إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

إعلام العولمة ..وعولمة الإعلام

إعلام العولمة ..وعولمة الإعلام بقلم حسين حرفوش
 
عندما نجد إعلاما .. يفترض فيه حمل أمانة كلمة الحق في شرق ..ينوء بأحزانه..يتمزق كل ممزق ..عندما نراه إعلاما مُدَاهِناً..يرقص على حبلين.. في وقت أكلت النار فيه كل الحبال ؟!! إعلاما إذا تحدث عن القاتل .. يتحدث قبل ذلك وبعده عن خطأ الضحية ؟!! .. إعلاما في الوقت الذي يتملص فيه القاتل والسارق من كل التزام ..يروج هذا الإعلام لثقافة الاستسلام والدعوة للتعايش مع قاتل وسارق بل تعظيمه والمبالغة في احترامه ؟!! في حين لا يذكر صاحب الحق إلا قليلا..وإن ذكره يغلف ذكره بلوم وعتاب لتشدده إذا طالب بحقه ..وينكر صلابته في الوقوف عند مبادئ الحق التي لا يختلف عليها عاقل ..وفي جميع الأحوال يبرع رجالاته في الإتيان بحجج واهية .. لتبرير المواقف الهزيلة لساسته..غير مهتم بإبراز الصورة الحقيقية لواقع شعبه.. بل ويزيد هذا الإعلام الطين بلّةً ..فيغلق صفحاته في وجه القلم الموهوب والجاد.. وكثيرا ما تجد في هذا الإعلام فريق المُلَمِّعِين ـ وهم كثيرا ما تعجبك أجسامهم ..ويبهرك منظرهم ـ لا يكتفون بتلويث الأوراق ..فراحوا يلوثون الهواء ..من خلال تلميح أو تصريح .. يتعمد أن يجرح به غيره تارة..ـ وهو كثير الجروح .. واسع الخروق.. ـ ويتناسى أنه إعلام وقف بين ترغيب وترهيب .. فخفتت على لسانه كلمة الحق .. وهلَّلَ لمن لا يستحق ..وجَـمَّـل ولمَّع القبيحَ ..ناسيا الحكمة القائلة ” ليس كل ما يلمع ذهبا “
 
.. فإن هذا الإعلام هو إعلام العولمة الذي لا نريده..
 
 أقول ذلك وأنا بين الرجاء و التّمنى ..أرنو وأتطلع لوجود إعلام تنبع من محليته ..وثقافته وتراثه عالميته لا يكون همًا وعبئا على الشرق ..بل يسهم في رفع هم ومعاناة الشرق ..يتفوق صانعوه عن غيرهم وخاصة في هذه المرحلة التي نعيشها جميعا..بقلب مازال ينبضُ بالغَيْرة..ويدعو للمحبة .. يُؤَصل لأخوة الدم والأرض والمصير .. شعاره الحق وقلمه في الحق وقوله للحق وصورته حق .. يحمل أمانة الأجداد..متمثلة في تراث أصيل من ثقافة تستند على قيم نبيلة في شرق يظلله الحب والسماح
 
واعيا فلا ينجرف لثقافة غربية تدعو..وتلح علينا لكي نصل إلى عولمة البقية الجادة من إعلامنا ..لكي يخضع ويدعو إلى سياسة وثقافة التسليع لكل شيء ..حتى غدت الكثير من القيم سلعة تباع وتشترى والدليل على ذلك ما قاله دافيد هارفي في كتابه المهم ((الليبرالية الجديدة‏..‏ موجز تاريخي)) الصادر عام‏2005‏   والذي علق عليه الأستاذ السيد ياسين في محاضرته عن العولمة في الثقافة الأمريكية في الدوحة .. ويوجز دافيد هارفي في ذلك الكتاب مبادئ الثقافة الأمريكية الليبرالية ـ والمبهور بها للأسف بعض إعلامييناـ فيقول
 
   إن من مبادئ الليبرالية الأمريكية الجديدة والتي لها تداعياتها الثقافية السلبية   :
 
‏1-‏ عدم تدخل الدولة في الاقتصاد والذي ينبغي أن يقتصر واجبها علي توفير مناخ الاستثمار‏.‏
 
ومعني ذلك ترك المواطنين عرايا أمام قوي السوق المتوحشة التي تقوم علي الاستغلال والاحتكار‏,‏ بغير حماية اجتماعية كافية‏.‏
 
‏2-‏ فرض حرية السوق المطلقة بالقوة حتي لو خالف ذلك الدساتير المطبقة والتشريعات الموجودة‏.‏والدعوة من خلال ذلك إلى فتح الأبواب على مصراعيها.. بحجة إعطاء تسهيلات للاستثمار .. فسقطت ضوابط الرقابة فوجد اللصوص والمستغلين والجشعين أكبر فرصة لسلب ونهب مقدرات الشعوب..
 
 ‏3-‏ الفردية هي القيمة الرئيسية للعاملين في النظام المالي وانعدام الرقابة‏,‏ وقد أدي ذلك ـ كما رأينا في الأزمة المالية الأمريكية ـ إلي شيوع الفساد المالي الذي أدي إلي الانهيار‏.‏
 
‏4-‏ حماية الاحتكارات بحجة إعطاء فرصة للقطاع الخاص مما أدى إلى الإضرار بملايين المواطنين بدعوي حرية المنافسة‏.‏
 
‏5‏ ـ الدفع باتجاه حرية السوق وتسليع كل الاشياء‏,‏ مما يؤدي إلي نزعة جنونية تؤدي إلي التفكك الاجتماعي‏,‏ مادام كل شيء يمكن ان يباع ويشتري‏,‏ مما يؤدي إلي هدم اشكال التكافل الاجتماعي‏.‏
لذلك أتمنى إعلاما ذكيا .. لا يقع بين شقي الرحى ( إعلام العولمة) ..أوعولمة الإعلام التي يدعو إليها سماسرة الغرب والمعجبون بنمط مبادئ ثقافته السابقة والذين تمكنت منهم تلك الثقافة فجندوا أنفسهم للدعوة لها تلميحا وتصريحا   .. وتناسوا أن من مخرجاتها   أكبر رجل أعمال ( برنارد مادوف )الأمريكي هو صاحب أكبر قضية نصب واحتيال لسرقة الأموال على مستوى العالم .. ..ثم التلاميذ اللصوص الصغار في العالم العربي الذين تأثروا وتربوا على مبادئ تلك الثقافة .. حتى وجدناهم أيضا من خلال فن الإسفاف
 
بحجة الواقعية ..واتباع نفس مبادئ الثقافة السابقة سياسة فتح الأبواب على مصراعيها
 
 فكانت النتيجة انتشار ثقافة الجريمة والوصولية والنفعية والشهوة والمتعة بغض النظر عن الوسيلة .. 
 
 وشيوع ثقافة المادة والإعلاء من شأنها على حساب قيم الروح التي تدعو إليها الأديان جميعا ..فرأينا أكابرهم
 
   والمفترض فيهم أن يكونوا قدوة   رأيناهم ..ورآهم العالم ..لصوصا وأصحاب شهوة لأنهم تربوا على الثقافة السابقة الذكر .. وللأسف من سار على دربهم في الشرق سقط سقطتهم .. كل ذلك بسبب الإيمان بتلك الثقافة ..لذا أتمنى إعلاما ذكيا في عدم تأصيل تلك الثقافة فلا يبرز ذيولها   الذين يدعون إليها ..
 
 أريد إعلاما أمينا في نقل رؤية الساسة للشعوب وأمينا في نقل رؤية الشـعوب للساسة .. فيتم التواصل الإيجابي المثمر .. في جو بعيدا عن الشك أو التشكك   
 
أتمنى إعلاما لا يسارع بتجريح وإنما يشير إلى مواطن الخلل .. فيُلَمِّح دون أن يجرح ..وينقد نقدا بناءً دون أن يقدح .. أتمنى إعلاما   يعتمد على حقائق لا أباطيل ..وبراهين لا أوهام وظنون ..لا يُرَوِّجُ لثقافةِ الاستسلام ..بل يُشِيعُ في الأنفس ثقة تدفع الأمة إلى البناء ..وتلفت نظر الأجيال للقدوة الطيبة.. من العلماء الجادين .. والأئمة والدعاة المصلحين ..
 
أتمنى إعلاما ..ومهما كانت مرارة الواقع ومعاناته لم يخضع لوجهة نظر الرجل السياسي ..أو حارس الأمن البوليسي!!..بل ينطلق حرا يحمل نبض الأمة..على صفحاته النقية ..فيغدو نبعا ومأوى تأوي إليه البلابل الحرة من كل حدب وصوب ..فيضم الجميع واحتضنهم ..فلم يحجر على رأي ..ولم يفرض رؤية على صاحب قلم .. حتى أنه يحترم آراء المخالفين لوجهة النظر الرسمية للجهة التابع لها ..
 
..وأخيرا أقول إن وجد هذا الإعلام .. فهو بحق إعلام يستحق أن يكون مثالا لإعلام عالمي جديد ..وهناك إرهاصات لميلاده على يد فئة واعية نقرأ لها ونسمع ..فلا نملك إلا أن نقول لذلك الإعلام تعظيم سلام ..رغم يقيننا بصدق من قال ((وليس كل ما يتمنى المرء يدركه !!))
 
 
 حسين حرفوش
 
شاعر وكاتب مصري
 
الدوحة ـ قطر
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد