العرب يحسنون الخسارة

0

 

لم يخسر فاروق حسني منصب السكرتير العام لليونسكو، ولكن العرب هم من خسروا هذا المنصب خلال النزال الذي شاهدناه وقرأنا الكثير حوله في المنابر ووسائل الإعلام العالمية. وبالطبع أنا لا أجد هذا الأمر وهذه النتيجة غريبة ومدهشة كما حاول الكثير تصويرها. لأنّ ما حدث في الواقع يتماهى مع المعطيات السياسية على الساحة الدولية. السيدة البلغارية بوكوفا تنتمي للحزب الشيوعي البلغاري ولكن في مفهومه الحديث. وقد تقلّدت العديد من المناصب كان آخرها سفارة بلغاريا في باريس وغيرها من المناصب المهمة قبل ذلك. السيدة بوكوفا لم تكن تمثّل بالطبع بلغاريا بالقدر الذي كانت تمثّل الحضارة والجمهور الأوروبي، وقد كان هذا واضحاً من الدعم الذي تلقته وجعلها تتمكن من تبوء هذا المنصب شديد الحساسية عالميا. البلغارية بوكوفا بالطبع كانت البديل الأمثل للشخصية العربية فاروق حسني. ولا مكان هنا للمنظور السياسي الضيّق ونقصد بذلك أصولها الشيوعية، فقد تمكن الحزب الشيوعي البلغاري من تلوين نفسه كالحرباء وتغير إلى حزب اشتراكي بل واتخذ خطوات يمينية متطرّفة في بعض القضايا ذات العلاقة بالمسار الاقتصادي في بلغاريا. الأوروبيون والأمريكان يفهمون جيدا هذه الحقيقة. فهناك تناغم كامل وغزل لا ينقطع ما بين هذه الأطراف ولم يبق من ذاك العداء الشيوعي الامبريالي اللبرالي سوى ذكرى باهتة تدعو للأسف ولا شيء سوى ذلك. على أيّة حال لن تجد في أوروبا الشرقية من يقف أو وقف ضدّ هذه المرشّحة لنيل هذا المنصب الثمين، كما قرأنا من شماتة واستهزاء على صفحات الكثير من المنابر العربية. كيف يمكن لنهج الثقافة والتعليم العالمي أن يخضع لدماء ذات أصول عربية حتى لو بقيت وسائل الإعلام تطبّل وتزمّر ليل نهار لصالح السيد فاروق حسني.

يخطئ من يظن بانّ الموضوع يدخل ضمن صراع الحضارات بالمعنى المباشر لهذا المصطلح. الموضوع وما فيه أنّ العرب جميعاً لا يمتلكون أوراق ضغط قادرة على توفير الأصوات اللازمة لحصول السيد فاروق حسني أو أيّ مرشّح آخر على هذا المنصب. العرب جميعا خسروا هذا النزال، ونحن نستحقّ بجدارة هذه الخسارة. لقد تألمت مرتين حين قرأت نبأ فوز السيدة بوكوفا، الأولى حين خسر الأستاذ فاروق حسني النزال فقط لأنّه يتحدّث ويمثّل الهمّ العربي حتى وإن خالفني البعض في هذا الطرح. لكن العالم يفهمه من هذا المنطلق فقط ولا يهتمّ بما نتناوله في مواقعنا من اللوم والتجريح. وتألمت مرّة ثانية لأنّني أحمل كذلك الجنسية البلغارية وبهذا فإن السيّدة بوكوفا ستحمل همومي أيضاً كمواطن بلغاري وليس كفلسطيني. يا لها من مفارقة!

اليوم أدلت السيدة بوكوفا بأولى تصريحاتها واعلنت بأنّها تنوي محاولة عولمة الثقافة وتقريب الحضارات عبر منتدى وحوار عالمي مفتوح. كما ستعمل على تجديد المواقع والتماثيل الأثرية في بلغاريا وما أكثرها في هذا البلد. كما صرّحت قبل يومين بأنّها لم تشك لحظة واحدة بقدرتها على الفوز وقالت حرفيا “لو كنت أشك بفوزي لما تقدمت لهذا المنصب.” هذه الثقة الكبيرة بالنفس مبهمة بعض الشيء ولكنها لم تأت من فراغ. وقد أهدت الفوز لبلدها ولرئيس الحزب الاشتراكي السيد سيرغي ستانيشيف ولرئيس الوزراء الحالي السيد بويكو بوريسوف.

ربّما كان على السيد فاروق حسني عدم تقديم كل هذه التنازلات والاعتذارات لإسرائيل، لأن الفوز لم يكن مضمونا بعد أن انسحب المرشحون الكبار من النزال وباتت الساحة محدودة ما بينه وبين ممثلة أوروبا في هذا المحفل العالمي. لا اعتقد بأنّ السيد فاروق حسني كان سيتراجع عن اعتماد منهج تدريس المحرقة في غزة وفي المناطق التي تقع تحت نفوذ اليونسكو. ولكن السيدة بوكوفا لن تفكّر نهائيا بأنّ هذا المنهج قد يتعارض مع تربيتها لأنّ المحرقة هي جزء من الوعي الأوروبي ويدرّس منذ الصغر بل ويحتفل به عالميا وتقام الحفلات الموسيقية بهذا الخصوص. لهذا فهي الأقرب لطريقة تفكيرهم وتحقيق أهدافهم. الأوروبيون يشعرون بالذنب تجاه اليهود ومأساتهم إبّان الحرب العالمية الثانية وغير وارد لديهم إطلاقاً المساومة بهذا الخصوص حتى وإن تعادل الضحية والجلاد. الفلسطينيون واليهود. الطرف الأول ضحية الضحية (الثاني) وعليه أن يبكي الثاني قبل أن يلطم ويحاول الشكوى في المحافل الدولية من ظلم وعدوان الضحية. كما أن الضحية الكبرى “اليهود” لن يباركوا أي محاولة لتجريمهم أو مجرّد الإشارة إليهم بالبنان على أنّهم تسببوا بمأساة شعب بأكمله خلال أكبر عملية سلب وتفريغ لأراضٍ يعيش عليها أكثر من 5 ملايين مواطن في القرن العشرين وحتى اللحظة. وتمكّنت إسرائيل من التأثير المباشر في هذا الصدد حتى على الكثير من الليبراليين العرب، ولم نعد نجرؤ أحياناً التصريح بأنّنا ضحايا إسرائيل وإن فعلنا صاحوا بأن الأنظمة العربية تفعل ما لا تفكر بفعله إسرائيل “مهد الديمقراطية” في منطقة الشرق الأوسط. ولكن حتى وإن كانت الأنظمة العربية جائرة تجاه مواطنيها فهذا لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها تجاه ما اقترفته من ظلم وتشريد وتقتيل للشعب الفلسطيني مع احترامي لطموح وتطلعات كلّ ليبرالي عربي.

نعم .. خسرنا كثيراً بسقوط الأستاذ فاروق حسني والقضية أكبر من أن تكون تصريح هنا واعتذار هناك. فاروق حسني يمثّل الثقافة العربية، وكان من الطبيعي أن يضفي اهتماماً لقضايانا لو تمكّن من الفوز بهذا المنصب.

دعونا الآن نكتفي بجائزة نوبل للآداب! آه يا نجيب محفوظ. قد لا نتمكن من قراءة اسم مبدع آخر في المحافل الدولية. لأن هذه الجوائز العالمية والمناصب شديدة الحساسية قادرة على نقل ثقافتنا وطموحنا وآلامنا في أطر منظمة عالمياً. وكلّ خسارة ونحن وأنتم بخير!    

     

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.