه الدولة من النيل إلى الفرات”.

فالهجرة إلى فلسطين كانت هدف الصهيونية الأول منذ قيامها، من خلال كل الاجتماعات الصهيونية العالمية منذ مؤتمرها الأول (بال)، التي وضعت الخطط والمناهج والسياسة التي يرسمها اليهود على اختلاف جنسياتهم ومواطنهم، لاغتصاب فلسطين وتأسيس دولة يهودية فيها.

وقد بدأ اليهود محاولتهم الأولى للتسلل إلى فلسطين في عام 1882 حين استطاع الثري اليهودي البارون ” إدموند دي روتشل ” إقناع الدولة العثمانية بالسماح له بالقيام ببعض المشروعات الزراعية في بعض الأراضي في فلسطين، وجلب إليها بعض المهاجرين اليهود كزراع. وهكذا تأسست بعد ذلك شركة “البيك” وهي منظمة للاستيطان في فلسطين، عن طريق شراء الأراضي في فلسطين.

إلا أن هذه المحاولة اليهودية الأولى لاستقدام المهاجرين اليهود إلى فلسطين، ما لبثت أن جوبهت في عام 1892 بمقاومة السلطان عبد الحميد، الذي أصدر مرسوما يحظر فيه هجرة اليهود إلى فلسطين. ولم تفلح محاولات اليهود في الدول الكبرى، ولا تدخل بعض رؤساء هذه الدول في إقناع الحكومة العثمانية بالعدول عن هذا الحظر.

وبعد فشل “هرتزل” بالنسبة لمخططاته مع الدولة العثمانية، فإنه اتجه نظره منذ عام 1902 إلى قبرص، ثم بعد ذلك إلى العريش أو أي منطقة في سينا. لكن في النهاية فشل هذا المشروع اليهودي. وماذا كان رد فعل هذا الفشل لدى “هرتزل”؟

لقد سافر بعد ذلك إلى لندن حيث عرض عليه استعمار “أغاندا” بدلا من فلسطين. لكن “هرتزل” ظل متمسكا باستعمار فلسطين التي يرى أنها ستكون أولا قاعدة قومية لهم، ثم فيما بعد يستطيعون أن يستوطنوا أغاندا، محاولا في ذلك إقناع السلطات البريطانية للحصول على العريش كتمهيد لاستعمار فلسطين. وعندما تبين لهرتزل أن العريش أصبح الحصول عليه مستحيلا، أخذ يفكر جديا في أغاندا، وكذلك في “موزنبيق”.

وقد عرض “هرتزل” اقتراح استعمار أغاندا ولو مؤقتا على المؤتمر الصهيوني الثاني الذي عقد في بال أيضا. ورغم تزكية “هرتزل” لهذا المشروع، لقي معارضة تامة من أغلب اليهود الروس بالذات، ولم يوافق على اقتراحه إلا أقلية ضئيلة. وكان زعيم حركة المعارضة الدكتور “حاييم وايزمام”. فكان هذا الفشل قوي الأثر على صحة “هرتزل” المعتلة، فتوفى في 4 يوليو سنة 1904. وفي المؤتمر الصهيوني الرابع، رفض مشروع أغاندا نهائيا. وأصبحت الحركة الصهيونية في ذلك الوقت تقسم إلى جناحين، الجناح الأغاندي أو الجناح السياسي، والجناح الصهيوني التقليدي الذي يمثل الأغلبية في الحصول على الأرض الفلسطينية بأي طريقة، وإسكان اليهود فيها. وحتى إذا أصبحوا فيها أغلبية استطاعوا إنشاء دولتهم المستقلة.

وقد انتهز اليهود فرصة نشوب الحرب العالمية الأولى، فراحوا يساعدون الفريقين المتحاربين على السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين مقابل مساعدة اليهودية العالمية للجانب الذي يحقق لهم تلك الأمنية. لم يفلح اليهود مع تركيا وألمانيا ولا مع الحلفاء في أول الأمر، لكن بريطانيا اشتد بها الحال، ورأت ضرورة الاستعانة بالنفوذ اليهودي لحمل الولايات المتحدة الأمريكية على الدخول في الحرب إلى جانبها. فوجدت نفسها في موقف يضطرها إلى مصانعة اليهود، فخضعت لمشيئتهم وانصاعت لرغبتهم، ووافقت على وعد اليهود بفلسطين، وأصدرت تصريحا بذلك على لسان وزير خارجيتها وقتئذ المستر “بلفور”.

وفي أبريل 1917 صدرت مذكرة سرية بريطانية موجهة إلى يهود أمريكا جاء فيها: “إن الحكومة البريطانية توافق على اعتراف بفلسطين موطنا قوميا لليهود، وعلى منح يهود فلسطين جميع الحقوق القومية والسياسية والمدنية، وعلى إطلاق الهجرة اليهودية إلى فلسطين من كل قيد، وعل تأسيس شركة يهودية بمرسوم يكون لها حق الأولوية في تملك الأراضي والالتزامات، وعلى منح المجتمعات اليهودية في فلسطين استقلالا ذاتيا تاما في كل الأمور الدينية والمدنية والثقافية”. وفي 2 نونبر 1917 صدر وعد “بلفور” المشئوم. ذلك الوعد الذي أعطيت فيه أمة لأمة أخرى. وهو أول وثيقة سياسية تحصل عليها الصهيونية.

وفي مؤتمر سان ريمو في عام 1920 تقرر انتداب بريطانيا على فلسطين، وصدقت على هذا القرار عصبة الأمم في عام 1922. والواقع أن هذا الانتداب كان لتنفيذ وعد بلفور المشئوم، لا لتمكين الشعب الفلسطيني من استقلاله. وقد ساهم الانتداب البريطاني في تهجير اليهود من كل أنحاء العالم، كما وقف ضد عودة الفلسطينيين إلى بلادهم الذي فارقوه في التماس الرزق في أماكن أخرى. وفي نفس السنة ألغيت الإدارة العسكرية في فلسطين، وأقيمت بدلا منها الإدارة المدنية، وعين “هربرت سامويل” اليهودي الصهيوني مندوبا ساميا لبريطانيا في فلسطين. وكان تعيينه يحمل معنى صبغ فلسطين بالصبغة اليهودية، مما يلفت نظر يهود العالم إلى فلسطين، ويثير عواطفهم وحماستهم إلى تحقيق حلم حركتهم الصهيونية، ويدفعهم إلى الاقتناع بقيادة دولتهم المنشودة، فيندفعون إلى الهجرة نحو هذا البلد.

وكان أول تصريح لهربرت سامويل المندوب السامي البريطاني في فلسطين، ما أفضى به أمام كبار موظفي الحكومة من الإنجليز، فقال: “إن سياسة حكومة جلالته التي جئت لتطبيقها هي تشجيع اليهود إلى أن تصبح السيطرة لهم على البلاد، ويمكن من إنشاء حكومة يهودية”.

وهكذا بدأت الحركة الصهيونية تتخذ طابعا جديدا وخطيرا في الوقت ذاته. فبعد أن تحولت من مرحلة الحلم إلى النظرية، بدأت التطبيقات العملية لهذه النظرية، مع ما فيها من سياسة ومكر ودهاء وغدر وعنف وشراسة والتنكر لأبسط القيم الحضارية والإنسانية، وما صاحب ذلك من ردود فعل عربية في أنحاء العالم العربي.

ففي عام 1919 كانت فلسطين مأهولة بنحو مليون عربي مسلم ومسيحي، في حين كان عدد اليهود المواطنين منهم والأجانب، لا يتجاوز مائة ألف على أبعد تقدير، حيث يحتلون قرابة 2% من الأراضي الزراعية. وفي عام 1948 ارتفع عدد اليهود إلى 2 مليون، جمعتهم الصهيونية العالمية من مختلف أنحاء العالم. وأصبح اليهود يسيطرون على كل شيء في فلسطين.

لقد قامت الرأسمالية الامبريالية العالمية منذ تجزئة العالم العربي، بربط أجزائه بآلاف الروابط والقنوات، التي لا يمكن أن تنقطع لوحدها بفعل من تطور تلقائي، وذلك قصد تمزيق الوطن العربي ونهب ثرواته من جهة، وإضعاف القوى المنتجة، وبالتالي استمرار التخلف والتبعية من جهة ثانية. فاغتصاب فلسطين هدفه في الواقع ليس تجزئة الوطن العربي فحسب، بل تأكيد أوضاع التبعية الكولونيالية القائمة، وما سيجره ذلك من استثمار للتجزئة.. وهكذا.

لذا فالأمة العربية تواجه اليوم مخططا، تشترك فيه الامبريالية والصهيونية والرجعية، في سبيل القضاء على هوية المنطقة القومية، من أجل إقامة غزو استعماري استيطاني فيها، لنهب ثرواتها وحرمانها فرصة دخول مدنية القرن 20 و 21، لإبقاء الأمة العربية أسيرة الفقر والجهل والحياة البدائية، قصد جعل المواطن العربي مواطنا من الدرجة الثالثة والرابعة على أرضه وفي بلده.

وقد يعود فشل الأمة العربية إلى كون قراراتها لا تعرف الطريق إلى التطبيق. في هذا الصدد، يقر الباحث العربي “برهان الدجاني” حقيقة طالما لمسناها وعانينا منها ولا نزال، في فقرة التي أنقلها رغم طولها، يقول: “تبدي الدول العربية إجماعا، على ضرورة وجود اتفاقات ومؤسسات ورموز وطقوس، تتضمن في ظاهرها معاني الوحدة والتعاون؛ كميثاق جامعة الدول العربية، وميثاق الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي، واتفاقية الوحدة الاقتصادية… ولكن ما أن تنشأ هذه كلها حتى تفرغ من كل مضمون وتشل كل حركة. وما أن تتم عملية التفريغ والشلل حتى تحمل هذه الاتفاقات والمؤسسات مسئولية الفشل الناجم عنها، ويبدأ البحث عن بدائل لها جماعية أو ثنائية، ينتهي الأمر بها إلى حيث انتهت سابقاتها.. ولو درسنا خط التغير لوجدناه دائما ينطلق من نقطة الأمل العالي إلى نقطة الخيبة الكاملة.”

تلك الجملة، “من نقطة الأمل العالي إلى نقطة الخيبة الكاملة”، ما أصدقها، إنها تختزل مصائر كل الطموحات العربية الكبيرة حتى الآن ولكن لماذا؟

الجواب في منتهى البساطة، لأن الوطن العربي ليس للعرب، بل هو للامبريالية العالمية في معظمه، وللطبقات والفئات الحاكمة والمتحكمة فيما يتبقى من ذلك. كيف يمكن أن توضع خيرات وإمكانات الوطن العربي تحت تصرف الملايين العربية الفقيرة المستغلة؟ هل بالمهادنات المعقودة بين الأنظمة، أم بالتماس الصدقات والرشاوى؟

كل هذا كان قبل الهزيمة، ربما ما بعد ثورة 1948. فهل تغير شيء بعد ذلك وحتى الآن؟ الحقيقة المؤسفة أننا ما زلنا حيث كنا، وربما تراجعنا كثيرا بمنطق التطور. ولقد صدق محمد أمين العالم في “فلسفة الباب المسدود” يقول: “فالشتات الفكري والتخليط الفكري والانتقائية الفكرية والميوعة الفكرية والتسطيح الفكري هو بعض ما يتسم به فكرنا العربي المعاصر”. وهذا وما زالت الأجهزة والمؤسسات الرسمية حيث كانت، بل أنها تسجل كل يوم تراجعات هامة في هذا المجال، وما زال المفكرون المسموح لهم بالتعبير، يخشون التوجه العلمي الصحيح فيما يفكرون به أو يطرحونه من أفكار. وذلك لأن الرؤية السياسية يلفها الضباب الكثيف.

وفي ظل هذه الظروف، ترتفع الصيحات والشعارات من ضرورة “حشد الطاقات” و “توحيد الجهود” و “قومية المعركة”.. ولكن ما الذي يحدث فعلا؟ مؤتمرات تلو المؤتمرات بدون نتيجة، فتضيع الخطى وتغيب الأهداف، يختلط الصديق بالعدو، ويستمر الأمر الواقع. ورغم أن الجميع يصرخ أن الولايات المتحدة هي العدو الأول، إلا أننا ما زلنا ننتظر منها الحل. وهكذا يتعبون أنفسهم لفهم الموقف الأمريكي، متجاهلين أن مواكبة السياسة الأمريكية للأماني الصهيونية هي مظهر للموقف الامبريالي العالمي وليس سببا له، وأن التطابق بين المصالح الامبريالية والصهيونية، ينفي أن تغير أمريكا موقفها، وأن الغرب ليس حكما في النزاع، بل هو طرف فيه والقضية لن تحل مع الغرب ومن خلاله، بل ضده..

إن فكرة الغرب عن نفسه، بما في ذلك أمريكا، بأنه مسئول عن الحضارة والمصير الإنسانيين، وبالتالي فإنه له الحق في التدخل المباشر وغير المباشر كلما سارت الأمور في غير المسار الذي رسمها لها. إن هذه الفكرة لا تعود بنا فقط، إلى القرن الماضي، حين استعمر الغرب العالم بدعوى أنه وصي على الإنسانية إلى أن تتحضر، بل تعود بنا أيضا إلى عصر أقدم عهدا بكثير، حين وجد الغرب أن مهد المسيح يقع في الأراضي العربية (فلسطين)، فشن حربا طالت إلى مائة عام، والتي عرفت بالحروب الصليبية. إلا أن هذه الحروب كانت في القرون الوسطى، باسم مهد المسيح، وفي النصف الأول من القرن الحالي، باسم أرض الميعاد، وفي الربع الأخير من هذا القرن وبداية القرن الموالي، تشن الحرب على العرب باسم ” مهد البترول” هذه المرة، مما يوحي بأن الغرب بما في ذلك أمريكا، يستمر في خط واحد، هو خط العداء التاريخي للعرب.

لذا فالغرب بما في ذلك أمريكا، يعطي لنفسه حق الوصاية على شئون الكون والإنسانية والعالم والطبيعة والتاريخ. وهو ينتحل لنفسه صفة الألوهية التي تقضي على أمة من الأمم بالفقر، وعلى أخرى بالتشريد، وعلى ثالثة بالاستيطان في أراضي الغير، وعلى الرابعة بالغزو والاحتلال بدعوى القضاء على أسلحة الدمار الشامل والديكتاتورية والإرهاب.

مع ذلك، فرغم ما تملكه الدول العربية من إمكانات وقدرات هائلة، تبقى متخلفة ومنقسمة على نفسها. في هذا الصدد نقدم أبلغ دليل يصعب قي الواقع العثور عليه، وخاصة على لسان إسرائيلي صهيوني. كتب أبا أيبان في مقال بجريدة ” دفار ” في سنة 1968، يقول:

“فجيراننا يتفوقون علينا في كل شيء ما عدا الناحية العسكرية، إنهم يتفوقون علينا في عدد السكان وفي أراضيهم الشاسعة، وفي مدى تمثلهم، وفي غنى ثروات أراضيهم، وفي قدرتهم على التأثير في الميزان الاستراتيجي الدولي… فلماذا لا يستطع العرب تحويل مزاياهم الهائلة إلى قوى دافعة تقلعنا من موقعنا؟ لأنهم منقسمون فيما بينهم حول استخدام ثرواتهم من جهة، ولأنهم اتبعوا أساليب غير معقولة. لذلك فإن قدرتنا على الصمود ليست طبيعية، فهي تتطلب نشاطا سياسيا بهلوانيا واستغلال ثرواتنا العلمية والمادية”.

من خلال هذا النص ومن خلال الواقع العربي، يظهر جليا مدى انقسام الدول العربية فيما بينهم، ومدى إتباعهم لأساليب غير معقولة التي لا تؤدي إلى مواجهة العدو وتحقيق الوحدة والتكامل، لاستغلال إمكاناتها وقدراتها، للقضاء على التخلف والتبعية ونظام الحكم الفاسد الذي ينخر جسدها المتهالك.

 

————–

ذ. بنعيسى احسينات

[email protected]

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد