إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

التدويل لن يخرج حكومة المالكي من أزمتها

التدويل لن يخرج حكومة المالكي من أزمتها

بقلم: زياد ابوشاويش

قامت الحكومة العراقية بتقديم طلب لمجلس الأمن الدولي لمعالجة قضية تفجيرات يوم الأربعاء الدامي في سابقة هي الأولى منذ الغزو الأمريكي للعراق. وبذات المقياس الذي بنت على أساسه هذه الحكومة شكواها للمجلس كان عليها ومن سبقها من حكومات أن تحيل له عشرات القضايا الشبيهة وضد جهات معلومة داخلية وخارجية في طليعتها قوات الغزو ذاتها وشركات الأمن التي رافقتها من اليوم الأول لاحتلال العراق ومع توفر أدلة لاشك فيها لإدانة الجناة.

إن الحالة التي أمامنا تشير بدون لبس لاستهداف القطر العربي السوري كون الاتهامات طالت سورية ومن تستضيفهم وفي ظن المالكي وبطانته أن تجربة الحريري في لبنان يمكن تكرارها في العراق وأن هذا قد يعوم هذه الحكومة ويعطيها مداً شعبياً هي في أمس الحاجة له قبل الانتخابات التشريعية القادمة، كما أن دفع الأمور لهذا الحد من التأزم ربما يخفف الضغوط التي يتعرض لها هؤلاء من أجل الوصول لمصالحة وطنية تفقدهم كل ما يتمتعون به اليوم في ظل الاحتلال.

من الواضح أن الذين أشاروا وسعوا للتدويل لم يقرأوا جيداً حكمة التاريخ أو دروسه حول هذه المسألة تحديداً، ذلك أن كل مشكلة عربية داخلية أو حتى مع المحيط تم تدويلها في الماضي والحاضر كانت وبالاً على البلد المعني وعموم الوضع العربي والمصالح العربية.

إن درس فلسطين ومن بعده درس لبنان والسودان والصومال والعراق نفسه يعلمنا أن إحالة قضايانا للمراجع الدولية ينتج الكوارث والمآسي ولا يعطي أي نتائج إيجابية للحل. وقد أشار الرئيس السوري بشار الأسد لهذا الأمر في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الفنزويلي حين نبه لعبثية التدويل وضرره البالغ على أي قضية محلية، وقد كان حديثه صحيحاً ومنسجماً مع كل الدروس السابقة في التاريخ العربي.

المالكي وحكومته لم يكتف بطلب محكمة جنائية دولية لمعالجة التفجيرات المشار إليها بل عمد إلى إرسال قوات إضافية إلى الحدود السورية مع العراق في إشارة تأكيدية لاتهامه الأرعن للشقيقة سورية وبدون أن يحسب حساباً للمستقبل أو لماض كان فيه ضيفاً عليها ووفرت له المأوى والأمان، بل زاد بأن هدد بنقل بعض ما يجري من عنف في بلده لسورية، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها مسؤول عراقي كل الأعراف الدولية في العلاقة مع بلد جار وتربطه بالعراق وشعبه أوثق العلاقات وأكثرها حميمية.

مشكلة المالكي وزمرته المرتهنة للاحتلال تفاقمت بعد طلب التدويل فقد تصدى لهم نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي مفنداً ادعاءاتهم ونافياً التهمة عن البعثيين الذين ادعى المالكي أنهم وراء التفجيرات وأن سورية توفر لهم المأوى والدعم اللوجستي. كما أن هناك معلومات تسربت خلال الأيام القليلة الماضية على لسان مسؤولين في المخابرات العراقية تشير لضلوع جهات نافذة داخل الحكومة نفسها أو من المليشيات التابعة لأحزاب تشارك فيها بهذه التفجيرات. الحديث هنا يدور حول حجم التفجيرات وأماكنها والذي يشير لتحضير على مستوى عالي وقدرات على الإختراق لمنظومة الأمن الحكومية لا يتوفر إلا لجهات مدعومة داخلياً سواء من الاحتلال الأمريكي أو وزارة الدفاع والداخلية العراقيتين.

إن ما يؤكد انحراف الحكومة العراقية عن جادة الصواب في طلب التدويل هي تلك الأصوات الداعية للتهدئة والحوار والصادرة من جهات غربية كانت حتى وقت قصير تناصب سورية العداء وتتهمها بالوقوف خلف العديد من عمليات المقاومة في العراق، وكان حرياً بهذه الجهات أن تستغل الفرصة للهجوم الدبلوماسي والإعلامي (على الأقل) ضد سورية لو كان هناك ظل من الحقيقة فيما تزعمه حكومة بغداد. لقد دعت أمريكا عملاءها في المنطقة الخضراء لتخفيف حدة الهجوم على سورية واللجوء للحوار من أجل حل المعضلة الراهنة دون أن تنصاع حكومة المالكي الحمقاء لهذه الدعوة مما يشير إلى توجه جديد أو مخطط يستهدف إعادة خلط الأوراق داخل العراق ومع دول الجوار لعرقلة التوجه العام والجدي لانهاء المشكلة العراقية التي شكلت حالة صداع كبيرة للأمريكيين والتي تحاول إدارة أوباما التخلص من تبعاتها للتفرغ للأزمة المتفاقمة في أفغانستان والذي يعني في النتيجة إنهاء الاحتلال والمصالحة الوطنية ومشاركة كل القوى بمن فيها البعثيون في إعادة بناء العراق من جديد.

 في قضية الحريري بلبنان تسرع البعض باتهام سورية وقامت الدنيا ولم تقعد، وبعد أربع سنوات من العويل وعمل لجنة التحقيق الدولية اكتشف الجميع أن لايد لسورية في حادثة الاغتيال، وتراجع غلاة الحاقدين عن موقفهم سواء ضد سورية أو الضباط اللبنانيين المتهمين، كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتدوير زوايا موقفها المتشنج والظالم من سورية وأوقفت حملاتها الإعلامية، بل وأرسلت مبعوثيها من مختلف المستويات لدمشق والذين لم تنقطع زياراتهم منذ بدء ولاية أوباما.

إن انتقال الحكومة العراقية بشخص رئيسها وخلال أربعة وعشرين ساعة من حليف ” استراتيجي ” لسورية التي أكد رئيسها ” دعم بلاده للعراق وعمل كل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار فيه والحفاظ على وحدة أراضيه وشعبه ” إلى عدو يطالب المالكي بلجنة تحقيق دولية ومحكمة جنايات تحاكم سورية على تفجيرات التاسع عشر من آب أغسطس الماضي، إن هذا الانتقال أو الانقلاب يدعم الاستنتاجات القائلة بأن المالكي وزمرته المسيطرة على حكومة بغداد إنما يستهدفون التغطية على جهة ما قامت بهذه التفجيرات بالإضافة للاستهدافات الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع المقال.

الوضع العربي لا يحتاج للمزيد من التوترات الداخلية وبين الأقطار العربية، وإحالة مشكلة صغيرة في بغداد لمجلس الأمن سوف يزيد هذا التوتر ويعكس نفسه على حكومة المالكي مزيد من الإرباك والتأزم ومزيد من الإدانات الرسمية وفي الشارع العربي، وهو في المحصلة النهائية لن يساهم في حل الأزمة التي يعيشها المالكي ومن لف لفه في بغداد والأجدى لهم وللعراق وقف هذه المهزلة.

[email protected]

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد