إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مشروع فياض: “مؤسسة حكم” لدولة فلسطينية بلا أرض

مشروع فياض: "مؤسسة حكم" لدولة فلسطينية بلا أرضبقلم نقولا ناصر*
 
 
 
سواء كانت مصادفة أو لم تكن، فإن تزامن صدور إعلانين أحدهما فلسطيني والآخر يهودي عن استعداد كل جانب منهما للإعلان من جانب واحد عن دولة خاصة به في الضفة الغربية لنهر الأردن التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 ينبغي له أن يسلط الأضواء على حقيقة أنه يوجد في الوقت الحاضر، بحكم الأمر الواقع، سلطتا “حكم ذاتي” في الضفة، وليس فقط سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية.
 
 
 
وكل من هاتين السلطتين تعلن حقها في الولاية السياسية والسيادية على كل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967. فسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية التي تخضع للاحتلال المباشر في الضفة الغربية، تعلن التزامها بالوحدة الإقليمية والسياسية والقانونية والشعبية لهذه الأراضي، ولها أيضا مع قطاع غزة المحاصر، طبقا للشرعية والقانون الدوليين والحق التاريخي. ومثلها تتمسك سلطة الحكم الذاتي اليهودية بالوحدة الإقليمية والسياسية لهذه الأراضي، ولها أيضا مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، استنادا إلى “حق إلهي” توراتي في الاستيطان في كل “ارض الميعاد” أو “أرض إسرائيل” الكبرى، ولا يوجد أي خلاف على ذلك بين هذه السلطة وبين الحكومات المتعاقبة لدولة الاحتلال إذ لولا التزام دولة الاحتلال المعلن أصلا بهذا “الحق الإلهي” لما كان لهذا المشروع ولأصحابه أي وجود في الأراضي المحتلة عام 1967.
 
 
 
إذ ما كاد رئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في رام الله سلام فياض يعلن عن مشروعه لاستكمال بناء مؤسسات لدولة فلسطينية خلال عامين تمهيدا للاتفاق بالتفاوض على إعلانها أو تمهيدا لإعلانها من جانب واحد كأمر واقع إذا لم تقد المفاوضات إلى اتفاق حتى كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تنشر على نطاق واسع خبرا عن خطط لقادة المستوطنين لإعلان دولة يهودية خاصة بهم في الضفة الغربية إذا ما قررت حكومتهم سحبهم ومستوطناتهم بموجب أي اتفاق يتم التوصل إليه مع المفاوض الفلسطيني لأن الوقت عندئذ يكون قد “حان للنظر جديا في إقامة كيان قانوني يوحد المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة كمشروع دولة” كما كتب الحاخام شالوم دوف وولبو الذي يتزعم حركة “سوس إسرائيل” الدينية.
 
 
 
ومن المعروف أن المستعمرات الاستيطانية ومستوطنيها يخضعون للولاية القانونية الإسرائيلية حيث يتواجدون الآن خارج الحدود المعترف بها دوليا لدولة الاحتلال التي ينتمون إليها ويتمتعون بالتالي بحماية شرطة دولة الاحتلال وقواتها المسلحة في حالة فريدة نادرة من نوعها في العالم حيث يخضع مواطنو الدول عادة لقوانين الدول المضيفة لهم.
 
 
 
ومن المعروف أيضا أن دولة الاحتلال سمحت فعلا وتعترف وتقدم الدعم وتجري مفاوضات مع مجلس لبلديات المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967(الييشا)، بحيث تحول هذا المجلس بحكم الأمر الواقع إلى “سلطة حكم ذاتي يهودية” يفوق كثيرا نفوذها وصلاحياتها ومساحة الأرض التي تسيطر عليها والأسلحة الموجودة بحوزتها ومنظوماتها الأمنية الخاصة بها تلك “الإدارة المدنية” التي تنازل الحاكم العسكري الإسرائيلي عن جزء منها ل”سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية” بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية.
 
 
 
فعلى سبيل المثال تسيطر “الييشا” على أكثر من أربعين في المئة من مساحة الضفة الغربية بينما لا تزيد مساحة منطقة “أ” التي “تنسق” قوات الاحتلال مع السلطة الفلسطينية لكي تمارس الأخيرة صلاحياتها المدنية والأمنية فيها على سبعة عشر في المئة من مساحة الضفة.
 
 
 
لقد تحول هذا المجلس فعلا إلى مشروع دولة داخل الدولة الإسرائيلية التي لا تسمح بأي كيان مماثل له داخل حدودها المعترف بها دوليا، وقد تحولت القوة الانتخابية لهذا المجلس إلى القوة المرجحة لفوز أو عدم فوز أي حزب إسرائيلي في الانتخابات العامة، كما أثبتت الانتخابات الأخيرة التي أوصلت أحد المستوطنين (أفيغدور ليبرمان) إلى منصب وزير الخارجية، وقوة قادرة على إسقاط أي حكومة إسرائيلية تهدد وجودها، كما تهدد حاليا ثلاثة أحزاب وصلت إلى الحكم بأصوات المستوطنين وأصبحت شريكة في الائتلاف الحاكم الذي يقوده الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو.
 
 
 
ومما يؤكد نفوذ “سلطة الحكم الذاتي اليهودية” في الضفة عجز الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد حوالي تسع سنوات عن الوفاء بالتعهد الذي قطعته للولايات المتحدة عام 2001 بتفكيك أكثر من مئة مستوطنة “عشوائية” تدعي هذه الحكومات أنها أقيمت دون تصريح رسمي منها كبقية المستعمرات الاستيطانية. ويتأكد هذا النفوذ حاليا بالمفاوضات المكثفة الجارية بين حكومة نتنياهو وبين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ أعلن أوباما في وقت مبكر من توليه الحكم أوائل العام الحالي عن ضرورة التجميد الكامل للتوسع الاستيطاني اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة كشرط مسبق لاستئناف عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية إذ لا يجري التفاوض على تفكيك مشروع الاستيطان بكامله بل على “توسيعه” فقط، وقد تحولت معارضة “الييشا” لتجميد الاستيطان وتهديدها بإسقاط حكومة نتنياهو إلى ذريعة يحتج نتنياهو بها من أجل المراوغة والمناورة والمماطلة في الاستجابة لطلب أوباما، مما جعل هيبته ومصداقية إدارته تتآكل تدريجيا بعد حوالي ثمانية أشهر من إعلان “شرطه المسبق”.
 
 
 
في الثالث من آب / أغسطس هذا العام كتب عضو “أميركيون من أجل السلام الآن” د. روبرت أو. فريدمان إن “الييشا” قد تحولت إلى “دولة داخل دولة” في إسرائيل، وفي الثامن عشر من كانون الأول / ديسمبر الماضي تحدثت افتتاحية لصحيفة هآرتس الإسرائيلية عن “دولة يهودا المزدهرة” في الضفة الغربية حيث معدل النمو السكاني فيها يزيد ثلاثة أضعاف على مثيله في إسرائيل.
 
 
 
إن دولة فياض المأمولة، في الظروف الموضوعية السائدة للوضع الراهن، لن تكون في أحسن الحالات أكثر من “مؤسسة حكم” لدولة فلسطينية بلا أرض لإدارة شؤون الفلسطينيين تحت الاحتلال وليس من المؤكد أن تسمح هذه الظروف لفياض حتى بالنجاح في بنائها، وربما كان تعيين البريغادير جنرال إيتان دانجوت مؤخرا “منسقا لنشاطات الحكومة في المناطق” الفلسطينية المحتلة تذكيرا مناسبا في وقته بمن هو الحاكم الفعلي في الضفة الغربية الذي يتحكم ب”السلطتين” ليمنع الفلسطينية منها بكل الطرق من التحول إلى دولة على الأرض وليبقي الثانية اليهودية سيفا مسلطا على الأولى يهدد ب”حرب أهلية” عربية يهودية للسيطرة على الضفة الغربية أو في الأقل ل”تقسيمها” بين الطرفين، مما يذكر بالسيناريو الصهيوني الذي قاد إلى نكبة عام 1948.  
 
 
 
*كاتب عربي من فلسطين
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد