إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

وللفقر حكومة ترعاه

وللفقر حكومة ترعاهبقلم : خالد منصور
قليلا ما اذهب للبنوك– فمثلي ليس ولا يمكن ان يكون من اصحاب الارصدة– وفقط ادخلها حين استلم راتبي.. ودائما اختار الفروع البعيدة عن مراكز المدن.. كي لا اضطر للانتظار بالطابور لساعات واصاب بالتوتر .. وفي يوم الاحد 13/9/2009 اضطررت لدخول احد افرع البنوك في رام الله لمساعدة احد اصدقائي.. ففوجئت بالمئات من المواطنين نساء ورجال واطفال وعجائز، يملئون مدخل البنك وادراجه، ووجدت صعوبة حقيقية في الدخول الى قاعاته– التي بالكاد تستطيع التحرك بها من شدة الاكتظاظ.. رايت عجائز تفترش الارض على الدرج، ورايت شيوخا يتكئون على الجدران منهكين– ويبدو انهم قد اتوا الى البنك حتى قبل ان يفتح ابوابه وهذا يعني انهم قد خرجوا من بيوتهم من قراهم منذ ساعات الصباح الباكر.. احزنني المنظر جدا وتساءلت.. لماذا كل هذا الاكتظاظ في هذا اليوم..؟؟ فقيل لي ان وزارة الشئون الاجتماعية قد اعلنت عن بدء صرف مخصصات الفقراء في هذا اليوم– وهو اليوم الذي يسبق عيد الفطر بقليل.
    انهيت مهمتي وتحركت لاخرج من البنك، وكان الخروج اصعب من الدخول، فقد كانت بعض النسوة تحتل نصف درجات المدخل، وبالتالي تغلق نصف الطريق، وفي النصف الاخر يتزاحم الداخلون والخارجون، وكان حظي ان ان تكون امامي امراة سمينة ( ضخمة طولا وعرضا )، وبالكاد تستطيع ان تجد لها متسعا على الدرج لتنزل، فاضطررت للوقوف بالدور خلفها، ومن شدة التعب والتوتر كانت تلك المراة تتحدث بعصبية وتشتم وتلعن، وسمعتها احيانا توجه اللعنات للحكومة ولوزارة الشؤون الاجتماعية، واحيانا اخرى على حظها ونصيبها، وعلى الزمن الذي كانت تقول انه اذلها واحوجها وجعلها تمد يدها للحكومة كي تستلم المساعدة.. وكان بعض المارين من جنبها اما يشاركونها اللعنات او يحاولون تهدئتها طالبين منها الصبر قائلين لها : ( الله يعينك ويعيننا معاك، وان شاء الله بتفرج علينا جميعا عن قريب ).. لم اشارك الناس الحديث، وكنت فقط اتفحص الوجوه واراقب نبرات الكلام، وببساطة متناهية كنت الحظ ان جميع الوجوه متعبة مرهقة بائسة، وعلامات الفقر بادية بوضوح.. وكنت ايضا الحظ في بعض الاحيان– وخصوصا عند العجائز– لهجة الذل والانكسار ( الله يخلف عليهم اللي بتحسّنوا علينا ).
    ما ان وصلنا الى الشارع العام حتى تنفست الصعداء، وفورا جلست تلك المراة السمينة على الارض على رصيف الشارع، وخطر ببالي فورا ان اعرف حكاية هذه المراة، فاقتربت منها وكان العرق يتصبب من جبينها وبالكاد تلتقط انفاسها.. طرحت عليها السلام واخبرتها انني كنت طوال الوقت خلفها على الدرج، وانني سمعت كل ما كانت قد قالته.. فقالت لي دون ان تنظر في وجهي : حتى لو كنت انت من جماعة الحكومة– وهذا لا يهمني– ساقول لك واسمّع معك كل العالم ( الله يذل الّي ذلنا واحوجنا للي بسوى وما بسوى ).. فسالتها عن سبب عصبيتها وعن سبب تهجمها على الحكومة، فقالت لي اسمع يا اخي ( انا امراة بالخمسين من عمري ارملة ووزني 90 كيلوغرام، وعندي امراض القلب والضغط والروماتيزم، وعندي سبعة ابناء– خمسة بنات وولدين، اصغرهم سبعة اعوام، واكبرهم 22 عام– خطف القدر زوجي منذ ستة اعوام، وكان الاستيطان قد صادر كل ما ورثه زوجي من ارض، في البداية ساعدني اهلي واهل زوجي– لكن كل واحد منهم لديه ما يكفي من الهموم والالتزامات، ثم توجهت الى وزارة الشئون الاجتماعية التي قررت ان تصرف لي شهريا مبلغا من المال– واحلف لك انه لا يكفي متطلبات عائلتي لاكثر من اسبوع او عشرة ايام على ابعد حد.. وها انا آتي كل شهر الى هذا البنك، لاستلم ذلك المبلغ واقف بالطابور كل مرة لساعات، لانني– ومثلي كل الفقراء المحتاجين– دوما نسابق بعضنا للوصول الى البنك فور سماعنا خبر ان نزول المخصصات الى البنوك.. سالتها: ولماذا تسبين وتلعنين الحكومة..؟؟ وهي التي تقدم لك هذه المساعدة، فاجابتي بكلام جعلني متيقنا انها متعلمة وانها متابعة لامور السياسة.. قالت لي بصوت قوي : ( الله لا يخلف على فياض ولا على ماجدة المصري.. هذا حقنا وهاي مصاري الشعب مش مصاري ابوهم.. وهم فقط بقوموا بواجبهم.. ).. سالتها وماذا تريدين من الحكومة ان تفعل اكثر مما تفعل.. فقالت : ( يا خوي انا بتمنى اليوم اللي ييجي واولادي يشتغلوا.. وما اعود اجي لهون.. انا باعتقد لو الحكومة اوجدت شغل للناس كان اكرم واشرف النا بدل ما نيجي كل شهر نمد ايدينا زي الشحادين لنستلم المخصصات ).. سالتها: ولماذا لا يعمل اولادك وبناتك..؟؟ فقالت : اولا ما ظلّش النا ارض لانهم اليهود الخنازير اخذوها.. وثانيا اولادي لم يتعلموا اكثر من التوجيهي، لاني ما بقدر اعلّمهم– بس بعضهم تعلم تدريب مهني على حساب الشئون، ولما انهوا التدريب ما وجدوا فرصة عمل زيهم زي الالاف اللي مش لاقيين شغل من الشباب ..
    تركت تلك المراة– وقد تركت في عقلي وقلبي تاثيرا لن يزول حتى بعد سنين– وبدات افكر واحلل واقارن بين ما قالته تلك المراة، وبين ما نسمعه صبحا ومساء على لسان رئيس حكومتنا الدكتور سلام فياض، الذي يجد ويجتهد ويطوف مناطقنا كل يوم من اقصاها الى اقصاها )( وكانه في حملة انتخابية )، ويفتتح المشاريع ( التي لا احد ينكر اهميتها )، ويتناول طعام الافطار مع ابناء شعبه.. وفكرت فيما يقوله هذا المسئول ( الذي يكاد ان يكون الاول في بلادنا ) عن النمو الاقتصادي، وعن التحسن في اوضاع البلاد، وتساءلت هل ما يقوله صحيح وواقعي..؟؟ والاف العاطلين عن العمل لم يتغير حالهم، والفقر شبه ثابتة مستوياته، والغلاء يستفحل ويتغول علينا اكثر فاكثر.. تذكرت حينها ان رئيس وزرائنا انما يتحدث عن السوق الحرة، وعن المنافسة المفتوحة.. وزادت قناعاتي– بعد لقائي بالمراة ورؤيتي لجيوش الفقراء في البنك– بان هذا النظام ومهما تحدث عن تامينات اجتماعية.. فلن يلد الا ظلما اجتماعيا، وبدلا من محاربة الفقر واجتثاثه يقوم هو نفسه برعايته.. نظاما قائما على تحالف الحكومة براس المال، ويؤسس لخصخصة كل شيء– في الاقتصاد وفي الصحة والتعليم وفي الخدمات العامة.. وانه يشرع الابواب لمستثمرين– همهم الرئيسي الحصول على اكبر نسبة من الارباح، والعمل بشتى السبل والوسائل لافراغ جيوب الشعب بدلا من تشغيلهم..
    نعم ان تقديم الحكومة العون للفقراء مهم.. لكن لا يمكن القبول بوضع يستمر فيه الفقر على حاله، ومهمة الحكومة الاساسية وهي تتحدث عن انعاش الاقتصاد– العمل على توفير فرص عمل للعمال، واخراجهم من دائرة الفقر والبطالة، الى دائرة العمل المنتج الذي يحفظ لهم كرامتهم، وعلى الحكومة ان تبذل كل ما تستطيع لجلب الاستثمارات وتوجيهها للقطاعات المنتجة، وان تراقب عملها ولا تسمح لها بممارسة اي من اشكال الاستغلال المفضوحة والمستترة، كما لابد للحكومة من الاهتمام بالقطاع العام، وان تعززه وتطوره– لانه حصن الشعب وملجأه– لا ان تعمل لخصخصة المزيد من الخدمات والقطاعات.. ولا ان تساعد على الاحتكار وعلى تغول بعض المستثمرين– الذين اصبح البعض منهم حتى يبيع الشعب الهواء– بسكوت ورضا من الحكومة– ما دام هذا البعض يدفع لها الضرائب.
 
مخيم الفارعة – 14/9/2009      
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد