إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السيستاني وأسباب و دواعي الدخول في الأزمة الإيرانية

السيستاني وأسباب و دواعي الدخول في الأزمة الإيرانيةصباح الموسوي
مما هو مسلم به ان إيران كانت طوال الفترة التي سبقت قيام نظام الثورة الإيرانية وتولي رجال الدين الحكم فيها‘ كانت تابعة في شؤونها الدينية للمرجعية حوزة النجف التي تأسست عام 448 هـ على يد كبير علماء الشيعة في ذلك العهد، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ‘ ما عدى فترات من حكم الأسرة الصفوية (1501-1722 م) و فترة مرجعية حسين الطباطبائي البروجردي ( 1292 – 1380 هـ ) الذي كان يتخذ من حوزة قم مقر له . فبعد وفاة الأخير قام الشاه محمد رضا بهلوي مسارعا الى مبايعة مرجعية حوزة النجف بزعامة محسن الطباطبائي الحكيم ودعمها بقوة للتخلص من نفوذ رجال الدين في قم الذين أصبحوا معارضين لبرنامج الإصلاحات المعروف باسم الثورة البيضاء الذي أعلنه الشاه عام 1963م . وعلى الرغم من خضوع  الحوزة النجفية باستمرار لنفوذ السلطة الإيرانية ‘ إلا انه لم يسبق لها طوال القرون الماضية ان عارضت الأنظمة الإيرانية أو تدخلت في الشؤون السياسية الإيرانية الداخلية  إلا في حالات نادرة ‘ الأولى تمثلت في فتوى الميرزا محمد حسن الشيرازي (1230هـ – 1312هـ) الذي كان يمثل المرجعية العليا للشيعة في العالم آنذاك ‘ حيث اصدر  فتواه الشهيرة التي عرفت بفتوى ( التنباك ) سنة 1891م اعتراضا على الاتفاقية التي أبرمتها بلاد فارس مع بريطانيا مما جعل ناصر الدين شاه  القاجاري يضطر إلى إلغاء اتفاقه التبغ مع بريطانيا نتيجة للضغوط التي أثارتها فتوى الشيرازي. أما الحالة الثانية فقد حدثت أبان الحركة الدستورية التي عرفت بـ ( المشروطة ) 1905م ‘ حيث حاول زعماء الحركة ( السيد محمّد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني) أشراك المرجعية الشيعية في النجف الى جانبهم ضد السلطة القاجارية التي كانت تعارض مطالب الحركة ، غير أنه حدث انقسام حاد وسط مرجعيات حوزة النجف بين مؤيد ومعارض لحركة المشروطة ‘فبينما وقف المرجع البارز الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255ـ 1329 هـ) الى جانب مطالب الحركة ‘ فقد وقف كل من المرجع السيد كاظم اليزدي ( 1256 ـ 1337 هـ ) ومعه المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373هـ ) مؤيدين للشاه القاجاري ومعارضين لمطالب الحركة ‘ وهو ما تسبب في نشوب صراع كبير في حوزة النجف عملت المرجعيات المؤيدة للسلطة القاجارية الى جر العشائر العراقية الى هذا النزاع لدعم موقفها من حدث هو خارج ارض العراق  ‘ حيث طلب المرجع كاظم اليزدي حضور  قادة العشائر العراقية المقلدين له إلى النجف فجاؤوا مسلّحين والتفوا حوله منددين بحركة المشروطة. وكان اليزدي عند حضوره للصلاة في مرقد الإمام علي ( سلام الله عليه ) يتّعمد تسيير الآف المسلحين من العشائر معه لإرهاب خصمه الآخوند الخراساني المؤيد للحركة والمعارض للشاه القاجاري .
ومن المواقف الأخرى التي وقفتها حوزة النجف الى جانب الحكم في إيران ضد المعارضة ‘ كانت أيام فترة مرجعية السيد محسن الطبطبائي الحكيم (1889 – 1970) حيث وقف الأخير الى جانب الشاه العلماني ولم يؤيد مطالب المعارضة الدينية وحصل ان جرت مشادة كلامية بينه وبين زعيم المعارضة آنذاك روح الله الخميني (1920- 1989م ) .
لقد كانت هذه من المواقف النادرة التي يمكن الاستشهاد بها على دور حوزة نجف في الأحداث الإيرانية الداخلية فيما مضى ‘ غير ان ما هو مؤكد ان هذه ليست نهاية المواقف حيث يبدو ان الصراع السياسي الخطير التي تمر به إيران قد فتح الباب من جديد أمام حوزة النجف بزعامة المرجع الشيعي الأعلى ( آية الله) علي السيستاني للدخول على خط الأزمة الإيرانية بطريقة مشابهة لمواقف أسلافه ” الشيرازي و الآخوند الخراساني و النائيني وكاشف الغطاء‘ الذين كانوا مؤيدين للمعارضة ضد السلطة .
فبحسب ما تسرب لحد الآن من أخبار تناقلتها وسائل اعلام إيرانية مقربة من مرجعيات دينية مؤيدة للجناح ” الإصلاحي ” ‘ان دخول السيستاني على خط الأزمة الإيرانية أصبح واضحا بشكل جلي. فبعد رسالته التي وجهها الى مرشد الثورة آية الله “علي خامنئي” قبل نحو شهرين والتي وصفت بأنها كانت شديدة اللهجة‘اخذ ممثله الشخصي في إيران و صهره المدلل السيد ” جواد الشهرستاني ” ينشط سياسيا بشكل واسع حيث قام مؤخرا بإجراء عدة اجتماعات مع مرجعيات دينية معارضة لحكومة الرئيس احمدي نجاد وإجراء اجتماعات مع قادة الجناح الإصلاحي كان آخرها جرى أثناء سفر زعيم المعارضة مير حسين موسوي الأخير الى قم في 15 من الشهر الجاري ‘ حيث ضم الاجتماع الذي تم في بيت المرجع ( آية الله ) يوسف صانعي المؤيد للجناح الإصلاحي‘ عدد آخر من المراجع و كبار مشايخ حوزة قم الدينية كان من بينهم ‘ آية الله فيض الكيلاني ‘ آية الله بيات ‘آية الله شبير الزنجاني ‘ والشيخ احمد منتظري نجل المرجع حسين المنتظري ‘ بالإضافة الى ممثل السيستاني السد “جواد الشهرستاني “. وبحسب ما نشره موقع ” مرجعية الشيعة ” على شبكة الانترنيت نقلا عن مصادر مقربة من السيستاني ‘ فان المجتمعون ناقشوا الدعوة التي وجهها ” مجمع المحققين والمدرسين وعدد من مراجع حوزة قم ” ( لآية الله )علي السيستاني لزيارة إيران بهدف التوصل الى حل لإنهاء الأزمة الجارية و وقف الاهانات التي تتعرض لها المرجعيات الدينية المؤيدة للإصلاح على يد قادة الحرس الثوري الذين باتوا يهيمنون على السلطة بالمطلق.
ولكن إذا كانت الأسباب التي دعت السيستاني الى التدخل في الأزمة الإيرانية هي الانتهاكات التي تمارسها السلطة ‘و الاهانات التي تتعرض لها المرجعية الدينية على يد العسكر‘ وهم الحرس الثوري ‘ فهل  هناك من دواعي أخرى وراء تحرك السيستاني الذي بقي بعيدا عن الشأن السياسي الإيراني على مدى الثلاثين عاما الماضية؟.
كما هو معروف ان السيستاني لا يؤمن بنظرية ولاية الفقيه المطلقة وكان من المعارضين لتولي المرجعية الدينية زمام السلطة في إيران ‘ ولهذا كان طوال فترة ما قبل احتلال العراق مغضوب عليه من قبل النظام الإيراني ‘ إلا انه لأسباب تتعلق بالمصالح السياسية فقد عمل النظام الإيراني بعد احتلال العراق على مد الجسور مع السيستاني بعد تأييد الأخير للعملية السياسية التي وضعها الحاكم المدني للعراق “ بول بريمر ” ‘ حيث شكل هذا التأييد نقطة التقاء بينه وبين النظام الإيراني وقد نال السيستاني على ذلك الدعم والتأييد من طهران رغم الخلاف القائم بينهما حول الموقف من ولاية الفقيه . ولكن مع اشتداد الحراب بين أجنحة الحكم في إيران قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي فجرت الخلافات على العلن ‘ فقد قام رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس خبراء القيادة ‘الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني في شهر آذار مارس الماضي بزيارة الى العراق وصفت بأنها تاريخية ‘وقد التقى خلالها السيستاني . وكان رفسنجاني قد صرح للصحفيين بعد اللقاء انه ناقش معه الخلافات بين “القوى الموالية للثورة الإسلامية ” وما تثيره من قلق للمرجع السيستاني . وتابع قائلا ” طلبت منه ان يقوم بزيارة إيران لكنه اعتذر وقدم دليلا مقنعا بذلك ” .   
مصادر مطلعة قالت ان رفسنجاني حمل الى السيستاني رسالة موقعة من قبل عدد من مراجع  قم تعرض عليه البيعة بصفته مرجعا عاما لجميع الشيعةبمافيهم النظام الايراني  وان هؤلاء المراجع على استعداد لإصدار بيان بذلك. و أكدت المصادر‘ ان هذا الموضوع قد تم اقتراحه من قبلرفسنجاني و قد لقي تأييدا  من قبل عددا من مراجع قم ‘وهذه كانت خطة من الجناح الإصلاحي تهدف الى إلقاء منصب الولي الفقيه في إيران . وقد قيل أيضا ان السيستاني لم يرفض الفكرة غير انه استمهل رفسنجاني مدة أطول بانتظار ما سوف  تسفر عنه الانتخابات الرئاسة الإيرانية . وبعد تفجر الأزمة وخروجها من الغرف المغلقة الى الشارع عقب إعلان نتائج الانتخابات ‘ فقد أصبح السيستاني أكثر استعدادا لتقبل الطرح الذي قدمه رفسنجاني ‘ خصوصا وان عدد مراجع حوزة قم الذين كانوا يكاتبونه سرا بشأن قدومه الى إيران قد أزاد و بات هؤلاء المراجع يصرحون علانية برأيهم وهو ما يعني ان الساحة الإيرانية باتت مهيأة لاستقبال السيستاني أكثر مما كانت عليه في الماضي .
ولكن السؤال الذي يأتي هنا ‘هل تنهي ورقة السيستاني منصب الولي الفقيه في إيران ويكسب رفسنجاني وشركائه الرهان ‘ ام يفوز العسكر وينهون رفسنجاني و المعارضة وسلطة رجال الدين معا ؟.
صباح الموسوي
كاتب احوازي
‏19‏/09‏/2009
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد