إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ما بعد الأبديّة بفرسخ

 

ما بعدَ الأبديةِ بفرسخٍ وخطوةٍ وروحٍ ولحظةٍ وقبلَة

أقفُ إلى جذع زيتونة قُطِعَ وَريدُها فمالت فوق كتفي

خضراءَ تناجي الخالق، تستجدي منشاراً وتدمعُ

ما بالُ الجُنْدِ غاضبون، يحرقون الهواء،

يحاصرون حصاري ويسكبون ما تبقّى من دماءٍ في

شراييني! واللبنُ تلوّن بدمي فقنا ودفق وسالَ في ليلة

الإسراء،

قبل أن تنشقّ السماءُ وتبتلع دعاءَ الفقراءِ.

 

من أنتَ؟ سألني ملاكُ الموت، كان حريصاً على معرفةِ

هويتي.

ما الفرقُ ما دُمْتَ قد قررت نَحْري واستلابَ روحي!

قالَ: تعبتُ من التعبِ المخيّمِ على شواطئ المتوسّط

حتّى البحرُ الميّتِ مات! ومضى خلف الأبديّة يبحثُ عن

روحِهِ.

قال: ماذا بعد فناءِ الإنسانية بفرسخ؟ أأقبضُ روحي

وحيداً؟

قلتُ له: نتعاطَى الموتَ منذ هبط آدمَ ضيفاً علينا،

ما الجديد؟

قال: أخشى الوحدة، أخشى الصحراءَ، أخشى الموت

أخشى ذاتي والفناء!

 

ما بعدَ الأبديّة عيناكِ وترانيمٌ وسفرٌ بلا حقائبٍ

وليلٌ وشاطئٌ وبِلا أجنحةٍ ملاك.

وحوارٌ وخمائلُ وبلابلُ وسلاسلُ

تكسرُ يدي وأمضي الليلةً في قطارٍ تائهٍ

أغمضُ عينيّ لأنّ الضوء يُرْهِقُني ويخطِفُ منّي

هذا الحنينِ وأسافرُ أسافرُ حتى حدودِ المستحيل

يا قمراً جريئاً تعذّب أكثرْ

ليضيءَ أكثرْ

تنحني الأشجارُ السامقةُ خاشعةً

عندَ حدودِ الجليل

وتهمسُ هذا الوطنُ مهزومَ الهويّة

يكفي مقبرَةً للشهداء

وتدوّنُ العنقاء سيرتَها فوقَ ذاكرتي

تمحو أوراقاً وعِشقاً كان قد تكاثرْ

 

ما بعدَ الأبديّة أبديّةٌ أخرى

وحنينٌ لا تنقطعُ أواصرُهُ

ومَرْيَمِيّةٌ ونعناعٌ وحبّةُ ليمونٍ

وعيونٌ عسليّةٌ تنظرُ إلى الأفقِ

ِمن هُنا مرَّ السَنَوْنَوُ قبلَ أبديَّةٍ لَمْ تُسَطََّرْ

مِنْ هُنا مرّ عاشِقْ!

مِنْ هنا مرّ الفرزدَقْ.

ذَرِبَ البدوُ الرُحَّلِ السُيوفَ

تواطؤوا مع رياح الخَماسين

ثمّ أقعوا عند بئرٍ جدباء

يستجدون قطرةَ ماءٍ من سماءٍ متمرّدة

أرعَدَتْ دون غَمامٍ وتاهَ البرقُ في المحيط

 

دَلَفَتْ إلى البحرِ ليغتسلَ البحرُ من رحيقِ جسدها

فابتلعها عِشْقاً وركضنا خلْفَ الموجِ

عاتبين صارخين مستجدينِ رحمةَ الآلهة

فقالت: الروحُ لي ولكم الجسدُ هاويا

للبحرِ نسغُ الحياةِ فليُغادر الموتُ مباهيا

 

أنا لستُ رَحالَة لكنّي تُهْتُ في لجّة الحدثْ

ومَضى التاريخُ يقصّني حكايةَ الآخر

عفا عنّي الزمنُ .. أنا جزءٌ من الماضي

لا أملكُ عنانَ حصاني الجامح وكان عربيّاً

لم يهجّن ولم يُذْعِن للريح للمطرِ للجازِ

لكنّه لصوتِكِ أذْعَنَ وخبا وخرَّ

راكِعاً متهدّجاً بينَ يديك فلا تقتُليه

دعيهِ يعِش أبديّةً أخرى لم يبقَ في جعبة الشاعر

سوى قصيدةٍ وقافيةٍ واحدة

قميصُهُ الأبيَضّ قُـدّ من قُبُلٍ

لكنّ الشفاهَ لم تلتقِ اليومَ وبقينا نعاني لوعةَ الظمأ

وبقينا نلهثُ خلفَ سرابٍ لا ينقطعُ لا ينجلي

حتّى بلغتُ وإيّاكِ على هودجٍ معطّرٍ بماءِ الوردِ

مشارفَ الأبديّة!

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد