إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

رغم تأييد نتنياهو… سقط فاروق حسني.. بقلم: د. عوض السليمان

 فاروق حسني
أعلنت قبل قليل نتائج انتخابات مدير عام اليونسكو، والتي أفضت إلى خسارة المرشح المصري “فاروق حسني” أمام البلغارية “إيرينا بوكوفا”.
المؤسف في الأمر ليس خسارة فاروق حسني للمنصب في حد ذاتها، فهي خسارة كانت متوقعة، على الأقل بنسبة خمسين بالمائة، فهناك مرشحة أخرى قوية أمامه وتكتلات سياسة وعلاقات دولية لا أخلاق فيها ولا قيم اللهم إلا مصالح معينة يعرفها الناس بشيوخهم وأطفالهم.
المؤسف هو ما فعله حسني من تذلل للغرب وأمريكا، والصهاينة على وجه الخصوص في سبيل هذا المنصب، فقد خفض الرجل من قيمته كوزير للثقافة في بلد عريق، وما ترك مناسبة إلا واستغلها في إثبات محبته للكيان الصهيوني، فاعتذر عن تصريحات نسبت له بمعاداة السامية، واستدعى عازفاً صهيونياً ليعزف في دار الأوبرا في القاهرة، وطالب وزارته بترجمة الكتب الصهيونية وإدخالها إلى مصر، كما بذل الغالي والرخيص في إعادة تشييد وترميم بعض المعابد اليهودية، التي تستقبل الصهاينة في أرض مصر الطاهرة دون تأشيرة دخول فيمارسون فيها طقوسهم ويعيثون في الوقت نفسه فساداً في البلاد، لا يردعهم رادع ، بل ويستقبلون كالأبطال الفاتحين، بلحاهم الطويلة وقبعاتهم المعروفة، ولو أن صاحب لحية دخل مطار القاهرة، وثبت أنه مسلم موحد، لرأى الأمرّين، بسبب لحيته فقط أو عباءته.
الوزير المصري لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصلت به الرغبة في الحصول على منصب مدير اليونسكو للإساءة إلى أحكام الإسلام دون أن ينسى أنه وزير ثقافة في بلد يدين معظم سكانه بالإسلام، فتطاول على الحجاب واعتبر أن المرأة المحجبة معاقة. الغريب في الأمر أن هذا الوزير هو ممثل الثقافة لبلد فيه الكثير من المحجبات ولن أقول معظم نسائه من المحجبات، فكيف يتطاول ممثل الثقافة على ثقافة بلاده. ولما طالبته بعض الدوائر أن يعتذر عن هذه التصريحات رفض رفضاً قاطعاً بل وتابع إساءاته ، وذهب يفتي في حكم الحجاب وكأنه عالم زمانه وفريد أوانه، علماً أنكم رأيتم الرجل كما رأيناه على الشاشات وهو يتأتأ ويتلعثم فلا يتقن ما يقول. فكيف يصبح وزيراً للثقافة من لا يعرف ثقافة أمته وتاريخها ومن لا يعرف كيف يدافع عن هذه الثقافة وذلك التاريخ فيبذل الجهد في حمايتها وإنقاذها من الضياع أو الاندثار!.
عندما حدثت تلك الإساءة ، لم تستهدف المحجبات فحسب، بل كانت مشوار اليونسكو إذ يريد الرجل أن يثبت للإعلام الغربي - الصهيوني أنه “متنور” وليس “ظلامي”، فعليه أولاً أن يحارب ثقافة بلاده ليرضى عليه الغرب ولكن هيهات هيهات.
وفي خطوة استفزازية أخرى قام فاروق حسني بمنح جائزة الدولة التقديرية “لسيد قمني”، في الوقت الذي كان فيه على وزير الثقافة أن يحرك الإدعاء العام ضد “القمني” ويلقي به في السجن، ليس من أجل ترّهاته، فهذه قضية أخرى ليس مجالها هذا المقال، ولكن ببساطة لأن “القمني” رجل مزوّر، أوهم الناس جميعهم بأنه حاصل على شهادة دكتوراه، وسار على هذا المنوال عدة سنوات واستغل ذلك التزوير لمصالحه الشخصية، فماذا فعلت وزارة الثقافة المصرية بقيادة فاروق حسني لتصحيح هذا الخطأ؟ قدمت جائزة الدولة التقديرية لمزور بدل أن تسعى لعقابه!.
لم يكن لفاروق حسني أن ينجح في هذا المنصب، على الرغم من كل ما عمله، ومع أن نتنياهو رضي عن الرجل مؤخراً وتعهد، وهو يأكل السمك واللحم، في إفطاره الرمضاني مع الرئيس مبارك، بدعم ترشيح حسني، ومع أن أمريكا تعهدت بدورها بمساعدة المرشح المصري، لكن الرجل فشل في الامتحان وعاد إلى مصر خائباً.
أرجو أن يستيقظ القادة في مصر وأن يعرفوا حجمهم الحقيقي بدقة. نحن نعرف حجم الشعب المصري العظيم وقيمته، ولكن الحكومة لا تعرف قيمتها أو حجمها. فقد بذل الرئيس مبارك جهداً تاريخياً في دعم صديقه الوزير، ومرت أيام وليال على أحمد أبو الغيط لم يذق فيها طعم الراحة من أجل “فاروق” لكن دونما فائدة.
المشكلة في الحكومة المصرية أنها لم تقرأ تاريخها ولا تاريخ غيرها، ولم تعرف أن الصهاينة قتلوا “أستير” كما تقول القصة، بعد أن خدمت أهواءهم لمدة ألفي عام، ولكنهم قتلوها مع ذلك، فهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا لإنقاذهم من الظلمات إلى النور، فهل يعتقد الرئيس حسني مبارك ووزير خارجيته أن لهم وزناً سياسياًُ ودولياً. فكم تنازلت الحكومة المصرية للمعتدي وباعت نفسها له ولكن ذلك لم يفلح في شيء ولا حتى في أن ينجح المرشح المصري لإدارة اليونسكو.. أفلا ليت فاروق حسني لم يسئ لنفسه وأمته من خلال استرضاء الصهاينة وانتقاد أحكام الإسلام، لكان اليوم أحسن حالاً وأسمى منزلة ولوقف العرب جميعاً معه ولعذر على سقوطه ولاستقبل عند عودته لمصر استقبال الأبطال، فالصهاينة بكل حال لا يريدون عربياً لهذا المنصب، ولكن الرجل خسر كل تأييد شعبي عربي ثم ذهب لباريس ليخسر التأييد الرسمي العالمي .
إننا نظن أن ما فعلته الحكومة المصرية من حصار غزة وتدمير أنفاق الحياة التي تنقل المؤمن للمقاومين، ومعاقبة كل من دخل غزة من المصريين، وتنكيلها بمجدي حسين وغيره، نظن أن أحد أسباب هذه الأفعال المشينة ، أحد الأسباب وليس كلها، هو دعم فاروق حسني في انتخابات اليونسكو، ولكن عملهم كان “كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف”.
الملفت للنظر أيضاً في سقوط فاروق حسني هو حجم الشماتة التي حظي بها من الشعب العربي والمصري على السواء، ولو يتوجه القارئ الكريم إلى المواقع التفاعلية في الشابكة(الانترنت)لرأى مئات التعليقات التي استبشرت خيراً بفشل فاروق حسني في انتخابات المنصب الجديد. وقد تراوحت تلك التعليقات بين” اللهمّ شماتة” وبين ” الحمد لله” مروراً بعشرات ألفاظ الاستهزاء بمن ” ذل نفسه وباع دينه وخسر آخرته واليوم خسر دنياه”.
لو نجح فاروق حسني في انتخابات اليونسكو فلن يكون أفضل من محمد البرادعي وبطرس غالي، وكلاهما خدم العدو أكثر من الصديق ولكم في العراق شاهداً أبد الدهر على ما اقترفت أيديهما بحق هذا البلد العظيم.
لم يدرك حسني أن عليه أن يخدم دينه وأمته وثقافته أولاً حتى يحترمه العدو، لم يدرك الوزير، أن العدو يتخلص في نهاية المطاف ممن لا يخدم أمته أولاً، وكم من عدو قال لعميله ماذا قدمت من خير لأهلك حتى أثق فيك، كان على الوزير المبجل أن يعرف أن السارق يعلم أن الأمين خير منه، وأن المعتدي يدرك أن المدافع عن حقه أشرف منه. كان عليه باختصار أن يكون مثقفاً ويطلع على التاريخ قبل أن يخوض غمار هذه المعركة.
عندما أساء “حسني” إلى الحجاب في مصر، ذهب إلى حفل فني وعند دخوله الصالة صرخت ممثلة مصرية” يا كايدهم” تساءلت في نفسي على من انتصر “فاروق” وكاد من ؟، نساءَ مصر المحروسة أم نساءَ المسلمين عامة أم انتصر على فاطمة وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهن جميعهن؟ وتساءلت هل يفرح وزير الثقافة عندما تؤيده ممثلة، وهل يحاط صاحب دار الثقافة بالممثلات، بعد أن كان يحاط صاحب هذا المنصب بألف شاعر وفقيه وعالم ونحوي. صدق من قال “ومعاصي الله سماجتها ……تزدان لذي الخلق السمج”
دكتوراه في الإعلام – فرنسا
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد