إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

في رحيل حارس الارض الكبير عبد الله البشير

Basheer(15)بقلم : خالد منصور
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب
 
    اليوم ودعنا زيتونة رومية أصرت على الحياة الحرة الكريمة رغم هول رياح السموم الصهيونية.. اليوم فقدنا من كان يحرس الارض الفلسطينية وكأنها مهجة قلبه، ويسهر ويحنو عليها وكأنها ابن له أو اعز.. اليوم طويت صفحة اخرى من سفر النضال الفلسطيني.. وأقول طويت ولا أقول أبدا نزعت.. لأنها صفحة خالدة سطرها فلاح فلسطيني بدمه وعرقه ظل يقارع الاحتلال وكل إفرازاته 70 عاما، واقفا متحفزا كالطود الشامخ، الامر الذي جعل هذا الفلاح ابن الارض وحارسها مثلا يحتذى به في طول البلاد وعرضها، وقصة عطرة نرويها في كل مكان وركن من أرضنا الطيبة، لنشحذ بها همم شعبنا ونعزز صموده..
    انه المناضل الكبير عبد الله البشير ( أبو احمد ) ابن بلدة جينصافوط في محافظة قلقيلية،الذي سمعنا باسمه يتردد على السن كل المناضلين منذ ان كنا صغارا نتلمس الطريق للدخول في معمعان الكفاح الوطني.. ومازلنا نذكر الكتيب الذي أصدرته ( مؤسسة الارض والمياه– سابقا ) والذي اعتبر عبد الله البشير احد أهم رموز الدفاع عن الاراضي.. وسمعنا عنه العديد من الحكايات وهو يتحدى المستوطنين وسماسرة الاراضي منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.. وكانت تروى لنا القصص عن فلاح يلبس القمباز الفلسطيني ويعتمر الكوفية، يقف دوما بلا خوف ولا وجل وبصلابة قل نظيرها امام جرافات العدو، ويتحداه بجسارة بجسده العاري، ويصرخ وكأنه الأسد في وجوه المستوطنين وضباط جيش الاحتلال ( هذه ارضي ولن اتركها لكم ما دمت حيا ).. هكذا كان عندما صادر الاحتلال جزء من أرضه لشق طريق استيطانية تصل من طريق نابلس قلقيلية الى مستوطنة عمنوئيل، فقاوم وتحدى وثابر بالمتابعة.. ولأنه كان يدرك أهمية ممارسة كافة أشكال النضال، وضرورة استخدام كافة الطرق للوصول الى حقه– ومنها الطرق القانونية– فقد رفع قضية لاسترداد أرضه، لكن محاكم الاحتلال وكعادتها أقرت له التعويض– دون وقف قرار المصادرة– فرفض البشير يومها استلام التعويض– باعتبار ذلك عارا قد يلطخ سمعته وعائلته الى الأبد– ثم تحدى الاستيطان في معركة اخرى، حين واجه قرار مصادرة جزء من أرضه في موقع( راس عامر ) بالقرب من بلدة حجة لاقامة مصنع استيطاني ( اديرت ) .. يومها وقف امام الجرافات وعرض حياته للخطر، ولم يسمح باستمرار وجود المستوطنين على ذلك الجزء من أرضه، واستعان حينها بالمحامية الشيوعية الاسرائيلية فليتسا لانغر ( التي اشتهرت في تلك السنوات بدفاعها المستميت عن المعتقلين الفلسطينيين وعن الارض الفلسطينية ) والتي نجحت بانتزاع قرار بوقف المصادرة.. ولان أبو احمد ( عبد الله البشير ) كان فلاحا فلسطينيا أصيلا– فقد رفض حينها كل المغريات التي قدمها له ضباط الاحتلال والمستوطنين– الذين عرضوا عليه المبالغ المالية الطائلة، وعرضوا عليه المخترة والجاه، وعرضوا عليه الشراكة في المصنع، الا انه قال لهم يومها ( والله لو أعطيتموني الذهب بحجم الجبل ما تنازلت عن شبر من ارضي ولما انحنيت امام سطوتكم وجبروتكم ).. ويذكر أهالي جينصافوط عبد الله البشير جيدا، ويذكرون كيف كان يستشيط غضبا ويسارع لمهاجمة المستوطنين كلما دخلوا أرضه أو ارض جيرانه وينهال عليهم ضربا بالحجارة ( كما حصل عندما هب لنجدة جاره سيف البهلول واجبر اكثر من 50 مستوطنا على الفرار من الارض كالفئران ).. الامر الذي جعله مستهدفا من قبل أعوان الاحتلال سماسرة الاراضي، الذين كان أبو احمد يقوم دوما بفضحهم وبتحريض الفلاحين ضدهم، وجعل كذلك المستوطنون وفي مقدمتهم الارهابي موشي زوهر ( الذي يعتبر هو وعائلته من اخطر المستوطنين وأكثرهم تطرفا، والذي استولى على مئات بل وآلاف الدونمات من اراضي قلقيلية بالتزوير وبالاحتيال وبالارهاب ) يحقدون على أبو احمد، ويحاولون الخلاص منه بشتى السبل.. حيث هددوه اكثر من مرة بالإبعاد خارج البلاد، لكنهم ما لبثوا ان غيروا اتجاه تفكيرهم، فالصقوا به تهمة محاولة فاشلة لقتل المستوطن موشي زوهر، الامر الذي لم تتمكن محاكم ومخابرات الاحتلال من إثباته، ورغم ذلك القوا به في السجن لمدة عشرة شهور، حاولوا خلالها ابتزازه لمقايضة موقفه الوطني المشرف ضد الاستيطان بالإفراج عنه.. ولأنهم فشلوا امام صلابة هذا الفلاح– المدرك لخطورة وأبعاد المخططات الاستيطانية– ولان كل أساليبهم لم تجعله يلين أو ينحني، فقد دبروا له تهمة جديدة هي ( التحريض على قتل احد المتعاونين سماسرة الاراضي )، وأعادوه الى السجن مرة اخرى لمدة 30 شهرا، قضاها بين صفوف المعتقلين يرفع من معنوياتهم ويعلمهم حب الارض وسبل الدفاع عنها..
    لقد عانى الراحل الكبير عبد الله البشير طوال حياته من عسف وظلم الاحتلال، وعاشت معه عائلته ايضا حياة مليئة بالقلق والرعب، وبالتهديد والإرهاب، وبالمداهمات الليلية والاعتقالات، وقد دفعت زوجته وشريكة عمره حياتها ثمنا لصمود الأسطوري، حيث توفيت حين سمعت يوما نبا خسارة زوجها قضية كان قد رفعها امام المحاكم الاسرائيلية، الامر الذي فهمته تلك الفلاحة الفلسطينية كضياع لجزء من أرضها زورا وبهتانا..
 
مخيم الفارعة – 25/9/2009
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد